مختارات من الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة 12

مختارات من الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة 12

الدرس في مختارات من الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة 12، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تعريف الكبر وعلاجه القرآني

يشرح المقطع أن الكبر هو أشر أمراض القلوب ويعرّفه النبي ﷺ بأنه رد الحق واحتقار الناس، مستدلاً بآيات تذكر أصل الإنسان من نطفة مذرة لتوضيح بطلان التكبر. ويبين أن القرآن يعالج هذا الداء ببيان حقيقة الإنسان ودعوة إلى التواضع.

خطر الكبر وفضيلة التواضع وعبودية الله

يوضح المقطع أن الكبر خيال باطل يجعل الإنسان يرى نفسه أرفع من الناس مع تساويهم في الأصل والمصير، وأن التواضع بقبول الحق ودخول رق العبودية لله هو غاية الشرف. ويحذر من عواقب الكبر المتمثلة في حرمان محبة الله وسقوط العبد في أخس المواضع.

خطر الكبر وفضيلة التواضع في القرآن والسنة

يبيّن المقطع أن الكبر يورث بغض الله والناس ويؤدي إلى النار، بينما التواضع يرفع العبد عند الله ويقربه من الرحمة والجنة، مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية وسير الأنبياء. ويشير إلى أن القرآن عالج هذا الداء بالترغيب والترهيب.

خاتمة المقطع

يعلن المتحدث انتهاء الشرح ويكتفي بما تم ذكره، مستعيناً بالله تعالى. ويختتم الدرس بدعاء بالتوفيق والقبول.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فلا يزال المؤلف الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي رحمه الله يذكر لنا أمثلة من أمراض وأدواء وأسقام القلوب، ويبين لنا كيف عالجها القرآن، وأن القرآن شفاء لجميع أمراض القلوب والأبدان. قال: ومن ذلك داء الكبر الذي هو أشر الأدواء وأخسها وأسقطها، وهو رد الحق واحتقار الخلق والتعاظم عليهم. والتعاظم عليهم، والكبر كما ذكر المؤلف رحمه الله هو أشر الأدواء أي الأمراض وأخسها وأسقطها، فصاحبها يظن نفسه أنه من أعلى ومن أرفع الخلق، يرى ذلك في نفسه، وفي الحقيقة بكبره هذا أصبح من أخس وأسقط الخلق. ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله». فكما أن الرفعة تكون بالتواضع، فالسقوط يكون بالكبر والعياذ بالله. وأما قوله: وهو رد الحق واحتقار الخلق والتعاظم عليهم، هذا هو التفسير النبوي لمعنى الكبر، أو التعريف النبوي لمعنى الكبر، لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر». فقال رجل: يا رسول الله، إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعلوه حسناً. فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الكبر هو بطر الحق وغمط الناس». بطر الحق أي رد الحق، يكون الحق واضحاً بيّناً جلياً بأدلة لا غبار عليها، ومع هذا يرد الحق تعاظماً وتكبراً. وقوله: وغمط الناس، أي احتقار الناس، يزدريهم ويسخر منهم ويحتقرهم. فهذا هو التعريف النبوي للكبر. ليس معنى الكبر أن يظهر العبد نعمة الله عز وجل عليه من الثوب الحسن، أو من النعل الحسن، أو من الهيئة الحسنة، فإن الله عز وجل يحب أن يرى أثر نعمته على عبده. قال: وأخبر في عدة آيات أن هذا ليس من صفات الأزكياء ولا الأخيار من العباد، وأنه من صفات الجبابرة الذين لم يعرفوا ربهم ولم يعرفوا حقيقة أنفسهم. فمما عالج به القرآن هذا الخلق، بيّن أن الكبر من صفات الجبابرة الظلمة، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قَلْبِ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾، ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾، فقرن التكبر بالتجبر ونحو ذلك. وقوله: الذين لم يعرفوا ربهم، لم يعرفوا ربهم لأنهم ردوا الحق الذي أمر به ربهم سبحانه وتعالى على لسان رسله، فهؤلاء في الحقيقة لم يعرفوا ربهم، وأن الذي أمرهم بذلك الجبار المتكبر سبحانه وتعالى. ولم يعرفوا حقيقة أنفسهم، لأن المتكبر لو بحث عن أصله وعن حقيقته لعلم أنه لا يسوى شيئاً، أنه لا يسوى شيئاً. ولذلك قال أحد السلف: كيف يتكبر من أوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وهو ما بينهما يحمل في بطنه العذرة؟ هذه حقيقة الإنسان: أوله نطفة مذرة، نطفة يستقذرها الناس، وكما قال الله عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾، يخاصم ويجادل ويعاند ويرد الحق. وكما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، من نطفة، نطفة من الرجل ونطفة من المرأة تختلط فيتكون هذا الإنسان الذي يتعاظم ويتكبر ويرد الحق ويحتقر الخلق. ارجع إلى أصلك أيها الإنسان، فلِمَ التكبر؟ وكما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾، صلب الرجل وترائب المرأة. هذه هي حقيقة هذا الإنسان، هذا المتكبر المتعاظم. لو حبس عنه أعزكم الله البول أو الغائط، لتمنى الموت، تمنى الموت، ذهب ما به من كبر ومن غطرسة ومن تعاظم في نفسه. ففي الحقيقة هذا المتكبر كما ذكر المؤلف لم يعرف حقيقة نفسه، لم يعرف حقيقة نفسه، وقبل ذلك لم يعرف ربه، لم يعرف ربه لأن العظمة والكبرياء لله سبحانه وتعالى وحده، فهو الكبير المتعال سبحانه وتعالى. فكيف يأخذ هذا العبد من صفات الله عز وجل التي اختص بها سبحانه وتعالى؟ فمن نازع الله عز وجل في هاتين الصفتين: الكبرياء والعظمة، فإن الله سبحانه وتعالى خصيمه. نعم. قال: وأن قلوبهم امتلأت من هذا الخيال الباطل، أي هذا المتكبر قد امتلأ قلبه بالخيال، لأنه يرى نفسه شيئاً وهو ليس بشيء، فهو يعيش في خيال. يعيش هذا المتكبر في خيال، فيرى نفسه أنه أرفع من الناس، وهو مثل الناس، ما في فرق بينه وبينهم، هو من أب وأم وهؤلاء من أب وأم، هو من نطفة وهؤلاء من نطفة، هو يتغوط مثل ما يتغوط الناس ويبول مثل ما يبول الناس، يعتريه من مصائب وآلام هذه الدنيا مثل ما يعتري غيره من الناس، فهو في الحقيقة يعيش في خيال باطل. لما الإنسان يرى نفسه أرفع من الناس ويرى نفسه لا أحد يدانيه ولا يساويه فهو في الحقيقة يعيش في خيال باطل. فهذا هو تعبير المؤلف رحمه الله. قال: وهو التعاظم على الحق الذي يجب على جميع الخلق الدخول تحته، ما أمر الله عز وجل به، جميع الخلق مأمورون بأخذه، وبكذلك الوقوف عند حدود الله سبحانه وتعالى. فمن الذي جعل هذا العبد يترك هذا الحق ويرد هذا الحق؟ إنه الكبر، إنه الكبر والتعاظم. فيجب على جميع الخلق الدخول تحت رقه، أي رق قبول الحق، وهو غاية شرفهم. فشرف المؤمن دخوله في عبودية الله سبحانه وتعالى. فهذا نبي الله صلى الله عليه وسلم إمام المتواضعين عليه الصلاة والسلام، وصفه الله عز وجل بوصف العبودية في أعلى المقامات: مقام الرسالة، ومقام كذلك مقام الإسراء والمعراج: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾، وقال سبحانه: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾. شرف للمؤمن أن يكون تحت رق العبودية لله سبحانه وتعالى، وهذا هو التواضع أن يقبل المسلم الحق. أما إذا رده مع وضوحه ومع بيانه فهذا هو الكبر بعينه. فبعض الناس حالهم كحال المثل المعروف الدارج: عنزة وإن طارت. تبين له الحق بدلائله وبراهينه، ومع هذا يرد الحق، لا لشيء إلا لشيء في قلبه من الكبر والعياذ بالله. قال: وهو التعاظم على الحق الذي يجب على جميع الخلق الدخول تحت رقه، يعني رق العبودية وقبول الحق، وهو غاية شرفهم. فعبودية الله والافتقار له والخضوع له أكمل خلعة، أكمل خلعة خلعت على العبد. ومعنى خلعة يعني أعظم ما يلبس العبد من اللباس هو لباس الطاعة والعبودية لله سبحانه وتعالى. نعم. قال: أكمل خلعة خلعت على العبد وأفضل عطية يعطاها. فالمتكبر خلع هذه الخلعة العالية، خلعة التواضع وخلعة الإيمان. فالمتكبر، فالمتكبر خلع هذه الخلعة العظيمة وهي خلعة التواضع والإيمان، قال: واستبدل بها الخلعة الخسيسة وهي خلعة الكبر والعياذ بالله. قال: الكبر الذي هو خيال لا يبلغه العبد بالكلية، يريد الكمال، يريد الترفع على الخلق، فإذا به يكون أسفل الناس وأخس الناس بسبب تكبره. قال: ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾، ما يبلغون مرادهم من العلو على الناس ومن التكبر عليهم، لأن الله عز وجل جعل الرفعة لمن تواضع له بقبول الحق وبالتواضع للخلق. نعم، فالله عز وجل يقول: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾. فاستعذ بالله، استعذ بالله من هذه الخصلة الذميمة، إنه هو السميع البصير. لا شك أن هذا من أعظم المعالجات لهذا الداء العضال. قال: وكذلك الكبر على الخلق واحتقارهم وازدراؤهم لا ريب أنه أشر الأخلاق، كما قال صلى الله عليه وسلم: «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم». يعني يكفي المسلم من الشر الكثير أن يحتقر إخوانه المسلمين، وأن يتكبر عليهم، وأن يزدريهم، وأن يسخر منهم، هذا يكفيه من الشر ومن الإثم. فهو كما ذكر المؤلف من أشر الأخلاق، الكبر من أشر الأخلاق. قال: ولو علم المسكين ماذا فاته من الخير وماذا حصل له من الشر والمقت، لناح على نفسه وندبها، يعني بكى على نفسه. هذا المتكبر لو يعلم ما يفوته من الخير، من الرفعة، من محبة الله عز وجل، من الجنة، من رحمة الله عز وجل، لبكى على نفسه وندبها. وكذلك ماذا يحصل له من الشر، من الضعة، ومن المقت، ومن غضب الله عز وجل عليه، لا ترك هذا الداء. قال: وعَلِمَ أنه وضعها، أي وضع نفسه في أسقط المواضع، أدنى المواضع، وعرضها للعقوبات المتنوعة. حذرهم من هذا الخلق الرذيل بأنه لا يحب المستكبرين، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾. المستكبر لا يحبه الله، بل يبغضه الله سبحانه وتعالى، فلا شك