الاقبال على الله 5

الدرس في الاقبال على الله 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مفهوم انعزال الوسط وأهميته في الإقبال على الله

يتحدث الدرس عن انعزال الوسط كضابط للإقبال على الله، ويشرح معنى التغيير المطلوب في حياة الشخص المقبل على الله. يشير إلى أهمية هذا التغيير سواء كان في المحيط الخارجي أو في القلب.

ضرورة تغيير البيئة والمجالس لتحقيق التوبة

يؤكد الدرس على أهمية تغيير البيئة والمجالس لتحقيق التوبة الحقيقية والعودة إلى الله، ويستشهد بقصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا. يشير إلى ضرورة الابتعاد عن مجالس الشر والصحبة السيئة.

تغيير النفس والقلب للتقرب إلى الله

يتحدث الدرس عن ضرورة تغيير النفس والقلب للتقرب إلى الله، مستدلًا بالآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ وأحاديث نبوية. يشير إلى أن التغيير المطلوب هو تغيير المحتوى الداخلي للقلب.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، أخذنا في الدرس الذي مضى في صفة الإقبال على الله عز وجل الضابط الثاني، ألا وهو الإخلاص والتوجه إلى الله عز وجل، وقطع أو ربط ما يكون من الدنيا بالآخرة. وهذا كما قلنا هو الضابط الثاني في ضوابط الإقبال على الله عز وجل حتى يكون الإقبال صحيحًا. واليوم، إن شاء الله تعالى، نأخذ ضابطًا ثالثًا من هذه الضوابط، ألا وهو كما سماه الإمام ابن القيم: انعزال الوسط. انعزال الوسط وهو من آكد أمور التوبة. والإمام ابن القيم تكلم على هذه المسألة في «زاد المهاجر»، فالمقبل على الله هو مهاجر إلى الله. فأتكلم على هذه المسألة في «زاد المهاجر إلى الله»، وهو أن هذا الضابط، وهو انعزال الوسط، المراد به أن يخرج مما كان فيه، أن تغير حاله، تغير حاله عما كان قبل. فكيف يكون مقبلًا على الله عز وجل وهو في نفس الحالة التي كان عليها؟ فهذا ليس إقبالًا، وإنما الإقبال أن يتغير حاله، فينعزل عن ذلك الوسط، سواء كان ينعزل بجسمه، وكذلك انعزال بقلبه. ومما يدل على هذا آيات التوبة التي ذكرها الله عز وجل: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، وأيضًا آيات التغيير، كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾، فلا بد من التغيير. فربنا جل وعلا لا يغير ما بقوم حتى يغير ما بأنفسهم، وإذا أراد الإنسان أن يغير حاله لا بد أن يغير من نفسه، يغير من نفسه، سواء كان كما قلنا بجسده أو بقلبه. معنى أن يغير بجسده: كيف؟ في لقاءاته، في أصحابه، في من يماشيهم، من يجالسهم، فهذا يحتاج إلى أن ينتقل منهم. وكذلك بقلبه أيضًا، أن يغير ما كان في قلبه، فيزداد محبة وتوكلا ورغبة إلى الله عز وجل، بعدما كان عنده هذه الأشياء بعيدة أو قد يكون بعضها معدومًا. فينتقل مثلًا من محبة البشر والانهماك معهم إلى محبة الله عز وجل، وأيضًا ينتقل من تقديم محبة الخلق إلى تقديم محبة الله ورسوله، كما جاء في الحديث: حديث أنس، «أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله». وهذا التغيير للجسد والقلب كذلك. معنى أن يغير بقلبه: أن يجعل ذلك لله، فيجالس هذا الشخص، يجالسه لله، ليس لأجل غرض آخر من أغراض الدنيا. معنى ليس المجالسة الجلسة والجلستين أو كذا أو في عمل، لا، المراد المجالسة أن يكون جليسه وصاحبه، أو مكان ما يجلس يجلس عنده، فهنا يختار من يقربه إلى الله عز وجل. وإذا أحب أحب في الله، لا لأغراض الدنيا، لأن كل محبة من محبات الدنيا تنقلب يوم القيامة عداوة إلا أهل التقوى، كما ذكر الله عز وجل: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾. فلهذا لا تنفع محبة إلا محبة المحبة في الله جل وعلا. قال صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقدف في النار». فهذه الثلاثة العظيمة التي من دخلت قلبه فهو ممن أحبه الله عز وجل، وذاق طعم الإيمان وحلاوته. وسيأتي، إن شاء الله تعالى، أيضًا من الأمور والضوابط: الرضا بحكم الله جل وعلا. لكن هنا قلنا: إنه لا بد أن ينعزل بجسمه وقلبه عما كان عليه، لا بد من التغير، لا بد أن يغير في حاله، فيلتزم أو يترك الأصحاب الذين كان يعمل السوء معهم، أو كانوا يذكرونه بالدنيا، أو كانوا أيضًا هم سبب غفلته. لو تأملنا مثلًا في حديث أبي سعيد، في الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، فالعالم الذي جاء إليه وقال له: هل لي من توبة؟ قتلت مئة نفس، فهل لي من توبة؟ فقال: «وما يمنعك من التوبة؟» ما هناك ما يمنعك من التوبة، لكن لا بد أن تغير، لا بد أن يكون هناك تغير في حالك. فقال: «ما يمنعك من التوبة؟ ولكن أنت بأرض سوء»، أنت بأرض سوء، «فاذهب إلى أرض كذا وكذا، فإن هناك أناسًا يعبدون الله، فاعبد الله معهم». انظر إلى هنا: لا بد من التغير، لا بد من انعزال هذا الوسط الذي كان فيه. فقال له: «ولكن أنت في أرض سوء، أرض يعمل فيها بالمعاصي، وأرض فتن، وأرض كذا». وهذه البلد هي التي تفعل فيها المنكر، ومع هؤلاء الأصحاب الذين تصاحبهم. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». لا يمكن أن يغير الشخص من نفسه وهو على حالته مع أصحابه الذين هم معه. فلهذا ذكر الله عز وجل أن من ترك صاحبه وقرينه وانعزل عنه هو الذي يفوز، كما ذكر الله عز وجل عن قصة رجل من أهل الجنة: أنه كان له قرين يقول: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾، وكان له صاحب يقول له: لماذا أنت تعبد الله؟ لماذا كذا؟ لماذا تفعل؟ أنت تصدق مثل هذا؟ فتركه وعبد الله عز وجل. لكن بعد ذلك رآه في سواء الجحيم، رآه في قعر النار. معنى: الله عز وجل قرنه هذا الشخص، فقال له: ﴿لَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾، معنى: كنت ستضل لو كنت معه، ولو كنت عنده، وما تركته. فلهذا، عباد الله، فمن الأمور العظيمة التي يستقيم فيها الإقبال على الله عز وجل: أن الإنسان يترك ما كان من وسط فيه، يعني يغير حياته، يجعل حياته لله، مجالسه: مجالس علم وذكر، بدل ما كان مجالس مثلًا: الغناء، مجالس له: مجالس قيل وقال، غيبة ونميمة وكذب، مجالس فيها يشهد الزور، وغيرها من هذه المجالس. يغير هذه المجالس إلى مجالس علم، مجالس ذكر، مجالس مناقشة للعلم، مجالس تذكير بالآخرة، وغيرها من أيضًا مجالس فيها الكلام الطيب، الكلام الذي يكون مثل الدرر يلتقط، مجالس فيها الكلمة الطيبة، ليس فيها مجالس فيها السب والشتم والتعيير والاستهزاء، وغيرها من هذه المجالس التي هي تبعد عن الله عز وجل. فلهذا يحتاج إلى مجالس أخرى، مثل ما يحتاج إلى أصحاب آخر، يحتاج أيضًا إلى مجالس أخرى. فأيضًا كذلك قد مثلًا قد يكون الإنسان عنده مجالس غير أصحاب، يعني لا يلزم مثلًا أن يكون مجلس هو نفسه الصاحب. أحيانًا يكون الإنسان مجلس مثلًا: عند تلفاز، عند مثلًا فيديو، عند جوال. أحيانًا الإنسان عنده جوال، وصاحبه وجليسه، فينتقل من مكان إلى مكان في هذا الجوال، فهذا يضر أيضًا، فهذا يضر إذا كان يستخدم هذه الجوال في أمور لا ترضي الله عز وجل. فلهذا هذا مجلس يعتبر، والصاحب هو الذي يماشيك، الصاحب الذي يماشيك، وقد يكون أيضًا يجالسك، يكون دائمًا جليسك، وكذا. فلهذا فتنعزل مجالس الشر التي كنت معتادًا عليها، سواء كان كما قلنا: مجالس أصحاب، أو مجالس غير مجالس الأصحاب. بعض الناس مثلًا مجالسه يتتبع المسلسلات، يتتبع المباريات، يذهب من مقهى إلى مقهى، من مكان إلى بقالة، لأجل أن يتابع مثلًا المباريات الفلانية، أو كذلك يتابع المسلسل، أو الفيديو، أو ما يسمونه بأي شيء: المصارعة، أو غير ذلك مما يضل عن الله عز وجل، ويضل عن طريق الله سبحانه وتعالى. فإذا كان المرء قد ابتلي بمثل هذا، فالعودة إلى الله والإقبال على الله لا بد أن يغير هذه الأمور، لا بد أن يغير هذه الأمور. قد يكون مثلًا الإنسان في منطقته، أو فيما يكون