تنبيه الأنام ببعض أحكام شعبان 4

تنبيه الأنام ببعض أحكام شعبان 4

الدرس في تنبيه الأنام ببعض أحكام شعبان 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية شهر شعبان ورفع الأعمال

يتميز شهر شعبان برفع الأعمال إلى الله، ويجب استغلاله في الطاعات. رفع الأعمال يكون على مراحل مختلفة.

تفاصيل رفع الأعمال وتجليات العدل الإلهي

الأعمال ترفع إلى الله على مراحل، ويرفع عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل. هذا يظهر عدل الله وكماله.

اغتنام الأوقات الفاضلة بالطاعات

يجب اغتنام الأوقات التي ترفع فيها الأعمال بالطاعة مثل صلاتي الفجر والعصر، وصوم يومي الاثنين والخميس. هذا يؤدي إلى البركة في الرزق والعمل.

ختام الدرس بالتأكيد على الصلاة والسلام

يختتم الدرس بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويؤكد على علم الله تعالى. يُظهر الختام احترامًا وتقديرًا للنبي وآله.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فهذا أولاً إعلان عن افتتاح مجالس علمية تكون بعد درس العصر عامة إلى أذان المغرب، وذلك في كتاب مذكرة في أحكام الصيام، الجزء الثاني، وذلك من هذا اليوم، وذلك لأخينا الأستاذ أبي نافع سالم الكلالي، نفع الله جل وعلا به. فالحرص، إخواني في الله، من أسعفه الوقت إلى حضور مثل هذه المجالس، وخاصة في تعلم أحكام الصيام، فالمجال متاح للجميع. ومواصل، إخواني في الله، فيما يتعلق بأحكام شهر شعبان، وكنا بالأمس في صدد بيان أن هذا الشهر المفضل ما عظيم فضله إلا أن الغفلة حاصلة فيه، كما أشار إلى ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم: «ذاك شهر يغفل عنه الناس». وأيضًا مما تميز به هذا الشهر أنه شهر ترفع فيه الأعمال، وذلك للتنصيص الوارد في حديث أسامة، حيث قال عليه الصلاة والسلام: «فيه ترفع الأعمال إلى رب العالمين». ترفع الأعمال إلى رب العالمين، فينبغي على كل مسلم ومسلمة أن هذا الشهر هو الذي خصه سبحانه وتعالى بأن ترفع الأعمال إليه، أعمال العباد، سواء كان من أعمال الجوارح أو من أعمال القلوب، فالكل يرفع إليه. ورفع الأعمال، إخواني في الله، يكون على عدة مراحل، فهناك الرفع اليومي، وذلك يكمن في فترتي الصباح والمساء، وهناك الرفع لأعمالنا في الأسبوع، وذلك يومي الاثنين والخميس، وهناك الرفع الشمولي، وذلك في العام كله، وهذا يكون في شهر شعبان. وإن هذا المسلك، إخواني في الله، وهو أن تعتقد بأن أعمالنا ترفع إلى الله في هذه الفترات، في اليوم والأسبوع والعام، لا يترتب عليه من الآثار التربوية والسلوكية ما ينبغي أن نعتني به جميعًا. فإنه مما يستفاد من قضيتي ومسألة رفع الأعمال إلى الله: أولاً أن نعلم مدى عظمة الرب سبحانه وتعالى، وأن من عظيم عظمته وقهره وسلطانه ما كان من قيمومته على جميع خلقه، فهو سبحانه القيوم القائم على كل نفس، لا تأخذه سنة ولا نوم. تخيل العباد، تخيل أعمال العباد، لا تكاد تنقطع، وربنا جل وعلا إليه ترفع الأعمال، وهو جل وعلا يحصيها، لا يعزب عنه شيء. قد لا يتخيل الإنسان حقيقة الأمر، بل هذا مما يفوق العقل البشري، لكن تصل في النهاية بأن الله جل وعلا عظيم، إذ أنه سبحانه وتعالى ترفع إليه جميع أعمال العباد، ولا يضيع عليه شيء. وفي الحديث: «إن الله لا ينام، وما ينبغي أن ينام، إليه يرفع عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل». جل في علا. من مسألة رفع الأعمال إلى الله جل وعلا، حينها يتجلى لنا، رعاكم الله، ما يتعلق من كمال عدل الله سبحانه وتعالى، فهو العدل، ويظهر ذلك جليًا في قضية رفع الأعمال، فكل منا عمله هو الذي يرفع إلى ربه، عملك أنت، ما كسبته يداك، وما تلفظ به لسانك، وما قام به جوارحك ظاهرا وباطنا، عملك أنت هو الذي يرفع، فيجازيك الله جل وعلا به، لا يجازيك بعمل غيرك. وكما في الحديث القدسي: «يا عبادي، إنما هي أعمالكم، أحصيها لكم، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه». هذا هو عملك، وما كان مما عملته يداك. ثالثًا، من مسألة وقضية رفع الأعمال إلى الله، تتجلى لنا هذه العقيدة الراسخة التي يجب أن يعتنقها ويعتقدها