الدرس في شرح سلم الوصول إلى علم الأصول 30، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يثبت الله المؤمنين بالقول الثابت يوم القيامة، ويصف مشهد قيام الناس من قبورهم كجراد منتشر وتأثير سماعهم للداعي يومئذ. يوم القيامة يوم عظيم تشخص فيه الأبصار.
يجمع الله الخلائق جميعا في أرض بيضاء مستوية، يوم عظيم يفزع الناس وتشخص فيه الأبصار. يوم الحشر يوم عظيم يجتمع فيه الناس جميعا، علويهم وسفليهم.
النار تحشر الناس إلى أرض الشام، وقد وردت أحاديث نبوية تصف هذا المشهد وتفاصيله. يخرج الناس رغبة ورهبة، ثم تأتي النار لتحشر من تبقى.
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله صلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، أخذنا مسألة البعث، وهو القيام من القبور. قال: وعند ذا يثبت المهيمن بثابت القول الذين آمنوا، أن يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت. قال: ويوقن المرتاب عند ذلك بأن ما مورده المهالك، أن بعد ذلك المرتاب المتشكك الكافر يوقن أنه هالك، وباللقى والبعث والنشور، ومن قيامنا من القبور، أنه يوقن بهذا؛ لأنه متشكك فيه في الدنيا، أو أنه ينكره في الدنيا، لكن يوم القيامة يراه رأي عين، يرى الناس يقومون من قبورهم. فكما قال الله عز وجل: ﴿إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها وقال الإنسان ما لها﴾، يعني ما الذي حصل للإنسان؟ يستنكر ما هذا الذي يحصل. وهذا الإنسان، قال بعض العلماء: أنه الكافر، أما المؤمن فهو يعرف هذه الأمور ويؤمن بها، وأما الكافر فهو الذي يستنكر هذا الأمر. وهذا هنا قال: ويوقن المرتاب عند ذلك بأن ما مورده للمهالك، وباللقى والبعث والنشور، وبقيامنا من القبور غرلا حفاة كجراد منتشر، يقول ذو الكفران: ذا يوم عسر. معنى عندما يقوم الناس من قبورهم كأنهم كما قال الله عز وجل: ﴿كأنهم جراد منتشر﴾، الجراد المنتشر، منهم من يذهب هنا، ومنهم من يذهب هنا، يتعارضون، فيقوم الناس من قبورهم ولا يدرون أين يذهبون. ثم بعد ذلك يسمعون الصوت، بعد ذلك يأتيهم الصوت فيسمعونه، فهذا الصوت هو الذي إذا سمعوه أنصبوا إليه يومئذ. قال الله عز وجل: ﴿يومئذ يتبعون الداعية لا عوج له﴾، معنى ما يرحون هنا ولا هنا، خلاص إذا سمعوا الداعي أن يسمعون صوتا كأنه يناديهم فيتبعونه، فيتبعونه كأنهم إلى شيء يوفضون، يعني كأنهم إلى شيء ذاهبون كلهم، كأنهم إلى شيء معين كلهم يذهبون إلى ذلك الصوت. وأيضا يسرعون إلى هذا الصوت كما ذكر الله عز وجل، كما قال: معناه يقوم من الأجلاس سراعا، سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون، النصب: الشيء المنصوب، كأنهم إلى نصب يوفضون، أي يمشون ويعينون هذا النصب يريدون إليه، كأن هناك شيء يريدون أن يذهبوا إليه. خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة، معنى الأبصار خاشعة مستكينة. لكن ذكر الله عز وجل قبل هذا أنها تشخص هذه الأبصار، فذكر في سورة إبراهيم: ربنا جل وعلا قال: ﴿ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار﴾، تشخص: معناه تنفتح، قال: ﴿تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء﴾، وعنى: ينظرون وشاخص أبصارهم حتى طرفهم، طرف العين ما يرتد من كثرة النظر وتشخيص العينين. فقال جل وعلا: ﴿شاخصة أبصارهم ترهقهم ذلة﴾. وأيضا هنا قال جل وعلا: ﴿ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعي رؤوسهم﴾، مع قنوع رؤوسهم، إلا أن عينهم شاخصة، لا يدرون إلى أين يذهبون، مهطعين مقنعي رؤوسهم، لا يرتد إليهم طرفهم، وأفئدتهم هواء، هواء: معنى مشغولة، معنى الإنسان لما يكون خائف ما يلتفت لشيء، ينظر إلى معنى، قلبه كله متفرغ لهذا الشيء، إلا حصل. فهؤلاء يمشون وقلوبهم خائفة إلى أين نمشي وإلى أين هذا الصوت؟ فالناس يفزعون ويذهبون خلف الصوت، معنى كلهم في منظر رهيب، وهذا معنى يذهبون إلى مكان الحشر غرلا حفاة كجراد منتشر، يقول ذو الكفران: ذا يوم عسر. قال: ويجمع الخلق ليوم الفصل جميعهم علويهم والسفلي، أن هذا الحشر عندما يجمع الله عز وجل، قل: ﴿إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم﴾، كلهم يجمعهم الله عز وجل في ذلك اليوم، الخلائق كلهم من أولهم إلى آخرهم، من لدى آدم إلى آخر مخلوق في هذه الأرض، يجمعهم الله عز وجل في ذلك المكان. وهذا المكان أرض بيضاء كالخبزة، ليس لأحد فيها علم، هذا المكان مفتوح، مكان منبسط، كما قال الله عز وجل: ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار﴾، السماوات مطويات بيمينه، يطوي الله عز وجل السماوات ويبدل هذه الأرض، فالجبال تدق، يسألونك عن الجبال فقل: ﴿ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا﴾. وذكر في الآية الأخرى أن الجبال تكون كثيبا مهيلا، أنه عندما تندك هذه الجبال تصير أولا كالعصف المأكول، أنه تصير مثل هشيم هذا الذي يخرج من الزراعة الصغير، ثم تصير كثيبا مهيلا، الكثيب: هذه التربة المالحة تسمى كثيب، معنى تربة الصحراء تصير مثل الكثيب، ثم تكون هذا الكثيب قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمت، خلاص كل الجبال تندق وتكون أرض واحدة، ما فيها جبال ولا فيها طلعا ونزلا، كلها أرض مستوية، وليس فيها علم لأحد، أن ليس فيها أماكن معينة هذا لفلان هذا لفلان، لا، فهذه الأرض لا يجد الإنسان فيها إلا موضع قدمه. وأيضا إذا الناس يمشون فيها كما قال الله عز وجل: ﴿لا تسمع فيها إلا همسة﴾، قيل: الهمس هذا هو مشي الرجلين، معنى يتعمل الإنسان هذا الموقف، الناس كلهم يمشون إلى شيء معين، معنى مسرعين وشاخص أبصارهم، قلوبهم فارغة، ويمشون إلى موضع معين يريدونهم، لكن هم ما يدرون أين هذا الموضع، لكن عملهم يدل على أنهم يمشون إلى موضع معين. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن النار تأتي بعد ذلك، هي التي تقيلهم، حيث قالوا: لكن الصحيح أن النار هذه قبل البعث؛ لأن الحشر حشران، حشر قبل القيامة وحشر بعد القيامة، الحشر الذي قبل القيامة هو الذي يكون فيه النار تحشرهم النار، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تبيتوا معهم وتقيلوا معهم»، تحشرهم إلى أين؟ إلى أرض الشام، أرض المحشر والمنشر. فأرض الشام يأتيها الناس، منهم راغب وراهب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «على ثلاثة أصناف، منهم راغب وراهب، ومنهم راكب العشرة في مركوب والأربعة»، وهكذا كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس يشتركون لقلة الرواحل، ما يجدون ما يركبون عليه. لكن هناك ناس خرجوا إلى الشام رغبة ورهبة، رغبة في أرض الشام لأنها أرض الإسلام في ذاك الزمان، ورهبة أي رهبة من الفتن وترك الفتن، فيخرجون رغبة ورهبة. وإذا وقع الأمر يخرج الناس بالمركوب، معنى كل واحد يريد يهرب، فيكونوا العشرة ستة أربعة، معنى تعاقبون على بعير واحد، والبقية تأتي النار تحشرهم، ما في أحد يبقى، كل الناس يحشرون، فتأتي النار تحشرهم. وهذه النار تخرج من حضر موت أو من عدن، من قعر عدن، ثم تأتي إلى حضر موت فتبدأ، فتبدأ بعد ذلك في حشر الناس؛ لأن الآن عدن معنى في معنى عنده باب المندب، فإذا خرجت النار تأتي إلى حضر موت تمشي كذا، بعد ذلك إذا جاءت إلى حضر موت تمشي إلى الشام، معنى تأخذ كل مكان في الجزيرة. وهل هناك أناس آخرون غيرهم؟ الله أعلم، معنى هل هناك آخرون أيضا في العالم أو أن العالم هذا يذهب؟ هذه أمور لم يذكر فيها شيء، لكن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن النار تحشر الناس، لكن هذا كما قلنا قبل القيامة، أما بعد القيامة فالله عز وجل يحشرهم إذا أقامهم من قبورهم حشرهم في ذلك المكان أو فيها تلك الأرض. قال: جميعهم علويهم والسفلي، أن سواء كان العالي منهم الغني الرئيس وغيره، والمرؤوس كذلك، كلهم يحشرون معا، ليس لأحد مزي على الآخر. قال: في موقف يجل فيه الخطب ويعظم الهول به والكرب، يجل فيه الخطب: معنى المراد بالخطب الشأن، معنى يجل فيه الخطب معنى الشأن عظيم، معنى الإنسان يخاف ويهول، كما قال: «قلوبهم وعفدتهم هواء»، العفدة: معنى القلوب. قالوا: يعظم الهول به والكرب، حتى يقول الكافر: «هذا يوم عسر». قالوا: «احضروا للعرض والحساب، وانقطعت عليق الأنساب».