في محيطه، قد يكون منتشر مثل هذه الأمور عند الناس: مسلسلات كذا، مسلسل كذا، مسلسلات تركية، مسلسلات أجنبية، مسلسلات مصرية، وغيرها من هذه الأشياء التي تصرف عن الله. فيتتبع مثل هذه الأمور في محيطه، لكن لما ينتقل مثلًا من هذا المحيط، ويريد أصلًا الخير، مثلًا يأتي إلى مجلس، إلى مركز علم، يأتي مثلًا إلى منطقة أخرى، يريد مثلًا أن يعبد الله عز وجل هناك، يرى أن هذه المنطقة أفضل، أو غيرها من هذه الأشياء. فهنا لا يبقى على ما كان عليه من حال، وإلا ما سيتغير شيء فيه. أنا يأتي مثلًا طالب علم من مكان بعيد لأجل أن يطلب في مركز، مراكز، ويبقى على ما هو عليه من قبل: تابع المسلسلات، تابع التمثيليات، تابع المباريات، تابع المصارعات، تابع كذا. فهذا ما سيتغير، حتى ولو كان جالسًا في مكان علم، لأنه لم يغير من نفسه. الله عز وجل اشترط التغير: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. غير ما بنفسك، فإن الله عز وجل سيغير ما بك. لماذا؟ لأن الله عز وجل بالتغير هذا يدل على إقبالك عليه. عندما تغير بما كان في نفسك، تستعمله، الله عز وجل يغير، لأنك مقبل عليه. وقد ذكرنا في بداية الكلام على هذه الصفة، صفة الإقبال، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي»، أو قال: «أنا عند ظن عبدي بي، فإن ذكرني في نفسي ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة». وجاء كذلك في صحيح مسلم، من حديث أبي هريرة، نحو هذا الحديث، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أعلم أن الله - أو أعلم أنه - لن يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله»، ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أو قال الله عز وجل: وتقرب إلي عبد بشبر، تقربت إليه بذراع، وإن تقرب إلي بذراع، تقربت إليه بباع، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة». فلهذا فبحسب إقبالك على الله يقبل عليك الله عز وجل. فهذا التغيير يعتبر إقبالًا. أنت الآن لما تغير من هذه الأمور، أو العادات السيئة التي كنت عليها، أو المعاصي التي كنت عليها، معنى أنك تريد تغير من نفسه، فهذا إقبال على الله. أما إنسان يريد أن يريد الخير، لكن ما يريد يغير ما هو عليه، يريد يبقى على ما هو عليه من مجالس، من مصاحبات، من كذلك أشياء التي اعتادها، من مسلسلات وكذا، فهذا ما سيتغير، بل قد ينتكس مرة أخرى إلى ما هو أشد. وهذا الواقع، هذا الواقع كثير من الناس هكذا: يريد أن يتوب ويقبل على الله عز وجل، لكن لم يترك ما كان عليه، لم يترك ما كان عليه. فبقي إن جاء نفسه فيها خير، يريد الخير، يريد أن يكون من طلبة العلم، من أهل المساجد، كذا، من أهل الخير، لكن ما يريد أن يترك ما كان عليه من قبل. فتجد أنه إن التزم شهر انتكس، رجع. وحيانًا الرجوع ويكون أشد. أعرف واحد هكذا، كلما بقي في طلب العلم وفي الخير دائمًا يصلي، ويسبل إزاره، ويلبس العمامة، وكذا. تجد أيام فقط، أو شهر، شهرين، ثلاثة أشهر، يرجع. لماذا؟ لأن أصحابه الذين كانوا معه لا يتركهم أبدًا، وإن تركهم تركهم في أوقات، لكن يرجع إليهم. فلهذا كان قبل عنده معاصي معهم، يفعل معاصي معهم، لكن لما رجع رجع إلى ما هو أشد مما كان يفعله، رجع إلى المخدرات، رجع إلى المسكرات، ويبقى معهم شهر، شهرين، يرجع. قلنا: سأتوب، لكن ما يفرح. وهكذا يرجع إليهم. والمهم أنه كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. فإذا أراد الإنسان أن يقبل على الله، وأن يغير من نفسه، أو أن يقبل على الله، لا بد أن يغير من نفسه. هذا تغيير الجسد. وهذا تغيير الجسد. وهناك، إن شاء الله تعالى، نأخذ في الدرس الآخر: تغيير القلب. لا بد أيضًا أن يغير قلبه، معنى: يغير ما في قلبه، ليس يغير قلبه، معنى: يغير ما في قلبه من الأمور التي كانت قبل. فإن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والله تعالى.