الخطبة بعنوان شعبان وتتابع المواسم العظام، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 20 شعبان 1445هـ الموافق 1 مارس 2024م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُبين فضل شهر شعبان ويحث على صيامه لرفع الأعمال وتدريب النفس على صيام رمضان، مع أهمية قضاء الصيام الفائت. يُوصى باستغلال هذا الشهر بالطاعات والعبادات.
يوصي باستغلال شهر شعبان بالطاعات والعبادات استعدادا لرمضان، مع التحذير من تفويت فرصة قضاء أيام رمضان الفائتة، والتشجيع على كثرة الاستغفار والإقبال على الله.
العمل الصالح يجلب الخير في الدنيا والآخرة، حيث يعود بالرزق والصحة والأمان في الدنيا ويجزى به في الآخرة، مع التأكيد على أهمية طاعة الله المستمرة.
يتضمن دعاءً على الأعداء وتفريقهم وتشتيتهم، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه وتوجيه الناس للصلاة، مع التأكيد على أهمية العبادة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، لا زلنا في هذه الأيام نستظل تحت ظل هذا الشهر المفضال، ألا وهو شهر شعبان، شهر خصه الله جل وعلا بالفضائل والمقامات الحسان، فهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العباد، كما أشار وصحت بذلكم الأخبار عن نبينا صلى الله عليه وسلم. كما روى ذلكم الإمام النسائي في سننه، من حديث أسامة بن زيد، قال: قلت يا رسول الله، لم أرك تصوم من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: «ذاك شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم». فقد كان من هديه عليه الصلاة والسلام اغتناما لمناسبة رفع الأعمال، أنه كان يكثر من الصيام في مثل هذه الأيام. قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «وما رأيته صلى الله عليه وسلم أكثر صياما منه في شعبان». وقالت رضي الله تعالى عنها: «كان عليه الصلاة والسلام يصوم شعبان إلا قليلا». لذا علينا أن نحرص على الإكثار من صيام شهر شعبان وما بقي منه، وإلا صمنا بعض الأيام. وأما حديث «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا»، فهو حديث معل ضعيف، رده الكثير من أئمة الدين من أئمة الجرح والتعديل. عباد الله، وإن في صيام شعبان تمرينا لنا وتعويدا لنا على صيام ما سيأتينا من رمضان. فكم من أناس لربما انقطعوا عن الصيام لمدة طويلة، ولفترة مديدة، ثم إذا أرادوا أن يعاودوا الصيام لربما وجدوا في ذلك مشقة عظيمة، حتى بلغنا عن بعضهم من لربما أفطر الأيام الأول من رمضان، والعياذ بالله، ومنهم من لربما يتحامل على الصيام فيكون طريح الفراش لشدة التعب والإنهاك. لكن من اعتاد على الصيام، وخصوصا من شهر شعبان، فإنه سيجد في صيام رمضان يجده سهلا ميسرا وبردا وسلاما. فلله الحجة البالغة. عباد الله، ومما أحب أن أنبه وأنوه عليه في مثل هذه الأيام، أن من كان عليه قضاء من رمضان بأيام سلفت وخلت، فعليه أن يبادر ويعجل إلى قضائها في هذه الأيام. تقول عائشة، وأخبرت عائشة رضي الله تعالى عنها بأنها يكون عليها أيام من رمضان، فلا تستطيع أن تقضيه إلا في شعبان. استفاد العلماء على أن قضاء رمضان تنتهي مدته في هذا الشهر المفضال، شهر شعبان. فمن لم يقض ما عليه من أيام، فهو آثم عاص مذنب، عليه بكثرة الاستغفار والندم والإقبال على الله بصالح العمل، لأنه فرط في أداء فريضة عظيمة من فرائض الإسلام حتى يخرج وقتها. عباد الله، إنه والله لمن المؤسف أن نجد مسلما أو مسلمة عليهم قضاء أيام من رمضان، فيمر عليهم العام بكماله وتمامه وبليليه وأيامه، وهم مع ذلك لا يلقون بالا ولا يرفعون رأسا في قضاء أيام. يا عبد الله، هذه الأيام هي دين في ذمتك، ودين الله أحق أن يقضى. عباد الله، علينا في مثل هذه الأيام أن نغتنمها بصالح الأعمال، بالصيام، وهكذا بسائر الطاعات والعبادات من واجبات ومن نوافل ومستحبات. قال الإمام بن رجب رحمه الله: «لما كان شعبان بمثابة مقدمة لرمضان، فإنه يشرع فيه ما يشرع في رمضان من الصيام وقراءة القرآن». ولهذا كان من سلفنا الصالح من يسمي شهر شعبان بشهر القراء، لكثرة ما يقرأ فيه من القرآن. فعلينا رعاكم الله أن نشمر عن ساعد الجد، وذلك بالجد والاجتهاد في فعل الطاعات والعبادات، وخاصة في مثل هذه الأوقات بالذات، وذلك لما سبق لأمرين اثنين. الأمر الأول: أنه شهر ترفع فيه الأعمال إلى الله، فما أجمل أن يرفع عملك يا عبد الله وهو محفوف بعمل صالح. وقد قال الحافظ بن حجر رحمه الله: «ومن رفع له عمله وهو حينئذ على طاعة، بورك له في رزقه وبورك له في عمله». والأمر الثاني الذي لأجله نشتهد في الطاعات والعبادات، بأن