التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 102

التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 102

الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 102، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

قراءة النسخة المزيدة وقصة لقمان

يشرح الشيخ سبب قراءة النسخة المزيدة من كتاب قصص الأنبياء لذكر قصة لقمان، ثم يفسر قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ مستنداً إلى تفسير الإمام السعدي، مبيناً أن الحكمة هي العلم بالحق على وجهه والعمل به.

منّ الله بالحكمة وأمر الشكر وصفات الغنى والحمد

بين المقطع أن الله آتى لقمان الحكمة فأمره بشكرها، مبيناً أن الشكر يعود نفعه على العبد والكفر يضر صاحبه، وأن الله غنيٌّ حميد لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية.

أصول الحكمة في وصية لقمان وعظمة ظلم الشرك

تضمنت وصية لقمان لابنه أصول الحكمة وقواعدها الكبار التي اجتمعت عليها الشرائع: التوحيد، بر الوالدين، مراقبة الله، الإحسان، ومكارم الأخلاق، ووضح أن الشرك ظلم عظيم لتسوية الخالق بالمخلوق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله محمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، بالنسبة لكتاب قصص الأنبياء فعندي نسختان: النسخة الأولى التي كنا نقرأ فيها أكثر قصص الأنبياء، وهذه النسخة الأخرى التي فيها الزيادات. فأحببنا تتميماً للفائدة أن نقرأ من هذه النسخة التي فيها الزيادات حتى يعم النفع. ففي هذه النسخة ذكر قصة لقمان، ويذكر مثل هذا القصص لأن الغرض من تأليف هذا الكتاب القصص القرآني، ولكن يغلب على هذا القصص الذي في القرآن أنه قصص الأنبياء، ولذلك يعنون المؤلفون لقصص القرآن بقصص الأنبياء، ثم يدخلون في هذا القصص ما ورد في القرآن من غير قصص الأنبياء، كقصة أصحاب الكهف مثلاً، هذا ليس من قصص الأنبياء كما مر معنا، كذلك قصة لقمان، الصحيح أنه ليس بنبي، وهكذا قصة ذي القرنين على الاختلاف الذي حرر في هذه المسألة، فمنهم من لم يرى نبوته، وهكذا قصة أصحاب السبت وغيرها من هذه القصص. فتتميماً للفائدة نذكر ما ذكر في هذه النسخة من قصص غير الأنبياء، ثم نختم بإذن الله تعالى بقصة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لأنه خاتم الأنبياء والمرسلين. طيب، قصة لقمان ذكرت في أول سورة لقمان: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ﴾ [لقمان: 12] إلى آخر هذه الآيات. يقول العلامة الإمام المفسر عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: يخبر تعالى عن امتنانه على عبده الفاضل لقمان بالحكمة: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ ﴾، ثم بيّن ما هي الحكمة، فقال المؤلف: وهي العلم بالحق على وجهه. انظر إلى هذا التقييد: العلم بالحق على وجهه، وحكمته على وجهه. وحكمته يعني أن تعلم بالحق كما أراد الله عز وجل لا كما فسر من قبل بعض الناس. وحكمته يعني كيف تضع هذا العلم في موضعه، لأن الحكمة هي وضع الشيء في موضعه، ولا يكون ذلك إلا بالعلم، ولا يكون ذلك إلا بالعلم. فقال: الحكمة هي العلم بالحق على وجهه، وحكمته فهي العلم بالأحكام ومعرفة ما فيها من الأسرار والإحكام. انظر هذه هي الحكمة: العلم بالأحكام، الأحكام الشرعية: حلال، حرام، يجوز، ما يجوز، صحيح، خطأ. هذا لا يمكن أن يصل إليه العبد إلا بإيش؟ إلا بالعلم. طيب، عرفت أن هذا حلال وهذا حرام، بقي ماذا؟ معرفة ما فيها من الأسرار والإحكام، أن تعرف ما هي الحكمة من هذه التشريعات، وما هي كذلك الفائدة من هذه الأحكام. قال: فقد يكون الإنسان عالماً ولا يكون حكيماً. قد يكون عنده تسأله: هذا حلال، هذا حرام، هذا جوز، هذا ما يجوز، لكن ما عنده حكمة، ما يستطيع يطبق هذا العلم، ما يضع هذا العلم في موضعه، ما يضع هذا العلم في موضعه. حُرِمَ الحلم والحكمة وإن كان عنده العلم. وهذا معنى قوله: فقد يكون الإنسان عالماً ولا يكون حكيماً. وأما الحكمة فهي مستلزمة للعلم، يعني لا يكون العبد حكيماً حتى يكون عالماً، لا يكون العبد حكيماً حتى يكون ماذا؟ عالماً. قال: قال بل وللعمل، لا يعمل الإنسان على وفق شريعة الله عز وجل إلا بالعلم، ولذلك قدم الله عز وجل العلم قبل القول والعمل كما في قوله تعالى: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ ﴾ [محمد: 19]. فإذا الحكمة والعمل كلاهما راجعان إلى العلم، ولهذا فسرت الحكمة بالعلم النافع والعمل الصالح، العلم النافع الذي هو علم الشريعة، والعمل الصالح الذي هو ثمرة العلم. والحكمة في الحقيقة هي ماذا؟ هي ثمرة العلم، هي ثمرة العلم. هذا معنى قوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ ﴾، عرفنا ما معنى الحكمة. قال: ولما أعطاه الله هذه المنّ العظيمة أمره أن يشكره على ما أعطاه: ﴿ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ﴾، قال سبحانه في أول هذه الآية: ﴿ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ﴾ [لقمان: 12]. فلما أعطاه الله هذه المنّ العظيمة أمره أن يشكره على ما أعطاه، وكما قال الله عز وجل: ﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ [البقرة: 269]. من أوتي الحكمة، العلم النافع والعمل الصالح، فقد حاز جميع الخير، فقد حاز جميع الخير. فلذلك أعظم ما يشكر العبد به ربه إذا أعطي الحكمة، إذا أعطي العلم وأُوفق للعمل الصالح. قال: أمره أن يشكر على ما أعطى ليبارك له فيه وليزيده من فضله، وأخبره أن شكر الشاكرين يعود نفعه عليهم، وأن من كفر فلم يشكر الله عاد وبال ذلك عليه. فلا تظن أنك إذا شكرت الله فالله عز وجل ينتفع بذلك، هو الغني سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ [فاطر: 15]. فمن شكر فإنما يعود شكره على نفسه أو لنفسه، ومن كفر فلا يضر إلا نفسه، فإن الله غني حميد سبحانه وتعالى، لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين سبحانه وتعالى. قال: ﴿ وَاللَّهُ غَنِيٌّ عَنْهُ حَمِيدٌ ﴾ [إبراهيم: 8] فيما يقدره ويقضيه على من خالف أمره، لأن من كفر فهو مهدد بالعقوبة وبأخذ هذه النعمة، كما قال عز وجل: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم: 7]، وكما قال عز وجل: ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ﴾ [النساء: 147]، مفهوم المخالفة: إن لم تشكروا ولم تؤمنوا يعذبكم الله عز وجل. ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ﴾. قال: ﴿ وَاللَّهُ غَنِيٌّ عَنْهُ حَمِيدٌ ﴾ فيما يقدره ويقضيه على من خالف أمره. فغناه تعالى من لوازم ذاته، وكونه حميداً في صفات كماله، حميداً في جميل صنعه من لوازم ذاته، فهو غني لا يحتاج إلى غيره عز وجل، وهو حميد لكمال أسمائه وصفاته ولإنعامه وفضله على عباده، فهو وهو يحمد على هذين: على كمال أسمائه وصفاته وجلاله، وعلى إنعامه وامتنانه على عباده. وهذا معنى قولك: الحمد لله رب العالمين، تحمده على كماله وعلى إنعامه سبحانه وتعالى. قال: وكل واحد من الوصفين صفة كمال، يعني الغنى والحمد. قال: واجتماع أحدهما إلى الآخر زيادة كمال إلى كمال. وهذه قاعدة لعل بعضكم قد درسها في دروس الأسماء والصفات: أن الاسم إذا أفرد من أسماء الله له معنى، فإذا انضم اسم آخر إليه ازداد معنى إلى معنى. فمعنى هو الغني الحميد: أي غني لكماله سبحانه وتعالى، لكماله لأنه يحمد لكماله، وهو حميد أي يشكر سبحانه وتعالى لغناه، لغناه وكثرة عطائه سبحانه وتعالى، فهو المنعم، فهو المنعم على عباده. فإذا اجتمع مثل الرحيم الغفور، يعني من رحمته أنه يغفر الذنوب، أنه يغفر الذنوب من رحمته سبحانه، فيزداد، يزداد الاسم بإضافته إلى غيره معان تزيده كمالاً إلى كماله، تزيده كمالاً إلى كماله. قال: قال واختلف المفسرون: هل كان لقمان نبياً أو عبداً صالحاً؟ والله تعالى لم يذكر عنه إلا أنه آتاه الحكمة، يعني كأن المؤلف يميل إلى الثاني وهو أن لقمان عبداً، أن لقمان عبد صالح وليس بنبي. قال: وذكر بعض ما يدل على حكمته في وعظه لابنه، يعني بين أن لقمان حكيم. طيب، ما هي صور حكمته؟ ذكر بعض هذه الصور: هذه النصائح لابنه، هذا يدل على رجاحة عقله وعلى حكمته. فذكر أصول الحكمة وقواعدها الكبار، يعني ما سيأتي من هذه النصائح فهي أصول وقواعد الحكمة، لأن هذه من أعظم وأكبر القواعد في الشرائع، في الشرائع: التوحيد هو أعظم حق لله عز وجل، وحق الوالدين وهو أعظم حق للمخلوقين، ومراقبة الله سبحانه وتعالى وهو من الإيمان بالله عز وجل وهو أعظم ركن من أركان الدين، الإحسان، الإحسان، وكذلك الأخلاق الفاضلة من التواضع ومن خفض الجناح وخفض الصوت ونحوها من تلك الأخلاق التي تدعو إليها جميع الشرائع، فهي أصول، فهي أصول اجتمعت عليها الشرائع وهي من القواعد الكبار. وهذا يدل على حكمته، ما وعظه بأمور ثانوية أو بأمور ليست بكبار، وإنما وعظه بهذه الأصول العظيمة، فهذا دليل على حكمته. قال: فقال: ﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ ﴾ [لقمان: 13]، أو قال له قولاً به يعظه، يعني فيها قولان: ﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ ﴾، أي كون حاله يعظ لقمان ابنه، هذا قول. والقول الآخر: أن لقمان بهذا القول يعظ ولده، فقوله في القول الأول: ﴿ وَهُوَ يَعِظُهُ ﴾، هذا حال لقمان حين وعظه لابنه. والقول الثاني: ﴿ بِهِ يَعِظُهُ ﴾، هذا يعود، يعود نعته ووصفه إلى نفس الوعظ، إلى نفس الوعظ، أي أن هذا الوعظ هو الذي به يعظ لقمان ابنه. وما الوعظ؟ الوعظ الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب. ولذلك لما تريد أن تعمل موعظة، الموعظة يكون فيها ترغيب وترهيب، مثلاً: وهذا طريقة القرآن، مثلاً الترغيب في الجنة والترهيب من أيش؟ من النار. طيب، الترغيب في بر الوالدين والترهيب من ماذا؟ من العقوق. وهكذا في غيرها من الأمور التي فيها ترغيب وترهيب، هذا يسمى وعظ، يسمى وعظ. وهذا ما ورد في وصية لقمان لابنه: أمره بالتوحيد وهو كذلك رغبه فيه، ونهاه عن الشرك ورهبه منه، وهكذا أمره ببر والديه ورغبه فيه، ونهاه عن عقوق الوالدين ورهبه منه، وهكذا، فهذا يسمى الوعظ. قال: فأمره بالإخلاص ونهاه عن الشرك، وبين له السبب في ذلك فقال: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13]. قال: ﴿ يَا بُنَيَّ ﴾ [لقمان: 13]، وهذا فيه تلطف بالابن، تلطف. قالوا: هذا ليس على سبيل التصغير، وإنما على سبيل التلطف، على سبيل التلطف مع الولد الذي يدل على الرحمة، يدل على الرحمة. فقال له: يا بني، لا تشرك بالله. نهاه عن الشرك، ثم رهبه منه، وبين له خطورة هذا الشرك، فقال له: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾. قال الشيخ عبد الرحمن بن السعدي: ووجه كونه عظيماً أنه لا أفضع ولا أبشع ممن سوى المخلوق من تراب بمالك الرقاب، لأن الشرك فيه تسوية بين الخالق والمخلوق، كأنك سويت الله بخلقه، سويت الله بخلقه، وسوى الذي لا يملك من الأمر شيئاً بمن له الأمر كله، وسوى الناقص الفقير من جميع الوجوه بالرب الكامل الغني من جميع الوجوه. أليس هذا من الظلم؟ الآن لو مثلاً إنسان سوى بين الأب والصديق، يقول: ما في فرق بين أبي وصديقي، كما أنني مأمور بطاعة الوالد فأنا أيضاً مأمور بطاعة الصديق، فإذا تعارض أمر الأب مع أمر الصديق فقدم شخص أمر الصديق، ماذا سيقول الناس؟ تقل: الله حق الوالد أعظم، وهذا ظلم منك لوالدك. كيف تقدم الصديق على الوالد وحق الوالد لا يقارن بحق الصديق؟ بل الناس ربما ينكرون على الشخص الذي يقدم زوجته على أبيه، صح؟ بعض الناس يميل إلى زوجته، فتجد بعض الناس ينكر، يقول: حق الوالد أعظم عليك، كيف أنت تقدم الزوجة على الأب؟ هذا ظلم منك لوالدك. انظر هذا بين المخلوق والمخلوق، فكيف بمن يعطي حق الخالق للمخلوق؟ هذا أعظم ظلم، هذا أعظم ظلم وأفضع وأبشع ظلم. ولذلك سماه هنا لقمان: ظلم عظيم، ظلم عظيم، أي لا أعظم منه، لا أعظم منه. قال: وسوى الناقص الفقير من جميع الوجوه بالرب الكامل الغني من جميع الوجوه، وسوى من لم ينعم بمثقال ذر من النعم بالذي ما بالخلق من نعم في دين ودنياهم وأخراهم وقلوبهم وأبدانهم إلا منه، ولا يصرف السوء إلا هو، ولا يصرف السوء إلا هو. فهل أعظم من هذا الظلم شيء؟ وهل أعظم ظلماً ممن خلقه الله لعبادته وتوحيده فذهب بنفسه الشريفة فجعلها في أخس المراتب، جعلها عابدة لمن لا يسوى شيئاً؟ فظلم نفسه ظلماً كثيراً. خير نكتب بهذا وإلهنا والله ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر