الأسباب الشرعية في جلب الأرزاق الدنيوية 1

الأسباب الشرعية في جلب الأرزاق الدنيوية 1

الدرس في الأسباب الشرعية في جلب الأرزاق الدنيوية 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مفهوم الرزق ومعناه في الإسلام

يُعرّف الرزق في الإسلام بأنه كل ما ينتفع به الإنسان، ويشمل ليس فقط المال بل كل ما يُستفاد منه مثل الطعام والشراب والزوجة الصالحة والأولاد. يُبين أن مفهوم الرزق أوسع بكثير من مجرد المال.

أنواع الرزق وتوسيع دائرة التفكير فيه

يشمل الرزق في الإسلام الأموال والزوجة الصالحة والأولاد وراحة البال وصحة الأبدان والأمن وتوفير لقمة العيش. يجب على المسلم أن يوسع دائرة تفكيره في الأرزاق ويحمد الله على ما أعطاه.

أهمية الرضا بالأرزاق وتجنب الأساليب الفاسدة في طلبها

يُناقش المتحدث أهمية التعرف على الأرزاق والرضا بها، ويشير إلى أن بعض الناس قد يشعرون بعدم الرضا رغم ما لديهم من نعم، ويعبر عن رغبته في مناقشة هذا الموضوع وغيره من المواضيع ذات الصلة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، إخواني في الله، من المواضيع الملحة ومن المسائل المهمة التي نحتاج إلى طرقها في هذه الأزمان، خاصة ما يتعلق بمسألة الأرزاق، لا شك ولا ريب أن مسألة الرزق أصبحت عند كثيرٍ منا هي الهاجس الأعظم والهم الأكبر، أصبح الواحد منا لربما يصبح ويمسي وهو يجعل في باله كيف يتحصل على الأرزاق. إخواني في الله، لا شك ولا ريب أن العناية بهذا الباب من الأمور الملحة، وإن الإنسان بل والإسلام قد شرع للإنسان مسألة الاكتساب والارتزاق، وها هم الأنبياء وها هم الرسل عليهم الصلاة والسلام، ذاك الذي يعمل وذاك الذي يحترف، بل ما من نبي إلا ورعى الغنم، كل ذلك في سبيل أن يطلب رزقًا. بل إن الله سبحانه وتعالى أشار إلى ذلك في محكم التنزيل، فقال جل وعلا: ﴿ولا تنسَ نصيبَك من الدنيا﴾، ومن نصيب الدنيا ما يكون به الإنسان من الارتزاق والسعي على طلب المال وجني الأموال الذي به يكون العصب الحيوي لحياته، فلا بقاء للإنسان إلا بأموال وأرزاق يعيش بها ويعول ويعيل من تحته. إلا أن هذه الطريقة، طريقة الاكتساب، للأسف قد دخلها الداخل من بعض الاعتقادات الفاسدة، ومن بعض الأعمال الفاسدة التي ينبغي ويجب على كل مسلم ومسلمة أن يتعرف على أخطاء الناس في باب السعي والأرزاق، ولا شك أن الأخطاء كثيرة جدًا في هذا الباب. وحسبنا في هذا المقام أن نأخذ في كل يوم إن يسر الله ببعض الأخطاء وبعض السلوكيات المنحرفة، مع بعض التوجهات والنصائح التي علينا بها الإسلام في تربية أهل الإسلام في كيفية الحصول على الأرزاق. وأولى هذه المسائل التي أود أن أذكرها في هذا المقام مسألة ألا وهي: ما هو الرزق؟ للأسف أن نجد أن الكثير من الناس إن تحدث عن الرزق ذهب وهله وحدسه وظنه إلى أن الرزق هو المال، بل أصبحت هذه المعادلة لا تنفك عن أحد منا، إذا ذكر الرزق فالرزق هو المال، وإذا ذكر المال فالمال هو الرزق، وهل هذا صحيح؟ الجواب: لا، هذا ليس بصحيح. وهذا التفكير بهذه الصورة العوجاء أثر في كثير مننا من خلال تعبده لله، ومن خلال اعتقاده بربه. الرزق، إخواني في الله، قد عرفه العلماء بتعريف جامع مانع، قالوا: الرزق هو كل ما ينتفع بحصوله، كل ما تجد يا عبد الله منفعة من ورائه، هذا في الحقيقة رزق ساقه الله إليك، ليس شرط أن يكون مالًا. ألم تسمع إلى قول الله جل وعلا: ﴿الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم﴾، ما الذي أخرج ربنا من الأرض؟ الريالات؟ الدنانير؟ الدراهم؟ الذهب والفضة؟ لا، هذا ولا ذاك، فما الذي يتحدث عنه القرآن؟ عن رزق أخرجه الله جل وعلا من الأرض: الثمار، الحبوب، وما كان من معانيها من المنافع الذي يستفيد منها الإنسان مما يخرج من الأرض، هذا رزق، منها نأكل، ومنها نشرب، ومنها نعصر شرابًا، ومنها ما نبيع، ومنها ما يعود إلينا مالًا ومردودًا. هذا هو الرزق في لسان الشرع، وبهذا إذا علمنا ذلكم علمنا أن كل ما تحصل بسببه منفعة فهو رزق، إذن من الأرزاق نعم الأموال، فالأموال نوع من أنواع الرزق، وليس كل الرزق. من الأرزاق، إخواني في الله، الزوجة، إذا حباك الله جل وعلا بزوجة صالحة فاعلم أنها رزق، ولهذا صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام، كما عند الطبراني بإسناد حسن، قال: «من رزقه الله زوجة صالحة فقد أعانه على شطر دينه، فليتق الله في الشطر الآخر»، فجعل الشرع الزوجة رزقًا. كذلك من الأرزاق ما يكون من نعمة الأولاد والذرية، ووجود الأحفاد، هذه نعمة رزق، رزق يا عبد الله أن الله يعطيك من الأولاد والذرية، ثم إذا كان من هذه الذرية من البر والطاعة والإحسان لوالديهم هذا رزق أعظم. ومن هنا كان من دعاء السلف إذا أراد أحدهم أن يهنئ الآخر على مولود ما، قال: «بارك الله لك في الموهوب، ورزقت بره»، رزق كون أن الله جل وعلا حباك بمولود، وأن هذا المولود ينشأ على الطاعة والإحترام والبر لوالديه، فسمى شرعنا على لسان سلفنا أن هذا رزق. وهكذا ما يكون من الأرزاق ما تجده يا عبد الله في نفسك من راحة البال، وانشراح الصدر، وسكون القلب، وهدوء النفس، حتى قال بعض السلف: «نحن في نعمة لو يعلم بها الملوك وأبناء الملوك لجالدون عليها بالسيوف»، هذا نعمة عظيمة ورزق يعطيه ربنا جل وعلا لبعض عباده، ما يكون من راحة البال، لا هم، لا غم، لا ضيق، لا حرج، لا هلوسة، لا ما يكون من الأوضاع المتردية مما يبتل بها بعضنا من الاكتئاب والقلق والفزع والهلع، هذا رزق. إذا رأيت أن الله حباك براحة البال، كذلك من الأرزاق يا عبد الله ما يجده الواحد من نعمة الأجساد وصحة الأبدان، أن تجد أنك معافى لا ألم ولا وجع، تجد أنك تتمتع بكامل أعضائك من سمعك وبصرك وقوتك، هذا رزق. زد على ذلك من الأرزاق ما تجده من الأمن والأمان، ترتع وتمشي وتمضي، تذهب وتأتي إلى بيتك وعملك وأنت آمنًا مطمئنًا، لا خوف من اغتيال، ولا خوف من قتل، ولا رهب من أحد أن يستولي على مالك أو أن يغتصب عرضك أو أنك تبتلى بشيء من ذلك، هذا نعمة عظيمة رزق. كذلك ما يكون من توفير لقمة العيش، تجد أن الله عز وجل تكفل بإطعامك ويسر لك ما يكون فيه زادك، هذا نعمة، وهذه نعمة الثلاثة الأخيرة جاء ذكرها على لسان النبي عليه الصلاة والسلام على محض النعمة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «من أصبح منكم معافى في بدنه، آمنًا في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا»، أنت ملك من مثلك في الرزق؟ من مثلك في النعمة؟ حباك الله بهذه الصفات الثلاث. من أصبح منكم آمنًا في سربه، فسر السرب هنا بالعشيرة والقبيلة والدار، آمن مطمئن، زد على ذلك معافى في بدنه، لا ألم ولا وجع، ثم أضف إلى ذلك عنده قوت يومه، فقال عليه الصلاة والسلام مبينًا رضم هذه الأرزاق الذي يمن الله على من شاء من خلقه: «فكأنما حيزت له الدنيا». إخواني في الله، لو استرسلنا في هذا الموضوع سنخلص إلى هذه الفائدة أن نتعرف على الرزق، ما هو الرزق؟ الرزق هو ما سمعتم: كل ما تحصل بسببه فائدة، كل ما ينتفع منه فهو رزق، الزوجة رزق، الأولاد رزق، ستر الحال رزق، الأمن والأمان رزق، كذلك توفير لقمة العيش رزق، وهكذا يا عبد الله ما يكون من توفير المال رزق، كل ذلك أرزاق. إذا علمنا ذلك حين نعلم خطأ الكثير من المتسخطين والشاكين الباكين، تجد من الناس بل ربما يظل طيلة يومه وهو يئن شكوى، يئن من البكاء: ما لك يا عبد الله؟ يا أخي تعبنا، ما في مال، ما هناك دنانير، الله أغلق علينا الدنيا، ما عندي شيء، ما رزقني الله. قل: قف، ما رزقك الله؟ أسألك: كم عندك من الولد؟ قال لك: ستة، ستة، ستة من الولد، ومع ذلك تجد أن الله ما رزقك، سبحان الله، ما لا تسمي هؤلاء الذرية؟ أتريد يا عبد الله الرزق؟ سأتيك برجل لربما عنده ملك الدنيا، فما نجده الآن عنده مئات المئات من الأموال، بل تصل إلى الملايين، ومع ذلك ما ظفر بنسمة، ما استطاع أن ينجب، ما استطاع أن ينجب. لا ألجئ بهذا الرجل إليك يا من تبكي بما لا مال عندك، وهذا الذي عنده المليارات لقال لك: اتق الله، اتق الله، والله خذ مني عشرين مليون، ثلاثين مليون، أعطني ولد واحد، ولد واحد تتبرأ منه واجعله لي باسمي، ماذا ستقول وأنت عندك ستة؟ ثم تشتكي وتبكي وتقول بأن الله ما رزقك، ولا تسمي هذا وأنت تصبح وتمسي مع هؤلاء الذرية الذي لطالما الأغنياء وأهل الترف بحثوا عن علاج، لكن ابتلاهم الله بعدم الذرية، فحمد الله. أو ذاك الذي يئن ويبكي مثل الأول يشتكي: لا مال، لا رزق، الله ما رزقني، قل: اوقفي يا عبد الله، أسألك سؤال: أتعاني من أمراض؟ يقول: لا، أشعرني، أسألك: أتعاني من أمراض؟ أعندك مرض القلب؟ أتعاني من غسيل الكلى؟ أتعاني من السكر؟ أتعاني من هذه الأمراض؟ قل: لا والله، الحمد لله، ما أعاني من شيء، الحمد لله، إن كان من مرض حمى وزكام. ومع ذلك يا عبد الله ما تجد أن الله رزقك وأنت تتمتع بهذه الحيوية، بهذه الصحة والأبدان، تعال أريك يا عبد الله مقدار هذه النعمة الذي حباك الله، بيتعال جره إلى بعض المرضى ممن ولربما طريح الفراش، لا أقول أيام وأسابيع، لا والله، بل بعضهم سنوات، سنوات وهو طريح الفراش، لربما دفع من المال ما دفع في سبيل عافيته، ذهب إلى أوروبا، ذهب إلى آسيا، ونعرف بعضهم أعطاه الله مالًا والله، لكنه مقعد، إما على كرسي متحرك أو أنه في فراش، ما استطاع، يئس الأطباء من عافيته. تعال وتعال عند هذا لقالك هذا يا فلان، أنت ترى ما عندك مال، خذ خذ مالي، خذ خمسين، سبعين مليار، مليون، ملايين بالدولارات، لكن أعطني العافية، دعني أمشي، دعني أسير على وجه الأرض، أنظر إلى الناس والناس ينظرون إلي، خذ المال كله، أعطني الصحة، ماذا ستقول حينها؟ ترضى؟ ترضى يا من تشتكي وتتصبر ثم تتذرع بأن الله ما رزقك؟ أعد النظر يا أيها الشاكي، يا أيها الباكي، عباد الله ينبغي أن يحرر المقام في هذا الموضوع المهم، موضوع الأرزاق، ينبغي أن نفتح المدارك ونوسع الإدراكات، وأن نعلم أن الرزق ليس هو المال فقط، بل في الحقيقة أن المال ما هو إلا جزء من أجزاء كثيرة من الأرزاق. فتجد أن الله لربما أنعم على كثير مننا بالعديد من الأرزاق، ومع ذلك الواحد يرى نفسه أنه لم يرزق بشيء، فهذا إخواني فينا من المباحث المهمة الذي نبتدأ بها هذا المبحث، وسيأتي معنا مباحث كثيرة وأساليب فاسدة نجدها في عالم الناس وهم يطرقون باب الأرزاق. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.