تكون هذه الطاعات سبب في تهذيب أنفسنا وتنقية قلوبنا وانشراح صدورنا لاستقبالنا لشهر رمضان. قال عمر بن قيس الملائي رحمه الله: «طوبى لمن أصلح نفسه قبل رمضان». وما تصلح النفوس وما تهذب القلوب بمثل الإقبال على الله بالأعمال الصالحات. أقول قولي هذا، واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه. عباد الله، ما إن ينصرف وينصرم شهر شعبان إلا ويهل علينا شهر رمضان، زين الشهور والأيام، سيد المواسم في كل زمان، شهر المغفرة والغفران، شهر الرحمة والقرآن، شهر البر والبذل والإحسان، شهر تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب النيران. عباد الله، إن تتابع هذه المواسم العظام، ها نحن اليوم في شعبان، وغدا في رمضان، وبعد غد في شوال، وهكذا قس سائر المواسم من مواسم أهل الإسلام. إن تتابع هذه المواسم العظام علينا معاشر أهل الإسلام، لهي مسألة جديرة بالعناية والاهتمام في معرفة ما يكون من فوائدها واستخلاص العبر منها. وإن من أعظم ما يستفيده المسلم من تتابع هذه المواسم علينا تترى، أن نستشعر بعظيمي وفضلي ومنزيلتي العمل الصالح. العمل الصالح هو الهدف المنشود، وهو المقصد المطلوب الذي لأجله أوجد الله هذا الوجود، وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. العمل الصالح هو سر بقائنا ووجودنا واستمرارنا في هذه الحياة الدنيا. لولا العمل الصالح لأهلكنا الله وخسف بنا. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. العمل الصالح الذي به ننال حظ الدنيا والآخرة، كما قال ربنا جل في علا: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. والحياة الطيبة تكون في الدنيا والآخرة. ويؤيد هذا ما رواه الإمام مسلم في صحيحه، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة، يعطى بها في الدنيا ويجازى بها في الآخرة». فثمرة العمل الصالح وأجره وثوابه يكون عطاء في الدنيا وجزاء في الأخرى. عطاء في الدنيا ما نجده من ستر الحال وراحة البال وسعة الأرزاق ووفرة الأموال وجمع الشمل بالأقارب والأحباب والأرحام، وما نجده من قوة الأساب وصحة الأبدان، ومن الأمن والأمان في ربوع البلدان والأوطان. كل ذلك نجنيه من خلال العمل الصالح. ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. ولما كان الإنسان مأمورا بطاعة الرحمن على وجه الاستمرارية والدوام، كما قال ربنا: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾، حتى يأتيك الموت. ولما كان الإنسان في هذه الدنيا هو عرضه لعوامل النقصان، وهو في طريقه لعبودية الرحمن مما يبتلى به من وسواس الشيطان، وما يكون من الفتن وشدتها والشهوات ولذتها والشبهات وأضرارها، ومن النفس الأمارة بالسوء، كان ذلك كله مدعيا بأن يصاب الإنسان بالكسل والفتور والضعف والخور والخمول، فيكسل عن طاعة ربه. حينها تأتي هذه المواسم المباركات وما حوت فيها من رفع الأجور والحسنات، تأتي هذه المواسم تأخذ بأيدينا وتنهض بنا وتدفع بنا دفعا إلى عبودية الرحمن وإلى عبودية ربنا حتى نلقاه. فلله الحمد حمدا من بعد حمد على ما أولى به على هذه الأمة من تتابع هذه المواسم علينا. فعلينا رعاكم الله أن نشمر عن ساعد الجد في الإقبال والإقدام على طاعة الله، وخاصة في مثل هذه المواسم المباركات. أقول قولي هذا، وأسأل الله جل وعلا أن ينفعنا بما سمعنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. اللهم ادفع عن بلادنا اليمن وعن سائر بلاد المسلمين الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم أرادنا بلادنا وبلاد المسلمين بخير، فوفقه لكل خير، ومن أراد بلادنا خاصة وسائر بلاد المسلمين بسوء، اللهم اشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرا عليه، يا رب العالمين. اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واذل الشرك والمشركين. اللهم انصر إخواننا المستضعفين من المسلمين في كل مكان. اللهم انصرهم في أرض فلسطين والسودان. اللهم اكل معهم، اللهم ايدهم بتأييدك، واجعل لهم من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا. اللهم اقبل موتاهم، وعافي مبتلاهم، وداوي جرحاهم، وفك أسراهم. اللهم آمنهم في ديارهم وأوطانهم، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم عليك بكل عدو لهذا الدين. اللهم عليك باليهود الغاصبين والنصارى الصليبيين الحاقدين. اللهم عليك بهم، فإنهم لا يعجزونك. اللهم فرق شملهم، وشتت جمعهم، واجعل الدائرة عليهم، واغرس الرعب في قلوبهم، يا ذا الجلال والإكرام. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.