الدرس في مختارات من الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
الصيام يربي المسلم على ثلاثة أنواع من الصبر: الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على أقدار الله المؤلمة. كما يعوده الشكر بنعم الله الدينية والدنيوية، مبيناً أن النعم الدينية أعظم من الدنيوية.
الصيام من أركان الإسلام ويكفر الذنوب المتقدمة، ومن صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر. شرع الله صيام رمضان في شهر واحد لتجتمع الأمة على العبادة فتخف المشقة وتتحقق حكمة الاشتراك في الطاعة.
الصيام يحفظ الصحة ويذيب الفضلات الضارة، وهو من أفضل أنواع الحمية، وقد أجمع الأطباء على فوائده في علاج أمراض مثل السكر والضغط. يؤكد الهدي النبوي على الاقتصاد في الأكل بجعل المعدة ثلثاً للطعام وثلثاً للشراب وثلثاً للنفس مع اختيار أزكى الطعام.
يختتم المدرس الدرس الحالي معلناً الانتقال إلى باب جديد في الدرس القادم. يذكر اسم المترجمة نانسي قنقر.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فنواصل القراءة في فصل فوائد وحكم الصيام من كتاب الرياضة الناظرة والحدائق النيرة الزاهرة. يقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: قال: وبالصيام يكون العبد صابراً على الطاعات، وعن المخالفات، وعلى أقدار الله المؤلمة. أي أن بالصبر ينال العبد الصبر، ينال العبد الصبر الذي كذلك فيه الأجور العظيم المضاعف: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾. وقوله: «على الطاعات، وعن المخالفات، وعلى أقدار الله المؤلمة» يشير إلى أنواع الصبر الثلاثة. فإن الصبر على ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة. وكل هذه المعاني تجدها في الصيام. فمثال الطاعات: فكون العبد يمسك عن الطعام والشراب امتثالاً لأمر الله، هذه من الطاعات. كون العبد كذلك يمتنع عن المفطرات، وعن كذلك ما ينقص صومه، فهذا أيضاً من الطاعات والقربات. وأما مثال المخالفات: فكون العبد يجد ما تشتهيه نفسه من ألذ المطعومات والمشروبات، فيمتنع عن تناولها طاعة لله سبحانه وتعالى، لا يقع فيما يخالف صومه، فيما يخالف صومه، وفيما يخدش فيه. هذه صبر عن المعاصي والمخالفات. وأما على أقدار الله المؤلمة: فقد يجد الصائم من ألم الجوع، ومن ألم العطش، ومن شيء من مشقة الصيام، ومع هذا فيصبر ويحتسب، ولا يتناول مفطراً، لا يتناول مفطراً، صبراً ورغبةً فيما عند الله سبحانه وتعالى. قال: ويكون من الشاكرين لله بمعرفة مقدار نعمة الله عليه بالسعة والغنى، وبنعمته الكبرى بتوفيقه للصيام. فإن نعم الله الدينية أكبر من نعمه الدنيوية. وهذا أيضاً فيه فائدة عظيمة من فوائد الصيام. فالصيام كما أنه يعوّد النفس على الصبر، كذلك يعوّد النفس على الشكر. وبهذا يتزن المسلم في حياته، لأن المسلم في هذه الحياة دائرٌ بين الابتلاءات، وكذلك أقدار الله المؤلمة، وبين النعم والغنى والرخاء. ففي حال الشدة والضرّاء فهو بحاجة إلى الصبر، وفي حال النعم والرخاء فهو بحاجة إلى الشكر. وكل هذه المعاني موجودة في الصيام. فما هو وجه كون الصيام سبباً في شكر الله عز وجل؟ وجه ذلك كما ذكر المؤلف هاهنا: أن العبد يتذكر نعمة الله عز وجل عليه إذ حرم هذه النعم في وقت معين من يومه، وقت الصيام، وقت الصيام، فيعلم أن الأكل والشرب والزوجة نعمة من الله سبحانه وتعالى. وكما تقدم معنا أن النعمة إذا فقدت عرف مقدارها، عرف مقدارها. فهذا إذن وجه من أوجه كون الصيام سبباً لشكر نعم الله عز وجل علينا. كذلك بنعمته الكبرى بتوفيقه للصيام: فكون العبد يوفق لإكمال صوم يومه، فهذه نعمة عظيمة، وهي من النعم الدينية، وهي من النعم الدينية. توفيق الله عز وجل للعبد بالطاعة والقربة وأداء ما أوجب الله سبحانه وتعالى عليه. والنعم الدينية أعظم من النعم الدنيوية. فينبغي للصائم أن