تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 95

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 95

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 95، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الإنفاق من الطيبات وحكم زكاة عروض التجارة

توضح الآية وجوب الإنفاق من الكسب المشروع كالزراعة والتجارة، وتحذر من التصدق بالمال الخبيث أو الحرام. ويناقش المقطع استدلال الجمهور على وجوب زكاة عروض التجارة مع بيان ضعف هذا الاستدلال لغوياً وسياقياً.

زكاة عروض التجارة وزكاة الحبوب والثمار (المعشرات)

تجب زكاة عروض التجارة في السلع المعدة للبيع بعد حول وتُقوّم بسعر السوق، بينما تجب زكاة الحبوب والثمار يوم الحصاد دون حول مع خرص الثمر وإخراج الثلث تقديراً. ويؤكد المقطع ضرورة إخراج الزكاة من الطيب وعدم قصد الخبيث.

حكم إخراج الزكاة والصدقة من المال الرديء والنهي عن التصدق بالخبيث

حذر النبي صلى الله عليه وسلم من التصدق بالرديء من المال مبيناً أن صاحبه يأكله يوم القيامة، وأمر الله بإخراج الزكاة من وسط المال لا من أعلاه ولا أدناه. وتؤكد آية البقرة 267 النهي عن التصدق بالمال الخبيث لأن الله غني حميد لا يحتاج صدقات العباد.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، أما بعد. قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. قال المؤلف: حث الباري عباده على الإنفاق مما كسبوا في التجارات، ومما أخرج لهم من الأرض من الحبوب والثمار. وهذا يشمل زكاة النقدين والعروض كلها المعدة للبيع والشراء، والخارج من الأرض من الحبوب والثمار. ويدخل في عمومها الفرض والنفل عن الصدقة والزكاة؛ فالزكاة فرض والصدقة نفل. فهذه الآية فيها الأمر بالإنفاق مما كسبتم، ومما أخرجنا لكم من الأرض. وهنا الآية عامة في أن الإنسان إن كسب شيئاً فينبغي عليه أن ينفقه. وهذه النفقة هناك تكون نفقة واجبة على الزوج والأولاد، وعلى الأبوين، وعلى الأقارب على الخلاف وغيرهم. فهذه نفقة واجبة، ومستحبة. فجاءت الآية عامة: أنفقوا من طيبات ما كسبتم. أنا من ما كسبته من عملي، من تجارتي، من بيعي وشرائي، من ما يهدى إليَّ. فكل ما يدخل في الكسب فقد كسبته. ويقول: من الطيب؛ لأن الله عز وجل طيب لا يقبل إلا طيباً. فالذي لا يأتي بالطيب أن يأتي بالمال الحرام، فإنه لا ينفعه، بل إنه يضره ويضر أولاده. وكل لحم نبت من سحت فالنار أولى به. فلا ينبغي للإنسان أن يأكل أهله من الخبيث. وكذلك أيضاً لا يتصدق، كما في هذه الآية، لا يتصدق أيضاً من الخبيث؛ سواء كان هذا الخبيث فيما أخذ وكسب، أو فيما يكون من ذاته أنه خبيث، معنى حرام. لا يتصدق بالحرام، ولا يتصدق أيضاً بالأشياء التي لا يأكلها الناس، الأشياء التي لا تنفع، والتي لا يأكلها الناس يتصدق بها. لهذا قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾. ﴿وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ﴾. أي: لا تقصدون، ولا تيمموا أي لا تقصدون الخبيث. الخبيث هنا: الرديء من الطعام، أو ما كان محرماً، كما سيأتي بكلام. فهذه الآية كما قلنا فيها أن الإنسان ينفق مما كسبه من الطيبات. وقد استدل بها جمهور العلماء على زكاة عروض التجارة. فقالوا: المراد من طيبات ما كسبتم إذا عرضتموه