شرح العقيدة الواسطية 65

الدرس في شرح العقيدة الواسطية 65، ألقاها

إثبات صفات الله عز وجل

يؤمن أهل السنة والجماعة بأن صفات الله حقيقية دون تكييف أو تمثيل، ويُثبتون صفة النزول كما يثبتون جميع الصفات الواردة في الكتاب والسنة. يُسلّمون بما جاء في النصوص الشرعية دون سؤال "كيف".

التحذير من البدع في فهم صفات الله

يناقش التحذير من سؤال "كيف" عن صفات الله ويعتبره بدعة، ويشدد على الإيمان بما أخبر به الرسول دون تأويل أو تشبيه. يُحذّر من التعطيل والتمثيل في فهم نصوص الكتاب والسنة.

صفات الله الفعلية وفرحه ورضاه

فرح الله ورضاه صفتان فعليتان حقيقيتان لله عز وجل، تدلان على كمال رحمته وإحسانه. يُحذّر من تفسيرات الأشاعرة التي تُعيد الصفات الفعلية إلى صفة الإرادة، مما يؤدي إلى نفي وتعطيل لفرح الله ورضاه.

نقد تفسيرات الأشاعرة لصفات الله

يفسر الأشاعرة صفات الله الفعلية مثل الرضا بإرادة الثواب، مما يؤدي إلى تعطيل المعنى الحقيقي لهذه الصفات. هذا التفسير يُعدّ ناتجًا عن سوء ظنهم بربهم وتشبيههم لله بالمخلوق.

التفريغ النصي الكامل

قال الشارح رحمه الله تعالى: فأهل السنة والجماعة يؤمنون بالنزول صفة حقيقية لله عز وجل على الكيفية التي يشاء، فيثبتون النزول كما يثبتون جميع الصفات التي ثبتت في الكتاب والسنة، ويقفون عند ذلك، فلا يكيفون ولا يمثلون ولا ينفون ولا يعطلون. ويقولون: إن الرسول أخبرنا أنه ينزل، ولكنه لم يخبرنا كيف ينزل. وقد علمنا أنه فعال لما يريد، وأنه على كل شيء قدير. ولهذا ترى خواص المؤمنين يتعرضون في هذا الوقت الجليل لألطاف ربهم ومواهبه، فيقومون لعبوديته خاضعين خاشعين داعين متضرعين، يرجون منه حصول مطالبهم التي وعدهم بها على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، منه وله. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ثم أما بعد، فكما ذكر الشارح رحمه الله تعالى أن أهل السنة والجماعة يؤمنون بالنزول، أي بصفة النزول صفة حقيقية. وقوله «حقيقية» إشارة إلى من قال: إننا نثبت لله عز وجل صفة النزول، ولكن النزول ها هنا صفة مجازية، ولا يقال: بأنها صفة حقيقية لله جل وعلا. ولكن أطلقها الله جل وعلا على نفسه من باب المجاز. وإلا فإن المراد بالنزول، والمراد بالنازل هو: منهم من يقول: بأنه جبريل، ومنهم من يقول: إن المراد الرحمة، ومنهم من يقول: إن المراد به الملك. وهكذا يطلقون عبارات، والمقصود أنهم يخرجون الألفاظ عن ظاهرها. ويقولون: إن طولة النبي صلى الله عليه وسلم «ينزل ربنا عز وجل إلى السماء الدنيا كل ليلة»، قالوا: ليس المراد به نزول رب حقيقة، وإنما هذا خرج مخرج المجاز. طيب يا جماعة، ما المانع من هذا النزول؟ قالوا: يلزم من هذا النزول لوازم باطلة. ما هي هذه اللوازم؟ قالوا: يلزم أن يكون إذا قلنا بأن الله جل وعلا ينزل إلى السماء الدنيا، يلزم أن تكون السماوات فوقه، وهو سبحانه وتعالى يكون محاطًا، يكون سبحانه وتعالى محاطًا بماذا؟ بالسماوات. وهذا معنى، ومعنى آخر قالوا: يلزم من ذلك أن يكون أن يشغل مكانًا ويفرغ ويستفرغ مكانًا آخر، وهو المعبّر عنه بأن يكون يلزم من نزول سبحانه وتعالى شغل حيز وإفراغ حيز آخر. وهذا كذلك لا يجوز في حق الله عز وجل. والجواب عن هذا أن هذا القول الذي قالوا به إنما نتج عن تصورهم لكيفية نزول الله جل وعلا، نتج عن كيفية نزول الرب جل وعلا. ثم هذه الكيفية نزلوها على المخلوق، نزلوها على المخلوق، فهم جعلوا لله عز وجل كيفية. كيفية لترك الصفة، والنزول المعلوم عندهم هو نزول ماذا؟ هو نزول مخلوق. قالوا: إذن لا يجوز في حق الله جل وعلا إثبات صفة النزول. لماذا؟ لما ذكر أنه يلزم منه الشغال حيز واستفراغ آخر، أو يلزم من ذلك أن تكون السماوات محيطة به، أن تكون السماوات محيطة به. وكلهم ممتنع في حق الله جل وعلا. فيقال لهم: أنكم أولًا مثلتم، والله جل وعلا يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. وثانيًا عطلتم، والله جل وعلا يقول: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. فإذا قيل لهم: هل تثبتون لله جل وعلا الذات؟ تثبتون لله عز وجل ذاتًا، تثبتون لله عز وجل وجودًا؟ الجواب ماذا؟ نعم. إن كان من أهل الإسلام، وإذا قال: لا، فليس بمسلم؛ لأنه ملحد. يكون في هذه الحالة واضح. جماعة نقول له: صف لنا هذه الذات. واضح جماعة كيف هذه الذات؟ فماذا سيكون الجواب؟ الله أعلم بذاته. واضح جماعة أم لا؟ طيب سؤال آخر يقال له: هل يلزم من إثبات الذات لله جل وعلا مماثلتها لذات المخلوق؟ الجواب ماذا؟ لا. لماذا يا جماعة؟ يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. طيب لماذا لا تقول في صفات الرب جل وعلا كقولك في صفات الذات؟ لماذا لا تقول في صفات الله جل وعلا كما تقول في الذات؟ أثبت لله عز وجل الصفات على الوجه اللائق بالله عز وجل، وأما كيفية الصفات فإني لا أعلم كيف هي، ولا يعلم إلا الله. واضح جماعة. لأن القول في الصفات كالقول في الذات يحذو حذوها تمامًا، لا فرق بينهما؛ لأن الصفات إنما هي صفات لماذا؟ لرب جل وعلا. الصفات هي عائدتان لمن؟ لله جل وعلا. ولما كانت صفات له سبحانه وتعالى، كانت لائقة به. كانت تلك الصفات لائقة بالله جل وعلا. وكذلك يقال في جميع الصفات، سواء كانت المعنوية أو كانت الخبرية، سواء كانت الذاتية أو كانت الفعلية. إذا ثبت في قلب الإنسان كما مر معنا الأصول الثلاثة التي عليها مبنى العقيدة، سلم الإنسان وارتاح. سلم الإنسان وارتاح. وهو أولًا: أن ينزه قلبه، وأن يطهر نفسه عن شائبة التعطيل، أو شائبة التنقص لله جل وعلا. ومن نقص الله جل وعلا: اعتقاد أن غير الله جل وعلا مماثل لله جل وعلا. إذا سلم القلب من هذا الأمر، نظر إلى النصوص بمنظار آخر، منظار منبثق من قول الله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. واضح جماعة. فإذا قرأ الآية أو سمع الحديث، أول ما يسمعه يقول: «ليس كمثله شيء»، ينظر ربنا عز وجل ليس كمثله شيء في ذلك النزول. ثم الأمر الثاني: أن يعتقد صحة الخبر، وأن يؤمن به. يعتقد صحة الخبر؛ لأنه قد أخبر به من الصادق المصدوق، وقد ثبت عنه. ويؤمن بمقتضى هذا الخبر. ينزل ربنا عز وجل، يقول الصادق المصدوق، وهو أعلم بربه جل وعلا. نقول: ينزل ربنا عز وجل. الأصل الثاني مبني على ماذا جماعة؟ إثبات مع تنزيه. واضح جماعة. نزهنا الله جل وعلا، طهرت قلوبنا، سمعنا الأخبار أو تلقينا الأخبار مبنية على ماذا؟ على التنزيه. ومن أعظم التنزيه للخالق سبحانه وتعالى: أن ننزهه عن مماثلته لغيره من المخلوقات. ثم ننتقل إلى الأصل الثالث: ما هو الأصل الثالث؟ أن نعتقد أن إثباتنا لهذه الصفات إثبات وجود، لا إثبات كيفيات. إثبات وجود، لا إثبات كيفيات. بمعنى أن لو قلنا: بأن الله جل وعلا ينزل، النزول معناه معلوم في اللغة أم لا؟ الجواب: نعم. هل نزول رب جل وعلا مماثل لنزول المخلوق؟ الجواب نقول ماذا؟ لا. لماذا لا؟ كما ذكرنا: أن نقول: إن ذات الخالق سبحانه وتعالى ليست كذوات المخلوقين، فكذلك نزول الخالق سبحانه وتعالى ليس كنزول المخلوقين. لماذا؟ لأن القول في الصفات كالقول في ماذا يا جماعة؟ كالقول في الذات، لا فرق. ثم ننتقل إلى الأصل الثالث، وهو ماذا؟ صيانة هذا المثبت عن إثبات كيفية معينة. واضح جماعة. إذا قال لنا إنسان: تثبتون لله جل وعلا صفة النزول؟ الجواب: نعم. نقول كما قال أصدق الخلق: «ينزل ربنا جل وعلا أو عز وجل إلى السماء الدنيا كل ليلة». نعتقد خبر، نعتقد هذا خبر حق، وكأننا نرى هذا الخبر عيانًا. إذا قال لنا: كيف ينزل؟ فما هو الجواب؟ السؤال بكيف عن الصفات من البدع المحدثة. لماذا؟ لأنك تسأل عن شيء غيبي، وهذا الشيء الغيبي ما عندنا علم به. ما عندنا علم به؛ لأنه من علم الغيب، بل قد حجبه الله جل وعلا عن خلقه. وطلب ما حجب عنه هذا من الأمور الممنوع شرعًا، ومن السفه عقلًا. واضح جماعة. سفه من سفه العقل أن يطلب إنسان شيئًا قد حجبه الله عز وجل عنه، يضيع عمره وزمنه في البحث عن شيء، وكلما وصل إلى شيء لم يصل إلى حقيقة. لماذا؟ لأن الله عز وجل قد حجبهم عن ذلك الأمر. واضح يا جماعة. لا، إذن لو طبقنا هذه الأمور الثلاثة على كل نص لسلمنا من هذه الإشكالات، وهذه الإزعاجات التي يثيرها أهل الأهواء في هذه الأبواب. تنزه الله عز وجل عن كل نقص وعيب، ومنها المماثلة لغيره من المخلوقين. الثاني: الإيمان بكل ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم على الوجه اللائق بالله. الأمر الثالث: صيانة تلك الإخبارات عن إثبات كيفية معينة من تلقاء أنفسنا. انتهينا. واضح للجماعة. فإذا علم هذا، كان في هذا الأمر تقرير لمذهب أهل السنة والجماعة، وكان فيه رد على المخالفين. وكان فيه رد على المخالفين على أهل السنة والجماعة في هذا الباب، الذين يعطلون هذه الصفات بعد أن ماذا؟ بعد أن يكيفون ويمثلون؛ لأن كل معطل ممثل. ما عطل من عطل إلا بعد ماذا؟ بعد أن مثل. نظر إلى النصوص، إلى نصوص الكتاب والسنة بنظر ماذا؟ بنظر التشبيه. بنظر التشبيه، لم ينظر إليها بنظر التنزيه، بل نظر إليها بنظر التشبيه. ثم رام يمينًا وشمالًا يصرفها؛ لأجل أن ينزه الله. أولًا نظر إليها بنظرة متنجسة بالتمثيل، ثم ذهب ليصرفها عن حقيقتها وظاهرها إلى معنى آخر، بحجة ماذا؟ بحجة أنه ينزه الله جل وعلا عما لا يليق به. سبحان الله، قل: أأنتم أعلم أم الله؟ الله جل وعلا يخبر، وخبره حق وصدق. وهؤلاء يقولون: إن ظاهر خبره سبحانه وتعالى ليس بحق ولا بصدق، بل يحتاج إلى تأويل. وبماذا نؤوله؟ بعقولنا؟ أي عقل نتحاكم إليه؟ هل هو عقل الجهم أو المعتزلة أو الأشعر أو ما تريده أو إلى غيره؟ كل واحد له عقل يحكم على النصوص الشرعية، يحكم على كتاب الله جل وعلا وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم بما يناسب عقله، بما يناسب ماذا؟ عقله. وهذا من العبث في كتاب الله عز وجل، وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ومن عدم التسليم التام لكتاب الله جل وعلا وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وإلا لو اعتقد الإنسان أن هذا النزول حقيقي لله جل وعلا، ويقول: «ينزل ربنا عز وجل»، ليس كمثله شيء، نجعله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء، انتهى وسلم، دون أن يتصور كيفية معينة لهذا النزول. هل يلزم من ذلك أن تكون السماوات محيطة به أو أو هذا؟ هذا إنسان لو عظم الله جل وعلا حق تعظيمه، وقدر الله عز وجل حق تقديره، لما وقع في قلبي هذا الأمر أبدًا. كيف يقع في نفسي هذا الأمر؟ والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾. الأرض والسماوات مطوية بيمينه، فكيف بعد هذا يقال: إنه يلزم من ذلك أن تكون محيطة به، أو إلى غير ذلك من الكلام الفارغ؟ السماوات والأرض كما جاء في الصحيحين: أن الله عز وجل يوم القيامة يقبضها، ثم يهزها، ويقول: «أنا الملك، أنا الملك، أين الملوك؟ أين الملوك؟» لا شيء. السماوات والأرض لا شيء. إذا كان الكرسي بالنسبة للعرش كما جاء في الآثار: كحلقة ملقاة في أرض، فلا تخيل يا أيها الإنسان حلقة صغيرة ملقاة، بل لو كانت كبيرة ملقاة في ماذا؟ في أرض، فلا. هل ترى منها شيء؟ لا ترى منها شيء أبدًا. فكيف وقد قال الله عز وجل في حق الكرسي: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾. الكرسي وسع السماوات والأرض، إذن ما السماوات والأرض بالنسبة للعرش؟ هل يشبه شيء يا جماعة؟ لا شيء. فكيف بعد هذا يقول إنسان: يلزم ويلزم ويلزم ويلزم من هذه اللوازم الباطلة؟ ولكن القوم لم يعرفوا ربهم، ولم يقدروه حق تقديره. ولو قدروه حق تقديره، وعظموه حق تعظيمه، لما قالوا هذا، ولسلموا للنصوص، ولوقفوا عند النصوص، ولما تجاوزوا النصوص أبدًا. بل بقوا حيث وقفت النصوص، وقفوا. وحيث دلت النصوص قالوا. وحيث سكتت النصوص سكتوا. ولكن القوم كما سمعتم قد تلوثت قلوبهم وفطرهم بلوثة التشبيه أولًا. فكل فرقة تنظر إلى النصوص الشرعية بهذا المنظار، بمنظار التشبيه. وأن ظاهر القرآن والسنة التشبيه والكفر. ثم من يغلوا فيها التشبيه فيقولوا: لا نفهم من كتاب الله جل وعلا إلا ما دل علينا، فوقعوا في التشبيه المحض. كما هو حال المشبهة. ومنهم من ذهب إلى التعطيل، ثم هم في التعطيل طوائف. منهم المعطل المحض كغلاة الجهمية ونحوهم. ومنهم دون ذلك. ومنهم دون ذلك. وهكذا يفعل الشيطان بأوليائه، يسحبهم