عدة الباحث فيما تعلق باليوم الآخر من المباحث 1

الدرس في عدة الباحث فيما تعلق باليوم الآخر من المباحث 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

اليوم الآخر: ركن الإيمان ومعانيه

اليوم الآخر هو الركن الخامس من أركان الإيمان، ويدل عليه حديث جبريل وآية البقرة، ويسمى بذلك لكونه آخر الأيام بلا يوم بعده. يشمل البعث والحساب والجزاء والجنة والنار، وموت الإنسان يعد قيامته الصغرى التي تحدد مصيره الأبدي.

تعريف اليوم الآخر وأهمية تذكر الموت

اليوم الآخر يُعرّف بالإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أحداث ذلك اليوم كالبعث والحساب والجنة والنار، ويشمل أشراط الساعة والحياة البرزخية. يجب على المسلم عدم الغفلة عن الموت مستدلاً بالآيات القرآنية وشعر ابن الورد، مع ذكر ضمة القبر التي لا ينجو منها أحد كما في حديث سعد بن معاذ.

ضمة القبر: حقيقتها وحكمتها واختلافها

ضمة القبر تصيب كل ميت حتى سعد بن معاذ، لكنها للمؤمن ضمة رحمة وشفقة يتبعها توسعة في القبر، بينما للكافر ضمة عذاب ونكال. حال القلب في الدنيا من إيمان وطاعة أو كفر ومعصية ينعكس مباشرة على حال الميت في قبره، كما قال ابن القيم: «حال العبد في قبره كحال قلبه في صدره».

