تنبيه الأنام ببعض أحكام شعبان 5

تنبيه الأنام ببعض أحكام شعبان 5

الدرس في تنبيه الأنام ببعض أحكام شعبان 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

سبب جعل النبي شعبان شهر غفلة وتعظيم رجب شرعاً

النبي صلى الله عليه وسلم جعل شعبان شهر غفلة لأن الناس ينشغلون بالعبادة في رجب ورمضان ويهملون شعبان، بينما التعظيم الشرعي لرجب يأتي من كونه من الأشهر الحرم. صام النبي صلى الله عليه وسلم أكثر شعبان لتعويض هذا النقص.

التحذير من البدع في رجب وبيان الأحاديث الموضوعة

يُنبه المقطع على خطورة البدع في شهر رجب مثل تخصيص صلاة أو صيام أو ذبح قرابين، ويبين أن هذه الأفعال لم تشرعها الشريعة، مع ذكر أمثلة على الأحاديث الموضوعة التي يروجها الناس لتعظيم رجب.

غفلة الناس عن شعبان وتعظيم رجب بغير دليل

يغفل الناس عن شعبان ويُعظّمون رجب دون دليل شرعي، مع التأكيد على أهمية تقييم المواسم بميزان الشريعة واستغلال شعبان في الطاعات لأنه شهر تُرفع فيه الأعمال.