كل مسلم ومسلمة، ألا وهي قضية وعقيدة العلو لله جل في علاه، بأن الله سبحانه وتعالى عال في سماه، وهو القاهر فوق عباده، الرحمن على العرش استوى. وقضية الرفع، يا عبد الله، تبين لك إلى أين ترفع، ترفع إلى العلو، لأن الرفع ما يكون إلا من السفول إلى العلو، فهو صعود، وهو عروج، وهو الفوقية، وهو العلو. ترفع الأعمال إلى الله سبحانه وتعالى، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾. صعود ورفع وعروج إلى الله. وبهذا نعلم بطلان من خرج عن الجادة ومرق عن هذه العقيدة الإسلامية، عقيدة العلو، من أهل الشك والريب، من أهل البدع والضلال والخرافة، ممن لا يعرف أين الله جل في علا، تارة لا مكان، وتارة في كل مكان. يا عبد الله، الله في السماء، قلها كما نطق به القرآن، وكما صح ذلك عن نبي الأنام عليه الصلاة والسلام. فحديث رفع الأعمال فيه بيان لهذه العقيدة. في شعبان ترفع الأعمال إلى رب العالمين. كذلك في مسألة رفع الأعمال إلى الله، فيها الإشارة إلى أن المسلم ينبغي أن يعتني بأعماله وأقواله وأفعاله وأحواله، إذ أنها ستصعد إلى الله، ولا بد لن تغيب عنه سبحانه، ستصعد إليه، سيراه الله سبحانه وتعالى. فانظر، يا عبد الله، ما تفعله، فإذا كنت تريد أن الله يحب أن يراك منه فافعله، وإذا خشيت من أمر أن الله لا يراك منه فلا تفعله، حتى لا يرفع إلى الله، لا يصدر منك سيئة، ولا معصية، ولا كبيرة، ولا جريرة، ولا جريمة، ولا قبيحة، ولا رذيلة، لأن الكل يرفع. حين ستندم: ﴿مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾، لأنه قد رفع. فأنت في هذا الشهر، على سبيل المثال، تعلم أن الأعمال ترفع إلى الله، حينها أقصر، أقصر، يا عبد الله، عن المعاصي والذنوب والمخالفات. فهذا من أعظم المسالك التربوية المستفادة من هذه المسألة، من قضية رفع الأعمال إلى الله. خامسًا وأخيرًا، مما يستفاد من قضية رفع الأعمال إلى الله، أن المسلم إذا تتبع هذه الأوقات وهذه الأزمان التي ترفع فيها الأعمال، فحينها يحرص على أن يغتنمها قدر المستطاع بالطاعة في هذه الأوقات بالذات التي جاء بها التنصيص والتحديد على أنها فترة زمنية يرفع فيها العمل إلى الله، اغتنمها في طاعة الله. ولهذا، من تتبع ما مضى ذكره من الأوقات التي ترفع فيها الأعمال، تجد أنها محفوفة بالأعمال الصالحة. قد مر معنا ما كان من الرفع اليومي، في اليوم والليل، ترفع أعمالنا إلى الله، وذلك متى؟ في الصباح والمساء، متى؟ في صلاتي الفجر والعصر، في صلاتي الفجر والعصر، حينما يتعاقب علينا ملائكة الليل وملائكة النهار، فينزلون ونحن في صلاة، ويصعدون ونحن في صلاة، فناسب أن ترفع أعمالنا ونحن في صلاة، فاحرص عليهما. كذلك من الرفع الأسبوعي، ترفع أعمالنا خلال الأسبوع، يومي الاثنين والخميس، ولهذا حرص نبينا على صوم هذين اليومين، حيث قال: «تعرض الأعمال يومي الاثنين والخميس إلى الله، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم». ثم نأتي إلى الرفع العام، وهو الرفع السنوي، وهو في شعبان، وهو على هذا المنوال، حين قال عليه الصلاة والسلام: «وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم». تعمد نبينا في هذه الفترة الزمنية التي يكون فيها رفع الأعمال أن ترفع بعمل صالح، قال: «فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم، أنا صائم». فهذه من المسالك التربوية على أن المسلم والمسلمة إذا تتبعوا الأوقات والأزمان التي ترفع فيها الأعمال، ينبغي أن يسارع إلى إغتنامها بالطاعة، حتى ترفع الأعمال حين رفعها وهي محفوفة بعمل صالح. والأمر كما قال الحافظ بن حجر رحمه الله، حينما تطرق إلى هذه المسألة، من أن في أوقات رفع الأعمال: «أنه من كان حينئذ على الطاعة، بورك له في رزقه، وبورك له في عمله». فالحاصل، إخواني في الله، وها نحن في شهر شعبان، شهر ترفع فيه الأعمال، فعلينا، إخواني في الله، كثرة الطاعات والعبادات، حتى ترفع أعمالنا وهي محفوفة بهذه الأعمال التي نحن نقوم بها، فحينها يبارك الله في أرزاقنا، ويبارك كذلك في حياتنا، وفي أخرانا، وفي أعمالنا. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.