دعاء الختام والاستعاذة من عذاب القبر

يختتم المتحدث بدعاء يطلب العافية والسلامة من أسباب سخط الله وعقابه، وأن يملأ القلوب بالإيمان والنعيم والطمأنينة في الدنيا والقبر. يستعيذ من الكفر والنفاق وعذاب القبر، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، بعد ذلك نهنيكم بقدوم شهر رمضان المبارك، الذي نسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لصيام نهاره وقيام ليله، وإعمار أوقاته بطاعته، وأن يجعلنا جل وعلا فيه من عتقائه من النار، إنه ولي ذلك والقادر عليه. نتذاكر وإياكم شيئًا من مباحث اليوم الآخر. اليوم الآخر، عباد الله، كما نعلم هو ركن من أركان الإيمان، الركن الخامس من أركان الإيمان الذي لا يتم إيمان العبد إلا بها، كما جاء في حديث جبريل المشهور في صحيح الإمام مسلم من حديث عمر رضي الله عنه، لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأن تؤمن بالقدر خيره وشره»، والحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. والله جل وعلا يقول: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: 177]. إذن الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان، لا بد للعبد أن يؤمن بأن هناك يومًا ينتقل فيه العباد من هذه الدار إلى الدار الآخرة، يحيي الله جل وعلا فيه الأموات ويحاسبهم ويجازيهم. واليوم الآخر سُمِّي بذلك لأنه آخر الأيام، فليس هناك يوم بعده، ولهذا يسمى باليوم العقيم لأنه ليس بعده يوم. واليوم الآخر يطلق ويراد به ما يكون في ذلك اليوم بعد البعث والنشور من أمور الآخرة، ويطلق أيضًا ويراد به ما يحصل للإنسان من الانتقال من هذه الدنيا، وذلك بموته ورحيله. ولهذا جاء في الأثر: «من مات فقد قامت قيامته». هذا الأثر رُوِيَ موقوفًا ومقطوعًا: موقوفًا على المغيرة بن شعبة، ومقطوعًا على علقمة وسعيد بن جبير، ورُوِيَ مرفوعًا إلى النبي عليه الصلاة والسلام لكنه ضعيف. ذكره الغزالي في كتابه الإحياء، وقال الحافظ العراقي رحمه الله في تخريجه لهذا الحديث: رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الموت بسند ضعيف، فلا يصح مرفوعًا ولكن يصح موقوفًا ومقطوعًا. ومعنى «من مات فقد قامت قيامته»: بمعنى أنه إما أن يصير إلى نعيم أو يصير إلى جحيم، وإما أن يصير إلى الجنة وإما أن يصير إلى النار، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح: 25]، الأجساد في الغرق والأرواح في الحرق. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك»، بمعنى أن الجنة والنار قريبتان من الإنسان، ليس بينه وبين دخول الجنة أو النار إلا أن يموت، إلا أن يموت. اليوم الآخر يشمل البعث والنشور والجزاء والحساب والجنة والنار والصراط والميزان، إلى آخر ذلك مما يكون في ذلك اليوم العظيم. ولهذا فسر عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قول الله عز وجل: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: 4]، بأنه البعث والحساب والجنة والنار والميزان، أي مما يكون في اليوم الآخر. وكما ضبطه بعض أهل العلم ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن اليوم الآخر هو الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يقع في ذلك اليوم، الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يقع في ذلك اليوم العظيم، ويشمل ذلك ما يتعلق بالبعث والنشور والنفخ في الصور، وكذلك العرض على الله جل وعلا وأخذ الصحف والميزان والصراط والحوض والجنة والنار، إلى آخر ذلك، الإيمان بجميع ذلك مما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك أيضًا من مباحث اليوم الآخر -وقد ذكر بعض أهل العلم- أن مما يتعلق باليوم الآخر ما يتعلق بأشراط الساعة، لأنها تدل على قرب يوم القيامة، ولهذا بعض أهل العلم يرون ذكر أشراط الساعة في الكلام على اليوم الآخر. وهكذا أيضًا ما يتعلق بالحياة البرزخية: حياة الإنسان في قبره، وفي هذه المرحلة التي يكون فيها بين انتقاله من الدنيا وكذلك بين رحيله أو كذلك بعثه ونشوره في اليوم الآخر، ما يكون في اليوم الآخر مما ذكر وغيره فيما يقع في ذلك اليوم العظيم. إذا علم هذا، عباد الله، فإن مما ينبغي أن لا يغفل عنه المسلم وأن لا يتناساه ما يتعلق بأمر الموت، لأنه كما سمعتم إذا مات الميت قامت قيامته، فأول ما يرحل به الإنسان من هذه الدنيا إلى الدار الآخرة ما يكون من أمر الموت. ولهذا ربنا جل وعلا كثيرًا ما يذكر عباده بهذه الحقيقة حتى لا يغفل عنها ولا كذلك يتناسوها، وهو أمر الموت والرحيل من هذه الدنيا، كما في قوله