يومًا فيومًا من شر إلى شر، ومن فرية إلى أخرى، ومن بعد عن الله عز وجل إلى بعد. والعياذ بالله. نسأل الله عز وجل أن يسلم قلوبنا، وأن يطهرها من لوثة التعطيل والتمثيل في حق نصوص الكتاب والسنة، وفي غيرها. قال شيخ الإسلام رحمه الله: وقوله صلى الله عليه وسلم: «لله أشد فرحًا بتوبة عبده المؤمن التائب من أحدكم براحلته...» الحديث متفق عليه. وقوله: «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة» متفق عليه. قال الشارح رحمه الله: قوله «لله أشد فرحًا» إلى آخر تتمة هذا الحديث. قوله «لله أشد فرحًا» إلى آخر تتمة هذا الحديث، كما في البخاري وغيره: «لله أشد فرحًا بتوبة عبده المؤمن من رجل بأرض فلاة دوية مهلكة، ومعه راحلته، وعليها طعامه وشرابه، فنزل عنها فنام، وراحلته عند رأسه، فاستيقظ وقد ذهبت، فذهب في طلبها، فلم يقدر عليها حتى دركه الموت من العطش، فقال: والله لأرجعن، فلأموتن حيث كان رحلي. فرجع فنام، فاستيقظ، فإذا راحلته عند رأسه. فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. أخطأ من شدة الفرح». وفي هذا الحديث إثبات صفة الفرح لله عز وجل. والكلام فيه كالكلام في غيره من الصفات: أنه صفة حقيقية لله عز وجل على ما يليق به. وهو من صفات الفعل المتابعة لمشيئته تعالى وقدره. وهو من صفات الفعل التابعة لمشيئته تعالى وقدرته، فيحدث له هذا المعنى المعبر عنه بالفرح عندما يحدث عبده التوبة والإنابة إليه. وهو مستلزم لرضاه عن عبده التائب، وقبوله توبته. وإذا كان الفرح في المخلوق على أنواع، فقد يكون فرح خفة وسرور وطرب، وقد يكون فرح أشر وبطر. فالله عز وجل منزه عن ذلك كله. ففرحه لا يشبه فرح أحد من خلقه، لا في ذاته، ولا في أسبابه، ولا في غاياته. فسببه كمال رحمته وإحسانه التي يحب من عباده أن يتعرضوا لها. وغايته إتمام نعمته على التائبين المنيبين. طيب طوله رحمه الله تعالى تتمة هذا الحديث؛ ليبين معنى هذا الحديث، وعظيم هذا الحديث، أي عظيم فرح الله جل وعلا بتوبة العبد. فذكر من هذا الحديث يقول: «الله أشد فرحًا بتوبة عبده المؤمن من رجل بأرض فلاة» أي فاضية، فراغ ما فيها أحد. قال: «دوية» أي بعيدة. وكذلك فيها نوع فيها معنى الخوف إذا قال بعد ذلك: «مهلكة». قال: «ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه» عليها طعامه وشرابه. «فنزل عنها فنام، وراحلته عند رأسه، فاستيقظ وقد ذهبت، فذهب في طلبها، فلم يقدر عليها حتى أدركه الموت من العطش. فقال: والله لأرجعن فلأموتن حيث كان رحلي. حيث كان رحلي. فرجع فنام، ينتظر ماذا؟ ينتظر الموت. رجع بعد أن تعب وبحث عن ناقته أو عن راحلته يمينًا وشمالًا حتى يأس منها، وحتى أدركه التعب والإرهاق. قال: سأرجع إلى راحلتي إلى مكاني، وأنام حتى يدركني الموت. أنا في مكاني يقول: فاستيقظ، فإذا راحلته عند رأسه. ماذا قال الرجل من شدة الفرح؟ فقال: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك. أخطأ من شدة الفرح». أي من شدة الفرح ما أدر ما يقول، ما علم ما يقول. وفي بعض الألفاظ: أنه قال: فأخذ بزمامها. أي كأنه لما تحقق أنها في يده، قال ماذا؟ «اللهم أنت عبدي وأنا ربك». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أخطأ من شدة الفرح». أخطأ من شدة الفرح. فإذا كان هذا الرجل أخطأ من فرحه الشديد، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لله أشد فرحًا بتوبة العبد من هذا الرجل». «لله جل وعلا أشد فرحًا بتوبة العبد من هذا الرجل». ففي الحديث إشارة إلى ماذا؟ إلى أن التوبة محبوبة إلى الله جل وعلا. أن التوبة محبوبة إلى الله جل وعلا. وأن العبد إذا تاب إلى الله جل وعلا، كان الله جل وعلا أشد فرحًا بتوبة منه بها. كان الله جل وعلا أشد فرحًا بتوبة ذلك التائب منه بطلب التوبة. وذلك من واسع فضل الله عز وجل، وعظيم شكره لمن شكره سبحانه وتعالى. لذا قال رحمه الله تعالى بعد ذلك: وفي هذا الحديث إثبات صفة الفرح لله عز وجل. قال: والكلام فيه كالكلام في غيره من الصفات: أنه صفة حقيقية لله عز وجل على ما يليق به. وقول حقيقية إشارة إلى من قال: بأنها مجازية. وسيأتي الإشارة أو التصريح بذلك. قال رحمه الله تعالى: ومن صفات الفعل التابعة لمشيئته تعالى وقدرته؛ بمعنى أن هذه الصفة، صفة الفرح من صفات الله جل وعلا الفعلية. لماذا؟ لأنها متعلقة بمشيئة الله وقدرته. قال: فيحدث له هذا المعنى المعبر عنه بالفرح؛ أي أنه يحصل له الفرح، ويحدث له الفرح عندما يحدث عبده التوبة والإنابة إليه. فيكون هذا سبب لفرح الله جل وعلا. هذا المعنى، أي توبة العبد وإنابته إلى الله جل وعلا سبب لفرح الله جل وعلا. قالوا: هو مستلزم لرضاه عن عبده التائب، وقبوله توبته. وهذا واضح؛ لأن الله جل وعلا إنما فرحه يكون عن حكمة ورحمة، عن حكمة ورحمة. قال: وإذا كان الفرح في المخلوق على أنواع، فقد يكون فرح خفة وسرور وطرب، وقد يكون فرح أشر وبطر. فالله عز وجل منزه عن ذلك كله. بمعنى أن كلام المخلوق لو كان مصحوبًا بهذه المعاني التي فيها معاني النقص، الذي فيها معاني النقص، فالله جل وعلا منزه عن هذا كله. وهذا فيه رد على من نفى صفة الضحك على الله جل وعلا؛ بسبب أن الضحك يلزم منه خفة، ويلزم منه نوع طرب، ويلزم منه نوع نقص. قالوا: وهذا في حق الله عز وجل ماذا؟ لا يجوز. وهذا في حق الله عز وجل لا يجوز. إذن وجب أن ننزه الله جل وعلا عن إثبات هذه الصفة. فذهبوا إلى تعطيل هذه الصفة. وهذا من الباطل. وهذا من التمثيل لصفات الله جل وعلا التمثيل لها أولًا، والتعطيل لها ثانيًا. قال رحمه الله تعالى: ففرحه لا يشبه فرح أحد من خلقه، لا في ذات الفرح. ففرح الله جل وعلا لائق به، ناتج عن حكمة ورحمة ورحمة. بخلاف فرح المخلوق، فإنه لا يلزم منه ذلك أبدًا. قال: ولا في أسبابه، ولا في غاياته. ولا في أسبابه. أسباب فرح الله عز وجل أسباب عظيمة جليلة. منها ما جاء في هذا الحديث: أن الله جل وعلا يفرح بماذا؟ بتوبة العبد إذا رجع إليه، وإذا أناب إليه. هل هذا المعنى يحصل في مخلوق؟ إن حصل، هل يحصل دائمًا وأبدًا؟ ليحصلوا لمعاني عظيمة كالمعاني التي لأجلها ربنا عز وجل فرح فرح. الجواب: أنه لا يكون. لا يكون. لذا قال: لا في ذاته، ولا في أسبابه، ولا في غاياته؛ لأن غاياته ماذا؟ غاياته المحبة والرضا والعفو عن ذلك العبد الذي قد أتى وفعل من الأفعال والذنوب والمعاصي ما فعل. بمرجرد أن يتوب إلى الله عز وجل، ويصدق في التوبة، فإن الله جل وعلا يبدل سيئاته حسنات. إذا صدق وعمل صالحًا ورجع إلى ربه جل وعلا، تقبل الله توبته، وفرح بتوبته، وأبدله بسيئاته ماذا؟ حسنات. هل هذا يكون في فرح مخلوق؟ لا. ولا يكون أبدًا. قال: فسببه كمال رحمته وإحسانه التي يحب من عباده أن يتعرضوا لها. قال: وغاية إتمام نعمته على التائبين المنيبين. ومن إتمام نعمته: أن يتفضل عليهم بغفران الذنوب. ومن رحمته: أن يتفضل عليهم بإبدال سيئاتهم حسنات. ومن رحمته سبحانه وتعالى: أن يرفع درجاتهم. ومن حسناته، ومن إحسانه سبحانه وتعالى كذلك: أن يجعلهم من المقبولين عنده، وأن يجعلهم من الصالحين، وأن يجعلهم من المتقين. إلى غير ذلك من المعاني التي تكون مصحوبة بالتوبة الصادقة التي إذا تاب الإنسان إلى ربه جل وعلا توبة نصوحًا، وجد ثمار تلك التوبة على قلبه، وعلى مظهره ومآله بإذن الله جل وعلا. قال رحمه الله: وأما تفسير الفرح بلازمه وهو الرضا، وتفسير الرضا بإرادة الثواب. فكل ذلك نفي وتعطيل لفرحه ورضاه سبحانه. أوجبه سوء ظن هؤلاء المعطلة بربهم؛ حيث توهموا أن هذه المعاني تكون فيه كما هي في المخلوق. تعالى الله عن تشبيههم وتعطيلهم. قوله رحمه الله: وأما تفسير الفرح بلازمه وهو الرضا، وتفسير الرضا بإرادة الثواب. فكل ذلك نفي وتعطيل كما تقدم معنا. كل ذلك نفي وتعطيل. ما هو السبب؟ التمثيل أولًا. التمثيل أولًا؛ لأنهم قالوا: لا نفهم من فرح المخلوق، من فرح الخالق إلا ما هو في ماذا؟ في فرح المخلوق. فمثلوا أولًا، وعطلوا ثانيًا. فالشيخ يقول: أما تفسير فرح بلازمه. يقول: إن هذا الفرح في حق الله عز وجل مجاز، وليس بحقيقة. وإنما المراد به ماذا؟ الرضا. معلوم أن من لازم فرح الله عز وجل بتوبة العبد: أنه ماذا؟ أنه رضي الله عز وجل عنه، وأنه تقبل عنه تلك التوبة، وأنه غفر له ذنبًا إلى غير ذلك من المعاني. فهم يفسرون الفرح بالرضا. وهل يثبتون لله عز وجل صفة الرضا؟ هل يثبت هؤلاء الأشاعر ونحوهم لله عز وجل صفة الرضا؟ الجواب: لا. ولكن قالوا: وتفسير الرضا بإرادة الثواب. فهم يفسرون الرضا بماذا؟ بإرادة الثواب. إذن أرادوا أو رجعوا، أرجعوا الصفات الفعلية كلها إلى ماذا؟ إلى صفة ماذا جماعة؟ الأشاعر يرجعون الصفات الفعلية إلى صفة ماذا؟ إلى صفة الإرادة. إلى صفة الإرادة. المحبة يقول: إرادة الثواب. الرضا يقول: إرادة الثواب. الغضب يقول: إرادة الانتقام. السخط يقول: إرادة الانتقام. وهكذا يعيدون إلى صفة ماذا؟ الإرادة. قال: فكل ذلك نفي وتعطيل لفرحه ورضاه سبحانه. أوجبه سوء ظن هؤلاء المعطلين بربهم؛ حيث توهموا أن هذه المعاني تكون فيه كما هي في المخلوق. تعالى الله عن تشبيههم. إذن نتج هذا عن تشبيه أولًا، وعن تعطيل ثانيًا. إلهنا سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت. اشتركوا في القناة.

شاركنا على