خاتمة بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن المقطع دعاءً بأن ينفع الله بما قيل ويجعل السامين من أهل أحسن القول، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا إخواني في الله في هذه المجالس نذكر بعض المسائل المتعلقة بهذا الشهر المفضل، ألا وهو شهر شعبان. وأبني في دروس خلت إلى ما كان من هديه عليه الصلاة والسلام من كثرة الصيام، وذلك اغتنامًا لمسألة رفع الأعمال، وأيضًا لما مضى ذكره من أن هذا الشهر تقع فيه الغفلات. وذكرنا حينها أن الإنسان في الزمن الغافل وفي المكان الغافل عليه أن يستغله بطاعة المولى، لأن الطاعة في أوقات وأماكن الغفلات تتضاعف أجرًا. وقد مر ذلكم معنا، تبقى مسألة: ولماذا جعل نبينا صلى الله عليه وسلم شعبان شهر غفلة؟ لماذا جعل نبينا شهر شعبان شهر غفلة؟ شعبان شهر غفلة، إخواني في الله لعدة أمور، نقف عند الأمر الأول، والذي جاء به التنصيص كما في حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه، حيث قال عليه الصلاة والسلام: «ذاك شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان». ألمح نبينا صلى الله عليه وسلم إلى علة وجود الغفلة في شهر شعبان، أنه قد حصر بين شهرين اثنين، ألا وهما رجب ورمضان. قد يقول قائل: وهل هنا تكمن مشكلة؟ هل هنا تكمن مشكلة بأن شعبان حصر بين شهرين اثنين فيكون شهر غفلة؟ الإشكال إخواني في الله في النظرة في هذين الشهرين بالذات، رجب ورمضان، هما من الأشهر المعظمة، من الأشهر المعظمة. فلما كان من تعظيم رجب وما عليه الناس من إعداد العبادة والطاعة، وما كان من شهر رمضان وهو الشهر المعظم، وما كان من استعداد الناس وإعداد العدة في الطاعة والعبادة، هنا إن شغلوا، هنا إن شغلوا، أين الخصم؟ وقع الخصم، وقع الهضم في شهر شعبان الوسط، فجعل الناس من شهر شعبان شهر راحة ودعة وسكون، وهنا غفلوا عن الطاعة والعبادة. فما أراد نبينا صلى الله عليه وسلم هذه الظاهرة أن تكون، بجعل شعبان شهر سكون، بل أراد أن يكون شعبان شهر حركة وعمل وطاعة وعبادة. ولهذا صام وأكثر من صيامه. يا رسول الله، لم أرك تصوم من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: «ذاك شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان». فتعمد نبينا صلى الله عليه وسلم في إحياء هذا الشهر، لما سمعت يا عبد الله من غفلة الناس، إذ أنهم منشغلون في هذين الشهرين وتركوا الأوسط بلا عمل ولا عبادة. تأتي مسألة أخرى، وهي أوجه التعظيم لهذين الشهرين المذكورين. رمضان شهر معظم، لا إشكال في ذلكم، بدلالة الكتاب والسنة وإجماع الأمة، فهو من أشرف المواسم التي جعلها الله لأهل الإسلام والإيمان. ورجب، تعظيمه ينقسم إلى أمرين اثنين: إلى تعظيم شرعي، وإلى تعظيم بدعي. التعظيم الشرعي له وجه من التعظيم، إذ أنه من أشهر الله الحرم، وأشهر الله الحرم لها مزية، فلا تظلموا فيهن أنفسكم. وذكر العلماء من مزية أشهر الله الحرم أن السيئة تضاعف، كما أثر هذا عن جماعة من السلف، فكانت لها مزية، أي شهر رجب له مزية في أنه من أشهر الله الحرم، هذا الذي يذكر من فضله ومزيته. لكن الإشكال يقع في الصورة الثانية من التعظيم لرجب، وهو التعظيم البدعي، إذ أن أكثر الناس للأسف أقبلوا على رجب بالانشغال بالطاعة والعبادة المبتدعة التي ما شرعها الله ولا رسوله عليه الصلاة والسلام. فحدث ولا حرج يا عبد الله عن كثرة البدع التي أقامها الناس في رجب، من عبادات، من طاعات، من طقوس، من مراسيم، من احتفالات، بدءًا بذكر الفضائل. كم تحدث الناس عن فضائل رجب؟ وما هي بفضائله، كقول القائل: إن النبي قال: «رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي»، حديث باطل، حديث باطل، ما صح عن رسول الله أن الله اصطفى رجب فجعله شهره، رجب شهر الله، لا، لم يصح هذا. وهكذا قص بعد ذلك ما افترى عليه، ما افترى، فيه الكثير من العوام وأشباه العوام، وهكذا من المبتدعة من وضع العبادات والطاعات، حتى رغبوا الناس في أداء الصلاة، صلاة خاصة، صلاة الرجبية، ما تؤدى إلا في رجب، وما تفعل إلا في رجب. حتى أن منهم من نسج تلكم القصة التي الكثير قد سمعها، قصة ذلكم السلطان الذي أسرف على نفسه بالذنوب والآثام، فلما جاءته المنية مات على حسن الختام، فنقل خبره إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأن من أمر السلطان كذا وكذا، وأنه مذنب وأنه عاصي وأنه مسرف، وها هو يموت على حسن خاتمة، فأخبرهم نبينا بأن هذا الرجل كان يصلي لله في رجب، هذه القصة باطلة، موضوعة، حتى قال بعض