للتجارة، عنه بعتم وشريتم، فإذا اشتريتم فما تبيعونه ففيه الزكاة. لكن هذا التعويل بعيد في الآية؛ لأن الآية قال: ﴿أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾، والمراد أنه الإنفاق مما كسب الإنسان، ليس مما عده للتجارة. لكن العلماء رأوا أن مناسباً هنا إنما ما شراه وباعه، أن الكسب هنا يريد به التجارة. ولهذا قال هنا المؤلف: مما كسبوا في التجارات. يعولون على هذه الآية عن بعض السلف من التابعين أيضاً تأويلها على هذا. ولهذا قال جمهور أهل العلم: بالزكاة في عروض التجارة، أي كل ما يعرضه الإنسان للتجارة أن يشتريه لأجل أن يتاجر به. وأما إن كان اشتراه ليس لأجل التجارة ثم باعه ووجد مثلاً ثمناً أكثر فيه، فهذا ليس فيه زكاة. حتى لو قال: لو أعطيت مثلاً ثمناً فيه لبعته، هذا ليس أيضاً من عروض التجارة. وإنما عروض التجارة إذا اشتراها لأجل بيعها فهذا عروض. فلهذا قال كثير من العلم أن فيها زكاة، واستدلوا بهذه الآية، واستدلوا أيضاً بما جاء عن السلف أنهم كانوا يقولون بذلك. فلهذا فمن كان عنده عروض تجارة، مع أنه اشترى أشياء ليبيعها، فإنه يخرج عليها زكاة إن حال عليها الحول. ومثلها: أنا مثلاً صاحب الدكان يخرج ما عندهم من الدكان. إذا كانت هذه البضاعة متداولة، يأتي ببضاعة وتنتهي ويأتي بمثلها. فهذا إذا حال عليه الحول، أخرج جرد المحل كله، يجرد المحل على سعر البيع، على ما يبيعه، وليس على ما اشتراه. فإذا جرد هذا المحل، ينظر كم يأتي، فيخرج زكاة إن وجبت. يخرج زكاة من نفس البضاعة التي هو فيها، مثلاً إذا كان مواد غذائية، أو يخرجها مالاً، وهذا أفضل، يخرجها مالاً، يخرج زكاة هذه البضاعة التي يبيعها. فهذا زكاة عروض التجارة. ثم قال الله عز وجل: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ﴾. أن الحبوب والثمار. معناها زكاة المعشرات كما يقول العلماء، التي فيها العشر: زكاة الحبوب والثمار. وليس فيها حول، الحول وإنما كما قال الله عز وجل: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. أنه إذا جاء نضج فيخرج فيه الزكاة. وليس المراد أن الزكاة تخرج رطباً، وإنما تخرج يابساً. لكن إن شاء خرصها، كما كان يفعل النبي عليه الصلاة والسلام، يبعث من يخرص. خرصها معناها: يخمن كم ستأتي، ثم يخرج الثلث، يخرج الثلث منها. والحديث الذي جاء فيه إن شاء الله صحيح، جاء من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وإذا أخرج الثلث، أخرج بعد ذلك الزكاة، يعني يخرج الثلث يبعده. هذا الثلث ما يسقط، وما يعطي الناس. أن عادة الناس خاصة في الثمار أنه إذا نضجت الثمار جاء الفقراء وأعطوهم من هذا. وأيضاً ما يسقط، وما تأخذه الدواب، هذه الحشرات تأخذ أيضاً من التمر وتأكل. فيخرج الثلث، ثم يحسب الثلثين، ويخمن. مثلاً لو خمن أنها مئة صاع، يخرج مثلاً ٣٣ صاعاً منها، ويزكي على ٦٦ صاعاً. فقال المؤلف رحمه الله: الخارج من الأرض من الحبوب والثمار، ويدخل في عمومها الفرض والنفل، أي نفقة الفرض ونفقة النفل. وأمر تعالى أن يقصد الطيب منها، ولا يقصد الخبيث، وهو الرديء الدون، يجعلونه لله. أي يقصد الخبيث منها، أي الذي كان رديئاً من هذه الثمار، أو يأتي بما حرم الله عز وجل من هذه الثمار. أنا بعدما يعصر وتصير خمراً مثلاً يعطيها الناس، أو أنه يعطيها الحشف. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لما رأى أن رجلاً علق تمر حشف. حشف: معنى التمر الذي قد ذهبت رطوبته. عندنا نقول: خائص أو خرشع أو كذا. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما رأى هذا الذي علق من هذا التمر: «إن رب هذه الصدقة لو شاء لأعطى أفضل منها، فإنه يأكلها حشفاً يوم القيامة». معنى: يعطى مثل ما أعطى. الآن أعطى هذا الخبيث الذي لا يريده أصلاً، ولا أحد يشتريه، فقام وتصدق به، فهو يأكله يوم القيامة هكذا حشفاً. لأنه قال: لو شاء ربها لأعطى أفضل منه، عنده أفضل، لماذا يتصدق بمثل هذا الشيء الذي لا يأكله الناس، أو قد لا يأكله إلا الذي لا يجد؟ سيئاً من التمر قد يأكله من أجل سد الجوع. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾. لا تقصدوا الخبيث الذي هو الدون أو الرديء فتتصدقوا، فتصدقون به. قال: ولو بذله لهم من لهم حق عليه لم يرتضوه. أنا لو أعطاه مثلاً أهله، قال لهم: جئت لكم بهذا التمر الحشف الرديء، ما سيأكلونه. لماذا يتصدق به؟ وإنما تخرج الزكاة من الوسط، من وسط المال. لا من المال الكامل الفاضل، أو أقصد المال الذي هو الكمال في المال وأحسن المال، ولا أيضاً يخرجوا من الرديء، وإنما يخرجوا من الوسط. هذه الزكاة تخرج منها هكذا، سواء كان في زكاة الحبوب أو زكاة المواشي أو غيرها. قال رحمه الله: ولو بذله لهم من لهم حق عليه لم يرتضوه، ولم يقبلوه إلا على وجه المغاضاة والإغماض. فقال الله عز وجل: ﴿وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ﴾. معنى: هذا صاحب هذا المال ما سيأخذه لأهله، وإن أخذه لأهله إلا عن إغماض، وعن كره. سيعطيه أهله، وأيضاً حتى أهله هؤلاء الذين أعطاهم، سيقبلونه، وإنما إن قبلوه منهم سيقبلونه عن حياء. فقال المؤلف رحمه الله: فالواجب إخراج الوسط من هذه الأشياء. والكمال: إخراج العالي. عن الأصل أنه لا يخرج الكمال، ولا يخرج الشيء الأحسن المال، وإنما يخرج الوسط. لكن من أخرج من نفسه فهذا شيء طيب: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. قال: والممنوع إخراج الرديء، فإن هذا لا يجزئ عن الواجب. ولهذا الأضحية لا تجزئ إذا كانت فيها عيوب. وكذلك أيضاً الشاة التي تعطى للصدقة لا تكون فيها عيوب، كما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام. وكذلك أيضاً ما كانت من الكمال لا تعطى: الهرمة، ولا ذات عوار، ولا ما راب. معنى ما كان للتربية: الأول والثاني: ذات عوار والهرمة. هذه الهرمة الكبيرة، وذات عوار التي بها عوار. فهذه الأشياء التي فيها عيوب لا يجوز أن يعطاها صاحب الصدقة، لا يخرج صدقته فيها شيء من هذا العيب. قالوا: الممنوع إخراج الرديء، إن هذا لا يجزئ عن الواجب، ولا يحصد فيه الثواب التام في المندوب. وهذا من حظ الشرع على أنفس الفقراء، وأنهم يعطون شيئاً ينتفعون به، وأيضاً يسد به حاجتهم. أما الإنسان الذي لا يعطي إلا ما زهد فيه، أو ما يزهد الناس فيه، فهذا ليس إعطاؤهم صحيحاً. وأحياناً قد يأثم بدل ما يؤجر، إذا كان هذا الشيء لا ينفعهم وأخرجه. إخراج هذا بخل منه. ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. إن شاء الله تعالى بقية الآية نكملها في الدرس القادم. فانتظروا هذا، والله تعالى أعلى وأعلم. اشتركوا في القناة.