يستشعر هذه المعاني حال صومه، حال صومه. قد يكون العبد فقيراً لكنه مقبلاً على الطاعة، مقبلاً على العبادة، مكثراً من الطاعات والقربات. فليعلم هذا أن ما هو فيه خير له من ذاك الذي قد أنعم عليه بنعم الدنيا، ولكنه لم ينشرح صدره لمن شرح صدرك إليه من الطاعات والقربات والأعمال الصالحة. بل حتى إن بعض أهل العلم فسر الحياة الطيبة في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةٍ ﴾، فسر الحياة الطيبة بالإنشراح بالطاعة والعمل الصالح. هذه من الحياة الطيبة، هذه من الحياة الطيبة، ومن النعم العظيمة التي هي أعظم بكثير من نعم هذه الدنيا كالمال والغنى. ولذلك قال: فإن نعم الله الدينية أكبر من نعمه الدنيوية، أكبر من نعمه الدنيوية. وإذا اجتمعت النعمتان فلا شك أن هذا الشخص أعظم وأجل ممن أعطي أحدهما. قال: وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن الصيام أحد مباني الإسلام الخمسة، كما في حديث ابن عمر وعمر وغيرهما: «بني الإسلام على خمس». وأنه يكفر الذنوب المتقدمة، وأنه يكفر الذنوب المتقدمة كلها. يشير إلى حديث أبي هريرة في قوله عليه الصلاة والسلام: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه». وللفائدة: أن أحاديث غفران الذنوب في رمضان، وفي قيام الليل، وفي ليلة القدر، ما ثبت فيها إلا غفران الذنوب المتقدمة: «غفر له ما تقدم من ذنبه». أما الذنوب المتأخرة فلم يرد لفظ صحيح بهذا، فلا يقال: غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وإنما يقال: غفر له ما تقدم من ذنبه. قال: وأن الله يحبه ويرضى عن صاحبه، ويعطيه أجراً عظيماً. كأنه يشير إلى حديث أبي هريرة في قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي عن ربه: «الصوم لي وأنا أجزي به، وأنا أجزي به». أي أن الله عز وجل يعطي عليه أجراً عظيماً. فنسب تحديد أجر الصيام إلى نفسه وهو الكريم سبحانه وتعالى، فدل ذلك على أنه يعطي عليه الأجر العظيم. قال: وأن من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر. هذا أيضاً من فوائد الصيام وهو تضاعف الأجور والحسنات. فإذا صمت رمضان ثم أتبعته بست من شوال فكأنما صمت الدهر كلها، يعني صمت السنة كلها. المراد بالدهر هنا السنة. ولذلك جاء في الحديث الآخر: «ومن صام من كل شهر ثلاثة أيام فكذلك». في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «صيام شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر تذهب وحر الصدر». وفي لفظ: «صيام الدهر، صيام الدهر». قال: فإن الحسنة بعشر أمثالها. اضرب كل يوم في عشرة: فثلاثون في عشرة بكم؟ بثلاثمائة. وستة أيام في عشرة بكم؟ بستين. إذن كم يوم صارت؟ ثلاثمائة وستين يوماً، وهو عدد أيام السنة، وهو عدد أيام السنة. كذلك من صام في كل شهر ثلاثة أيام: من صام في كل شهر ثلاثة أيام فهو كصيام الدهر. اضرب ثلاثة أيام في عشرة بكم؟ بثلاثين. صح. اضرب ثلاثين في اثني عشر شهراً كم يصير؟ ثلاثمائة وستين، ثلاثمائة وستين. ثلاثون في اثني عشر بثلاثمائة وستين. فهذا هو المراد بقوله عليه الصلاة والسلام: «صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر». بمعنى أن الحسنة بعشر أمثالها. قال: وذلك يعدل صيام الدهر، فضلاً من الله ومنه، والله سبحانه وتعالى هو الكريم عز وجل. قال: ومن تيسير الله للصيام وتسهيله أن شرعه، أن الله شرعه في وقت واحد وشهر واحد، ليتفق المسلمون كلهم على صيامه، وتهون المشقة باشتراكهم في الصيام، الصيام. فإن الاشتراك في العبادة له نفع عظيم ومساعدة جسيمة. ولله في العبادات حكم وأسرار ولطف كبير. وهذا أيضاً لفتة من المؤلف رحمه الله تعالى في حكمة من حكم مشروعية الصيام في شهر واحد، أي إيجاب الصيام في شهر واحد وللمسلمين كافة. لا يجوز للمسلم إذا شهد شهر رمضان أن يؤخر صيامه بغير عذر شرعي إلى شهر آخر، إلى شهر آخر. فالمسلمون كلهم يصومون في شهر واحد. وهذا كما ذكر يعين ويسر فعل هذه الطاعة، فعل هذه الطاعة. حتى أن العلماء ذكروا في حق المسافر: هل، هل الأفضل في حقه الصيام أو الإفطار؟ فذكروا: إن كان الإفطار في السفر يشق عليه بعده القضاء، لأنه سيصوم وحده ويشعر بالمشقة، فالأفضل له أن يصوم مع المسلمين حتى يسهل عليه الصيام، حتى يسهل عليه الصيام. هذا يدل على أن الصيام في رمضان كل النفوس يعني يتيسر في حقها، كلنا. حتى الأطفال. لأن العبادات المشتركة يكون فيها من التيسير، ويكون فيها من الإعانة، لما يرى المسلم من عمل إخوانه المسلمين وقيامهم بهذه العبادة. فهذه أيضاً حكمة ولفتة من المؤلف، وسر من الأسرار التي من أجلها شرع الصيام في شهر واحد وفي وقت واحد. قال: وأما منافع الصيام البدنية فقد ذكر الأطباء أنه يحفظ الصحة، ويذيب الفضلات المؤذية، ويريح القوى ويرد إليها قوتها، وهو من أفضل أنواع الحمية عن تناول ما يؤذي البدن. فهو جامع لمصالح الدين والدنيا والآخرة. هذه ختم بها، وهي المصالح الدنيوية، وختم بها ولم يبدأ بها لأن الحكم الدينية مقدمة على الحكم الدنيوية. فبعض الناس ربما ينظر إلى الصيام بمنظار الفوائد الصحية فقط. نعم، هذه تكون تبعاً، وإلا فمن أعظم فوائد الصيام ما تقدم معنا من الفوائد الدينية، من الفوائد الدينية. ومع هذا لا نغفل أيضاً عن الفوائد الدنيوية الصحية من الصيام. وما ذكره المؤلف قد أجمع عليه الأطباء، بل في عصرنا الحديث الأطباء من الكفار، فضلاً عن المسلمين، يعالجون كثيراً من الأمراض بالصيام، يعالجون كثيراً من الأمراض بالصيام: السكر، والضغط، وأمراض القلب، وغيرها من الأمراض يعالجونها بالصيام، خصوصاً ما يسمونه بالصيام المتقطع. فكما ذكر المؤلف هاهنا: أن الجسم إذا منع عن الطعام فإن الخلايا الموجودة في هذا الجسم تبحث عما تتغذى به، فتذهب إلى الفضلات التي تضر بالجسم من الشحوم، ومن الدهون، ومن غيرها، فتبدأ تقلل من تراكم هذه الدهون وهذه الشحوم. وهذا أمر مجرب، هذا أمر مجرب، جرب، وأكثر من الصيام. وكذلك هنا لفتة أخرى: ليس معنى المعالجة بالصيام أنك إذا أفطرت نسيت نفسك وأكثرت من الطعام، وملأت المعدة بكثرة الطعام. هذا أيضاً مما يضر. ولكن صم بالنهار، وخذ الوصية النبوية في تناولك للطعام، في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطن، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه». لا تملأ المعدة جميع الأثلاث طعاماً، لا تملئها طعاماً فقط. لا، اجعل الطعام ثلثاً، واجعل ثلثاً للماء، للشراب، ما يشرب من السوائل، واجعل ثلثاً للنفس، لما تريد أن تأخذ نفساً. فلابد المعدة تكون فيها شيء من الفراغ. إذا كانت ممتلئة فالنفس لا يجد مكاناً، فيضطر الإنسان أن يتعب ويلهث، ويعني يجد مشقة في التنفس ونحو ذلك. فإذن: صم بالنهار، واتخذ التوجيه النبوي في الأكل بالليل عند الإفطار، عند الإفطار. فاقتصد في أكلك، كن في أمورك كلها متوسطاً. نعم، فالتوسط أمر مهم جداً، خصوصاً في كذلك الطعام والشراب. فالصيام من فوائده كما ذكر المؤلف رحمه الله: من أفضل أنواع الحمية. تريد أن تحمي نفسك من الأمراض ومما يؤذي؟ فصم، وقلل من الطعام، واختر أحسن الطعام وأفضل الطعام وأزكى الطعام. كما قال أهل الكهف لمن أرسلوه لإحضار الطعام لهم: ﴿ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا ﴾. ما قالوا: أكثر طعاماً، إنما قالوا: أزكى، يعني أفضل طعاماً. فاختر لنفسك الطعام الصحي الطيب، وكل باقتصاد، وصم النهار، ثم ستجد النشاط والصحة، وكذلك القوة على جميع أعمالك الدينية والدنيوية. نكتفي بهذا لانتهاء الوقت، وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الباب: فوائد الصيام. وننتقل في الدرس القادم إن شاء الله إلى باب آخر. إلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.