الدرس في كتاب الصلاة 45، ألقاها
يناقش المقطع مسألة قراءة البسملة في الصلاة، ويستدل بحديث أنس بن مالك الذي يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاءه كانوا يقرؤون البسملة سرا. يشير هذا إلى أنهم كانوا يقرؤونها وليسوا يتركونها مطلقا.
تناول المقطع آراء العلماء حول كون البسملة آية من القرآن، وترجح كونها آية في كل سورة مستدلاً بكتابتها في المصحف وحديث أنس وأدلة أخرى. يبين هذا التحليل أهمية البسملة في بداية السور.
اختلف العلماء في حكم قراءة البسملة في الصلاة بين الإسرار والجهر وعدم القراءة، والراجح هو الإسرار بها كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه، مع جواز الجهر أحيانًا للمصلحة.
يختتم المقطع بذكر احتمال عدم قراءة البسملة في الفاتحة، ثم ينتقل إلى الدعاء بختم الصلاة بالتسبيح والاستغفار والتوبة، مشيراً إلى أهمية الختام بالذكر والتوبة.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: باب ترك الجاهر ببسم الله الرحمن الرحيم. وقوله رحمه الله تعالى: باب ترك الجاهر ببسم الله الرحمن الرحيم، باب، كما تكرر معنى أنه مدخل، ويطلق على المدخل الحسي والمعنوي. وقوله: باب ترك الجاهر، أي باب في الدخول في مسألة ترك الجاهر ببسم الله الرحمن الرحيم. قوله رحمه الله تعالى: ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، إشارة منه إلى ترك الجهر، وليس ترك البسملة مطلقا. قوله: ترك الجهر، في إشارة منه رحمه الله تعالى إلى أن البسملة تقرأ، ولكن سرا لا يجهر بها، لا كما قال بعض من لا تقرأ مطلقا، وسيأتي الكلام على هذا بإذن الله عز وجل. قال رحمه الله: عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين، الحمد لله، برفع الحمد، على الحكاية. قالوا: في رواية: صليت مع أبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحدا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. ولمسلم: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فكانوا يفتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها. هذا الحديث، كما ترون، حديث أنس برواياته يدل على مسألة من المسائل التي وقع الخلاف فيها بين أهل العلم، وهي قراءة البسملة، وهي قراءة البسملة في أول السور. وسعة الكلام على هذا في المسائل بإذن الله عز وجل. قال الحافظ في الفتح رحمه الله: قوله: يفتتحون الصلاة، وكذلك قال: وكذلك رواه ابن المنذر والجوزقي وغيرهما من طريق أبي عمر الدوري، وهو حفظ ابن عمر، شيخ البخاري. فيه قال: بلفظ: كانوا يفتتحون القراءة، كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين. وكذلك رواه البخاري في جزء القراءة خلف الإمام، عن عمر بن مرزوق، عن شعبة. وذكر أنها رواية أخرى من رواية حفظ ابن عمر. الرواية الأخرى: فيها: يقرؤون أو كانوا يفتتحون القراءة. والرواية التي قرأناها: كانوا يفتتحون الصلاة. فقال البخاري رحمه الله تعالى: أن هذه الرواية، أي يفتتحون القراءة، أوجز من رواية حفظ ابن عمر التي فيها يفتتحون الصلاة، لأن قوله: يفتتحون الصلاة، يوهم بأنه يفتتحون الصلاة بالحمد لله مباشرة، دون تكبير ودون استفتاح. ولكن في الرواية الأخرى: كانوا يفتتحون القراءة، كانوا يفتتحون القراءة، في إشارة إلى أنهم يفتتحون القراءة، لا أنهم يفتتحون