جل وعلا: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185]، وقال ربنا جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة: 8]، وقال ربنا جل وعلا: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 26-27]، والآيات في هذا الباب كثيرة. فهذه الحقيقة ينبغي ألا يغفل عنها العبد، أنه سيموت وسيرحل من هذه الدنيا كما رحل الذين قبله من آباء وأجداد، ومن كذلك ملوك ومن ملك هذه الأرض من ذوي الأموال وذوي السلطان، الجميع رحل، وسيحيي الله جل وعلا الجميع ويجازيهم على أعمالهم. وما أحسن ما قال ابن الورد رحمه الله في لاميته: كُتب الموت على الخلق فكم أفنى من جيش وأفنى من دول أين نمرود وكنعان ومن ملك الأرض وولى وعزل أين عاد أين فرعون ومن رفع الأهرام من يسمع يخل أين من سادوا وشادوا وبنوا هلك الكل فلم تغني القلل أين أرباب الحجى أهل النهى أين أهل العلم والقوم الأول سيعيد الله كلا منهم وسيجزي فاعلا ما قد فعل وهنا يأتي أمر لا يسلم منه أحد من الخلق، إذا أدخل إلى قبره، إذا أدخل إلى قبره ووضع في حفرته، ألا وهو ما يتعلق بضمة القبر وضغطته. هذه الضمة التي لا ينجو منها أحد ولا يسلم منها أحد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن للقبر لضمة، لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ»، والحديث رواه الإمام أحمد من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. «إن للقبر لضمة»: أي تضم من وضع فيها وتضيق عليه، قال: «لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ». قال ابن أبي مليكة رحمه الله: إن ضمة القبر لم ينجُ منها أحد حتى سعد بن معاذ، الذي مناديل من مناديله في الجنة خير من الدنيا وما فيها. هذه الضمة ما نجا منها سعد بن معاذ، الذي مناديل من مناديله في الجنة خير من الدنيا وما فيها، ومع هذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه ما سلم من ضمة وضغطة هذا القبر. لكن ذكر أهل العلم أن هذه الضمة وهذه الضغطة تكون للمؤمن رحمة، تكون للمؤمن رحمة، يعني ضمة الشفقة ورحمة، كضمة الحبيب لحبيبه، وأما الكافر فإنها تكون ضمة عذاب، تكون ضمة عذاب. فالمؤمن يضمه القبر ضمة كما سمعتم هي ضمة شفقة ورحمة، ثم يفرج عنه ويوسع له في قبره كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث البراء الطويل المشهور، وأما الكافر فيضيق عليه في قبره حتى تختلف عليه أضلعه، ويشتعل قبره عليه نارًا، عياذًا بالله. ذكر بعض أهل العلم حكمة من حكمة هذه الضمة، وهو أن الإنسان خلق من تراب، أصل خلقته من تراب من هذه الأرض، وهو يعيش على ظهر هذه الأرض، وقد أخذ الله عز وجل على بني آدم العهد والميثاق أن يقوم بطاعته وعبادته، فإذا حصل من هذا الإنسان التقصير وحصل منه التفريط، فإنه إذا رجع إلى أصله وإلى هذه الأرض ضمته هذه الأرض ضمة، ثم تكون كما سمعتم للمؤمن: يعني رحمة وشفقة، فيترك بعد ذلك ويوسع له، وأما للكافر فتضمه ضمة عذاب ونكال، تضمه ضمة عذاب ونكال. والله جل وعلا يقول: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾ [العاديات: 9-11]. انظروا كيف جمع الله عز وجل بين أمر القبور وأمر الصدور، معنى أن حال العبد في هذه الدنيا بما يكون في قلبه من الإيمان ومن الطاعة ومن الصدق والإخلاص إلى آخر ذلك له أثر إذا انتقل إلى قبره، له أثر إذا انتقل إلى قبره، فبقدر ما يكون الإيمان في القلب يكون حاله من النجاح والسلام في القبر، وإذا كان حاله في قلبه حال الكافر والمنافق فإنه كذلك يؤثر عليه في قبره. ولهذا قال العلامة ابن القيم رحمه الله: «حال العبد في قبره كحال قلبه في صدره، نعيما وعذابا وانطلاقا وسجنا». أي كيف حالك أيها العبد في هذه الدنيا، كيف حال قلبك في صدرك؟ هل تجد راحة وطمأنينة ونعيما ولذة بلذة الطاعة والعبادة؟ فإن كان كذلك فأبشر بالنعيم في القبر، أبشر بالنعيم في القبر. وأما إن كان قلبك في صدرك مليئا بالذنوب والخطايا والكفر والنفاق والشكوك والريب، وكذلك محبة الشهوات والمحرمات إلى آخر ذلك، فأنت في عذاب، سيكون كذلك مآلك، ويكون حالك في قبرك أنك في عذاب ونكال وفي سجن وضيق لا يعلمه إلا الله. نسأل الله جل وعلا أن يعافينا وإياكم، وأن يسلمنا من أسباب صخطه وأسباب عقابه، وأن يجعل جل وعلا قلوبنا مليئة بالإيمان ومليئة بالنعيم والطمأنينة، وأن يجعل قبورنا كذلك، وأن يعيذنا جل وعلا من أن تكون قلوبنا مليئة بالكفر والنفاق وبكذلك العذاب والسجن والضيق، وأن يسلمنا جل وعلا من ذلك في قبورنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والله تعالى أعلم.