العلماء: قصة مفتراة مكذوبة، يحرم قراءتها وروايتها، حرام، حرام أن تقرأ، فضلًا أن ينشر أمرها بين الناس، أو يخطب على المنابر كما سمعنا من بعض الدهماء لأجل أن يرغب الناس في صلاة الرجب، بدعة قبيحة، بدعة قبيحة. وهكذا من وصل به الحال إلى الذبح، ذبح القرابين، وما يسمى بالرجبية، ولا هزل، هذا معهود عند بعض القرى والمدن، إذا دخل رجب أنهر الدم تعظيمًا لرجب. وهكذا قص ما يتعلق بأمر النذور، وكم سمعنا، كم سمعنا في أيام رجب، ذاك الذي نذر لله إلا أن يفعل كذا في رجب، أن ينفق المال في رجب، أن يصل في رجب، أن يفعل في رجب، كل ذلك في رجب، لما في رجب خصيصة لرجب، حتى أن من أهل العلم من أغلق هذا الباب تمامًا، وحكم على أي نذر يجعل في رجب بأنه مردود، باطل، أفتى به جماعة من أهل العلم، حتى يقتلع هذا الاعتقاد البدعي من جعل هذه الهالة من التعظيم لرجب، وهو ليس كذلك. وقص كذلك مسألة الصيام، من الناس من يتحرى الصيام في رجب، كما قلنا: يصوم في رجب ويصوم في رمضان، ثم يترك شعبان بلا صيام، وهو أولى، شعبان أولى بالصيام. تجد بعض الناس يتحرى الصيام في رجب جدًا، وقد قال العلماء كابن القيم رحمه الله تعالى: وما صام، وما صام عليه الصلاة والسلام في رجب، ولا استحب صيامه، ما صام، ولا استحب الصيام في رجب. لكن تعال إلى شعبان، شعبان صام ورغب الناس في صيامه. ومع ذلك القليل منا من يصوم، عكس الناس المفاهيم، يأتون إلى الذي لم يدل عليه الشرع الحكيم من التعبد، تعبد الله فيه، وإلى الذي دلت عليه الشريعة على ضرورة التعبد فيه، ما تعبد الله فيه. لتعلم يا عبد الله كيف أن البدع تستميل أهلها وأصحابها، بخلاف السنة، القليل من يوفق إليها. ولهذا إخواني في الله، فالشاهد، ولست في مقام تتبع البدع والمخالفات التي يؤديها الناس في رجب، لكن الشاهد من هذا: تجد أن الناس إن شغلوا جدًا إن شغلوا جدًا في رجب، شمروا عن ساعد الجد، ذاك بصلاة، ذاك بصيام، ذاك بقيام، ذاك بنفقة، ذاك بنذر، ذاك بهبة، ذاك باحتفال، باحتفال كاحتفال ليلة السابع والعشرين من رجب، الإسراء والمعراج، وقس على ذلكم، أهوال ممن أتعب نفسه، فإذا جاء شعبان ارتاح وقل العمل. وشعبان يا عبد الله موسم ترفع فيه الأعمال، كما قد مضى ذكره في دروس سابقة، هذا الشهر الذي ينبغي فيه، ليس رجب، بل هذا هو الشهر الذي ينبغي أن الناس لا يغفلوا عنه، لا يغفلوا عنه، وإنما يسارع إلى القراءة وإلى التلاوة وإلى النوافل وإلى البذل وإلى العطاء وإلى السخاء وإلى الكرم وإلى الجود وإلى القيام، إلى غير ذلك، وإلى الصيام. فالشاهد إخواني في الله أن من أسباب أن شعبان أصبح شهر غفلة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «ذاك شهر يغفل عنه الناس»، لما سمعنا من أنه وقع بين شهرين اثنين، فوقع فيهم التعظيم على حساب أن شعبان غفل عنه. فالشاهد إخواني في الله فينبغي على الإنسان أنه يعلم أن يزن المواسم بميزان الشريعة، المواسم والأزمان والأيام لا توزن باجتهاداتنا ولا بأهوائنا، وإنما توزن بميزان الشرع، بميزان الشرع. يعني مثلًا على سبيل المثال، حتى تفهم الغلط الغلط العظيم الآن في هذا الشهر، شهر شعبان ترفع فيه الأعمال، هل نسمي أحدًا من الخطباء مثلًا من يتكلم عن نهاية العام وأن الأعمال ترفع إلى الله؟ قل من يتكلم بهذا. لكن تعالى إلى شهر الله المحرم، باعتبار أنه أول سنة هجرية، حين سنسمع من يقوم من الخطباء في المساجد والجوامع من يذكر أن شهر الله المحرم هو الشهر الذي نهاية العام، وأن الأعمال ترفع فيه إلى الله. على رسلك يا عبد الله، من قال بهذا؟ من قال بهذا؟ شهر المحرم بجعله أول أشهر عربي، هذا اجتهاد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم في زمن عمر، بجعله أن العام ينتهي ويبدأ من محرم، يبدأ العام الجديد، فإذ بالناس بعضهم يقوم ثم يزيد في إطرائه ويقول: إن هذا اليوم في رأس السنة لهذه الهجرية ترفع الأعمال، وينبغي أن نحاسب أنفسنا، لا يا عبد الله، ليس هنا، هنا الآن نحاسب أنفسنا، تلكم الخطب الذي فعله في تلكم الأيام قد غلط، فبل حقها تفعل الآن، الآن نحاسب أنفسنا، هنا ترفع الأعمال إلى الله، نحاسب أنفسنا، نكثر من الطاعات والعبادات. لكن الجهل إخواني في الله الذي استفحل عند كثير من الناس، أنه ما ميزوا بين المواسم الشرعية والمواسم البدعية، لأن الضابط فيها الرجوع إلى الشرع، الرجوع إلى الشرع، هذا الذي يحكمنا جميعًا. فنسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ولسوف نسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.