الصلاة مطلقا، وإنما يفتتحون الصلاة مطلقا بالتكبير، ثم بدعاء الاستفتاح، كما جاء في حديث أبي هريرة، ومر معنا. وبعد ذلك يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم سرا، ثم يجهر بالقراءة بالحمد لله رب العالمين. قوله: والحمد لله رب العالمين، بضم الدال، على الحكاية، أي يقرؤون بالحمد لله رب العالمين، لأنها على الحكاية، حكاية قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر. وفي رواية عثمان. قال: واختلف في المراد بذلك. فقيل: كانوا يفتتحون بالفاتحة. وهذا قول من أثبت البسملة في أولها. وتعقب بأنها إنما تسمى الحمد فقط، إنما تسمى الحمد فقط. وأجيب بمنع الحصر. ومستنده ثبوت تسميتها بهذه الجملة، وهي الحمد لله رب العالمين، في صحيح البخاري. أخرجوا في فضائل القرآن، من حديث أبي سعيد بن المعلى، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن؟ فذكر الحديث. وفيه قال: الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني. وقيل: المعنى: كانوا يفتتحون بهذا اللفظ، تمسكا بظاهر الحديث. قال: وهذا قول من نفى قراءة البسملة. وهذا قول من نفى قراءة البسملة، من قال أن المراد بالحمد لله، أي سورة الفاتحة. ومن سورة الفاتحة البسملة، قال: في هذا الحديث دلالة على قراءة البسملة. ومن نفاها، قالوا: هذا الحديث، دلالة على نفي قراءة البسملة. قال رحمه الله تعالى: وهذا قول من نفى قراءة البسملة، لكن لا يلزم من قوله: كانوا يفتتحون بالحمد، أنهم لم يقرأوا بسم الله الرحمن الرحيم سرا. وقد أطلق أبو هريرة السكوت على القراءة سرا، كما في الحديث الثاني من الباب، يشير إلى قراءة دعاء الاستفتاح سرا، كما جاء في أنه كبر، ثم قال: فسكت النبي صلى الله عليه وسلم هنية. فقلت: بعد أن غطى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة. قال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، ما هذه السكتة التي سكت بين التكبير والقراءة؟ فقال: قلت: واللهم إني وجهت وجهي... إلى آخر الحديث. واضح، جماعة منها، فسمى القراءة سرا سكتة. فسمى القراءة سرا سكتة. ما هذه سكتة؟ ومع هذا، قال له الذي رأيتك سكتها، يدل على أنه رآه يقرأ شيئا. فهذا، لو ضمى مع حديث أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه، ظهر المعنى، وهو أن المعنى: بأنهم لا يجهرون، وأنهم كانوا يسرون، لا أنهم كانوا لا يقرؤونها مطلقا. قال رحمه الله تعالى: ثم قال رحمه الله: الحافظ بن حجر، قال: ألفاظ الحديث، بعد أن ذكر رحمه الله تعالى ألفاظ الحديث، واختلاف روايته على شعبة، وأنه روي بألفاظ، منها لفظ: كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين. ورواه آخرون عنه، أي عن شعبة، بلفظ: فلم أسمع أحدا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. قال: ولا يقال: هذا اضطراب من شعبة، لأنه نقول: قد رواه جماعة من أصحاب قتادة باللفظين. وعن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، بلفظ: فلم يكونوا يفتتحون القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم. قال الحافظ: لكن هذا النفي محمول على ما قدمناه. ما هو الذي قدمه؟ قال: أن المراد: أنه لم يسمع منهم البسملة، فيحتمل أن يكونوا يقرؤونها سرا. قال: ويؤيده رواية من رواه بلفظ: فلم يكونوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم. فلم يكونوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم. وهذه موافقة لعنوان الإمام عبد الغني رحمه الله تعالى. قال: كذا رواه سعيد بن أبي عروبة، عند النسائي، وابن حبان. وهمام، عند الدارقطني. وشيبان، عند الطحاوي، وابن حبان. وشعبة أيضا، من طريق وكيع عنه، عند أحمد. الأربعة هؤلاء يروونه عن قتادة، عن أنس، بلفظ: كانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم. فقوله: كانوا لا يجهرون، يدل على أنهم يقرؤون، ولكن لا يجهرون، أي يسرون. ووضح هذا جماعة. وهذه تؤيد ما سبق ذكره، من أن المراد بقوله: لا يقرؤون، أو يفتتحون بالحمد لله رب العالمين، أو لم أسمعهم يقولون بسم الله الرحمن الرحيم، كل هذه تؤيد أن المراد: لم يكونوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم، كما جاء نص هذه العبارة بهذه، أو من هذه الطرق، من حديث هؤلاء الأربعة، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه وأرضاه. قال الحافظ: ولا يقال: هذا اضطراب من قتادة، أن قتادة تارة يروي عن أنس بكانوا لا يجهرون، وتارة لم أسمع، وتارة يفتتحون بالحمد لله رب العالمين، وتارة لا يقرؤون بسم الله الرحمن الرحيم. لا يقال: هذا اضطراب من قتادة، لماذا؟ قال الحافظ رحمه الله تعالى: لأن نقول: قد رواه جماعة من أصحاب أنس عنه كذلك. وضح هذا جماعة من أصحاب أنس، رواه على هذه الألفاظ. فدل هذا على أن أنسا كان يرويه تارة على وجه، وتارة أخرى على وجه آخر. فأنس يخبر بما رأى. أنس يخبر بما رأى. تارة يقول: لا يجهرون. وتارة يقول: لم أسمعوا يقرأون ببسم الله الرحمن الرحيم. وتارة يقول: كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين. وهذه كلها مؤيدة تدل على أن المراد بقوله: لم أسمع، ويفتتحون بالحمد لله رب العالمين، إلى غيرها، أي: لا يجهرون بالبسملة، وإنما يقرؤونها سرا. قال رحمه الله تعالى: قال: فطريق الجمع، الحافظ بن حجر، وما زلنا في كلامه. قال رحمه الله: فطريق الجمع بين هذه الألفاظ، حمل نفي القراءة على نفي السماع. حمل نفي القراءة في قوله: كانوا لا يقرؤون، على قوله: لا أسمع. لا أسمعهم يقرؤون ببسم الله الرحمن الرحيم. قال: فطريق الجمع من هذه الألفاظ، حمل نفي القراءة على نفي السماع، أي: لا يقرؤون، أي: لا أسمعهم يقرؤون. قال: ونفي السماع على نفي الجهر. ونفي السماع، نفي الجهر، أي: أنه لا يسمعهم، لأنهم كانوا يسرون ببسم الله الرحمن الرحيم. واضح هذا، جماعة. قال: وأصرح من ذلك رواية الحسن، عن أنس، عند ابن خزيمة، بلفظ: كانوا يسرون ببسم الله الرحمن الرحيم. فاندفع بهذا تعليل من أعله بالاضطراب، كابن عبدالبر. لأن الجمع إذا أمكن، تعين المصير إليه. واضح هذا، جماعة. لا نحن قرأنا هذا مبحث، وهو مبحث، كما يقال: مختصر مبحث. وإلا الحديث وقع فيه أخذ ورد. هذا الحديث وقع فيه أخذ ورد، من حيث الثبوت، ومن حيث الدلالة. وفيما ذكرناه، ملخصا عن الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى، دفع الإشكال، من حيث الثبوت، ومن حيث الدلالة. لأن الحديث قد أعل بعلل، منها الاضطراب، اضطراب شعبة. وعل أخرى: باضطراب قتادة. وعل أخرى: بأن الأوزاعي رواه وجادة. وهذه العلة لكلها مدفوعة. وعل أيضا: بأن الحديث قد روي بألفاظ مختلفة، واختلاف الألفاظ يختلف بها الاستدلال. واختلاف الاستدلال، من وجه إلى آخر، يسقط الاستدلال بالحديث. هذا باعتبار المتن. وأيضا قد تبين وجه الجمع، فلا حاجة إلى سقوط الاستدلال به، بل يبقى الاستدلال به على ظاهره. لأن قاعدة أهل العلم: أن الحديث يطرأ عليه الاحتمال، بطول النظر فيه، لا سيما إذا كان الاحتمالان قويان، لا يستطيع الإنسان أن يفصل، أو أن يميز أحدهما مع الآخر، يتوقف في الحكم لأي الحكمين كان الحديث. واضح، جماعة. فمثل هذا الحديث، تارة يجهرون، وتارة لا يقرؤون، وتارة لم يقرؤون، وما شابه ذلك من الألفاظ. والجمع بينها، ما تقدم. واضح هذا، يا إخوة. طيب، إذا انتهينا من دفع الإشكال حول الحديث، سندا ومتنا، ننتقل إلى مسائل الحديث. ننتقل إلى مسائل الحديث. في الحديث مسائل. الأولى: أوائل هذه المسائل: هل بسم الله الرحمن الرحيم آية من القرآن؟ أي: بسم الله الرحمن الرحيم، آية من القرآن؟ اجتمعت الأمة على أنها آية من سورة النمل. واختلفوا فيما عداها على أقوال. واختلفوا فيما عداها على أقوال. الأول: أنها آية من كل سورة، عدا براءة. وهذا قول مروي عن ابن عباس، وابن عمر، وعلي، وأبي هريرة، وابن الزبير، وعطاء، وطاووس، وجماعة آخرين. القول الثاني: أنها ليست آية من القرآن، إلا في سورة النمل. وهذا قول مالك، وأبي حنيفة. الثالث: أنها آية مستقلة في أول كل سورة، لا منها. أي: ليست من السورة، ولكن في السورة. أي: تقرأ في أول السورة، للفصل بين السور، وليست هي من السورة. وهذا قول ابن المبارك، وأحمد، وداود. وهو ترجيح شيخ الإسلام. الرابعة: أنها آية من سورة الفاتحة فقط. أنها آية من سورة الفاتحة فقط. وهي رواية عن الشافعي. وله رواية أخرى، كالقول الأول: أنها آية من كل سورة. والراجح من هذه الأقوال، والله أعلم: ما ذهب إليه ابن المبارك، وغيره، من أنها آية في كل سورة، لا منها. وذلك لأمور. الأول: أن الصحابة كتبوها في المصحف، وهم لم يكتبوا فيه إلا قرآنا. والحاجة، كما عمل الصحابة، كتبوها في المصحف، في أول كل سورة: بسم الله الرحمن الرحيم. فدل هذا على أنها من القرآن، بإجماعهم، بإجماع الصحابة الذين جمعوا المصحف. وأيضا ثبت في صحيح مسلم، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه، وذكر الحديث. وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقفى إقفاءة، ثم قام مبتسما. فسئل عن ذلك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنزلت علي آنفا سورة. فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، إنا أعطيناك الكوثر... إلى آخر السورة. واضح، جماعة. الشاهد منها: أنزلت علي سورة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم. فدلت هذه على أنها بسم الله الرحمن الرحيم، آية من القرآن، وأنها مما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثالثا: قول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: 87]. وأجمعت الأمة على أن فاتحة الكتاب سبع آيات. وإذا كانت سبع آيات، تكون من غير البسملة، على الصحيح. كما جاء في الصحيح، من حديث أبي سعيد بن المعلى، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألا أعلمك أعظم سورة في كتاب الله؟ قال: نعم. قال: الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني. طيب، وأيضا ما جاء في صحيح مسلم، من حديث أبي هريرة، في الحديث القدسي. وفيه: أن الله عز وجل قال: «أصمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين. ولعبدي ما سأل». قال: فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين... ولم يقل: فإذا قال العبد: بسم الله الرحمن الرحيم. فدلت هذه على أنها ليست آية من الفاتحة. دل هذا الحديث على أنها ليست آية من الفاتحة. وكذلك الآية السابقة، دلت أيضا على أنها ليست آية من الفاتحة. والأدلة الأخرى، دلت على أنها من القرآن. فوجه الجمع، ما ذكروه هؤلاء الأئمة: أنها آية في كل سورة، يبتدأ بها، للفصل بين السور، وليست من كل سورة. وليست من كل سورة. واضح، جماعة. فهذا هو القول الراجح في هذه المسألة، والله أعلى وأعلم. المسألة الثانية: اختلف العلماء في جواز قراءة بسم الله الرحمن الرحيم، وفي الجهر بها، وعدمه. إلى أقوال. فذهب أكثر أهل العلم إلى الإسرار بها. منهم الخلفاء الأربعة. وحديث أنس، سأدل على الثلاثة. وجاء أيضا رواية عن علي، أنه يقول بذلك، بالإسرار. ومن بعده من التابعين. وبه يقول الثوري، وابن المبارك، وأحمد، وأبو عبيد، واللوزاعي، وأهل الرأي. بل قال ابن شاهين: إنه قول عامة أهل السنة. إنه قول عامة أهل السنة. قال: وهم السواد الأعظم. وعن النخعي، إبراهيم، قال: ما أدركت أحدا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. وعنهم أيضا: أنه قال: الجهر بها بدعة. الجهر بها بدعة. وعن الحسن البصري رحمه الله تعالى: أنه قال: قراءة الأعراب، الجهر بسم الله الرحمن الرحيم. وروى أحمد، والنسائي، والترمذي، وحسنه، من حديث يزيد بن عبد الله بن مغفل، قال: سمعني أبي، وأنا أقول: بسم الله الرحمن الرحيم. فقال: أي بني، إياك والحدث. قد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم، ومع أبي بكر، ومع عمر، ومع عثمان، فلم أسمع أحدا منهم يقولها. فلا تقولها إذا أنت صليت. فقل: الحمد لله رب العالمين، إذا أنت صليت. وهو حديث حسن لغيره. وأما القصة، فثابتة. لأن يزيد بن عبد الله بن مغفل، روى عنه اثنان. وإن لم يوثقه معتبر، فقد حسن له الترمذي رحمه الله تعالى. وهو يروي قصة عن أبيه، قصة حصلت له عن أبيه. ومثل هذا مما يتمشى، مما يمشيه العلماء، رحمهم الله تعالى. ويقولون: أنه أدعى لضبط مثل هذه القصة. وكثير من العلماء يكرهون الجهر. وكثير من العلماء يجهرون، أو يكرهون الجهر، كما أنكره عبد الله بن مغفل، كما مر معنا. وكما أنكره من قال ذلك: قراءة الإعراب، كما مر معنا. ومن قاله: بدعة. ونص أحمد على كراهته. وروي عن طائفة: أنه يخير بين الجهر والإسرار. ولا يكره الجهر. وإن كان الإسرار أفضل. وحكي هذا القول عن ابن أبي ليلى، وإسحاق. ورجحه طائفة من أهل الحديث. هؤلاء يقولون: الأمر على التخيير. وأيهم أفضل؟ يقول: الأفضل الجهر. ومنهم من قال: الجهر أفضل. وقال طائفة: يجهر بها. وهو السنة. وهو قول الشافعي، وأصحابه، وأبي ثور. وروي عن الليث بن سعد. وقال ابن المنذر رحمه الله: وروينا عن عمر، وابن عباس: أنهما كانا يستفتحان ببسم الله الرحمن الرحيم. وقال ابن عبد البر: روي عن عمر، وعلي، وعمار بن ياسر: أنهم كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم. قال: والطرق ليست بالقوية. وذكر أيضا ابن عبد البر: جماعة ممن كان يجهر بها، منهم: مكحول، من التابعين. وعمارة بن عبد العزيز، الخليفة الراشد. ومحمد بن كعب القرظي. قال: وهو أحد قولي ابن وهب. إلا أنه رجح عنه إلى الإسرار بها. هذا القول، فيه: أن الشافعي رحمه الله تعالى، يقول به، أن السنة الجهر. واستدلوا رحمهم الله تعالى بأدلة. من هذه الأدلة: ما جاء في سنن أبي داود، وغيره، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: أنه جهر بسم الله الرحمن الرحيم، ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. إلا أن هذا الحديث، أعله بعض الحفاظ، بأن الصواف، في الوقت، على أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه. وأنه لا يصح مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وبعض العلماء يحسنه، أو يصححه، أخذا بظاهر الحديث. وهو حجة في هذا الباب. وذكر جماعة آخرون: أحاديث كثيرة في الباب، أي: في الجهر بقراءة بسم الله الرحمن الرحيم. ولا يخلو شيء منها مما قال. وقد ألف في هذه المسألة: جماعة من الحفاظ، رحمهم الله تعالى. ألفوا كتبا فيها. منهم: ابن خزيمة رحمه الله تعالى، ألف كتابا في هذه المسألة. وكذلك خطيب البغداد رحمه الله تعالى. وكذلك ابن عبد البر. فجماعة من الحفاظ، ألفوا كتبا في هذه المسألة الخاصة، في مسألة البسملة، والجهر بها، وعدم الجهر بها. فالحاصل: أنها ذكرت أحاديث في هذا الباب. منهم من يحتج بها. ومن احتج بها، قواها، وحكم بها. ومن لم يقوها، عمل بقول آخر. وما جاء في الصحيحين، من حديث أنس، ونحوه. وذهب طائفة إلى أنه لا يقرأ باسم الله الرحمن الرحيم، في الصلاة، سرا، ولا جهرا. واضح هذا، جماعة. هذا قول: لا يقرأ، لا سرا، ولا جهرا. القول الأول: يقرأ سرا. القول الثاني: يقرأ جهرا. القول الثالث: لا سرا، ولا جهرا. وهذا قول مالك، وأصحابه. إلا أنه رخص في السورة بعد الفاتحة، في قيام رمضان، خاصة. في السورة بعد الفاتحة. أم الفاتحة، فقال: لا يجهر بها. والراجح، والله أعلم، في هذه المسألة: أن الإسرار بها، هي السنة. وهو ما كان عليه نبينا صلى الله عليه وسلم، وخلفاؤه. وخير الهادي هديه صلى الله عليه وسلم. ولا بأس أن يجهر بها أحيانا، للمصلحة. كان يكون في بلد، إذا جهر بها، حصل من الفتن. وما شابه ذلك. ما يحصل. لا بأس أن يقرأ، أو يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، من باب جلب المصالح، ودرء المفاسد. والعمل بأعلى المصالحتين. فمن هذا الباب، لا بأس أن يجهر بها، إن احتاج إلى هذا. وإلا فإن الأصل: ألا يجهر بها. والسنة التي كانت عليها، التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، رضي الله عنهم وأرضاهم، من بعده: عدم الجهر. وإن احتاج، كما سمعنا، إلى الجهر، لأمر، أو لآخر، أو للتعليم. لأن بعض الناس قد يكون على فكر: أنه لا يجوز قراءة بسم الله الرحمن الرحيم. فمثل هؤلاء، لا بأس أن يقرأ الإمام، يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، من باب التعليم. وقد روي عن عمر، هذا المعنى. روي عن عمر رضي الله عنه وأرضاه: أنه جهر ببسم الله الرحمن الرحيم. قال العلماء رحمهم الله تعالى: إن ثبت عنه، فهذا يحمل على أنه فعله للتعليم. على أنه فعله للتعليم، أي: للتعليم: أن البسملة تقرأ. أو أن البسملة لا تقرأ في الفاتحة. والله أعلم. إلهنا سبحانك، اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.