أن المؤمن عندما يقرأ مثل هذه الآيات يحب أن يحبه الله، فيتجنب هذه الخصلة، بل يمقتهم أشد المقت، يعني يبغضهم أشد البغض، ويقع عليهم اللعن منه ومن عباده، لأن العباد لا يحبون من يتكبر عليهم. المتكبر يكون مبغوضاً بين الخلق، الذي لا يحترم الناس ولا يقدرهم، ويترفع إما بماله أو بعلمه أو بجاهه أو بنسبه أو بحسبه أو بجماله، الناس يكرهونه، يقولون: هذا متكبر، هذا متكبر، لا يحبونه ولا يجلسون معه، ولا ربما يحبون اللقاء به، نعم، اللقاء به لتكبره. فهو مبغوض عند الله، وكذلك مبغوض عند عباد الله، مبغوض عند عباد الله عز وجل. قال: ويوقع عليهم اللعن منه ومن عباده، وأن النار مثوى المتكبرين، كما قال الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾، ثم قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، يعذبهم عذاباً أليماً والعياذ بالله. فالنار مثوى المتكبرين. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة، لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر». والمراد بدخول الجنة: إن كان عنده أصل الإيمان، أي الدخول الأولي، لا يدخل دخولاً أولياً الجنة، بل يعذب في النار، ثم إن كان من أهل الإيمان والتوحيد يدخل إلى الجنة. قال: وأن من تكبر أهانه الله وخذله، لأن الله عز وجل يضع المتكبرين ويرفع المتواضعين، فما تواضع أحد لله إلا رفعه الله، وما تكبر أحد إلا وضعه الله وخذله وأهانه. لا شك أن مثل هذه الآيات تؤثر في المؤمن عندما يمر عليها في القرآن. قال: ومن تواضع أكرمه ورفعه، وبما في خلق التواضع من الخير والبشارة والثواب العاجل والآجل، وأن المتواضع قريب من الله لأنه محسن، والله قريب من المحسنين، ولأنه كذلك يحب إخوانه المؤمنين فيحبه الله سبحانه وتعالى. قال: قريب من الناس، قريب من الرحمة، إن رحمة الله قريب من المحسنين، قريب من الجنة. ولذلك قال: فأما الذين... بعد ما ذكر آية الكبر، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾، فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم. نعم، فأهل التواضع هم أهل الرحمة وهم أهل الجنة. قال: قريب من الرحمة، قريب من الجنة، بعيد من النار. قال: والمتكبر بضده. فما زال الله يشرح لهم عن هذا الخلق، أي في القرآن، ويصوره بأشنع صوره. ومن ذلك قول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. فالمستكبر عن عبادة الله، وعن قبول الحق، وعن التواضع للخلق، موعود بنار جهنم والعياذ بالله. فأي صورة أبشع من هذا الوصف؟ قال: ويصوره بأشنع صورة، ويذكر آثاره القبيحة، حتى اقتلعه من قلوب المؤمنين واستبدلوا به خلق التواضع الجميل، خلق الأنبياء والأصفياء والأولياء. فقد بيّن ربنا عز وجل أن خلق التواضع هو خلق الأنبياء. انظر إلى قصص الأنبياء، كيف أن النبي يخاطب قومه وهو مصطفى من الله عز وجل، يخاطب قومه بخطاب لين، برفق ولين: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، ويذكرونهم، وينزلون في منازلهم، ويجلسون معهم، حتى قال المشركون: ﴿مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾. انظروا إلى سيرة النبي عليه الصلاة والسلام وإلى تواضعه، كيف كان يردف خلفه أصحابه، بل يردف الصغير خلفه تواضعاً، ويركب الدابة عليه الصلاة والسلام، كان في خدمة أهله في بيته، كان يخيط ثوبه ويخصف نعله عليه الصلاة والسلام. لربما أتته الجارية، البنت الصغيرة، فتأخذ بيده عليه الصلاة والسلام فتذهب به حيث شاءت، تذهب به حيث شاءت. ربما أحدنا لو جاء طفل وأخذ بيده، يرمي بهذا الطفل وينهر هذا الطفل. انظروا إلى تواضع النبي عليه الصلاة والسلام. هذه هي أخلاق الأنبياء، وهذه أخلاق الأصفياء، وهذه أخلاق الأولياء. أما الكبر فهو من صفات الجبابرة، ومن صفات أعداء الرسل، ومن صفات المنافقين الذين قالوا كما في القرآن: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزَّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾، كبراً، قالها رأس المنافقين عبد الله بن أبي سلول. نعم، كبر وغطرسة وتعاظم في نفسه. أما المؤمنون فإنهم أهل التواضع وأهل كذلك الأخلاق الفاضلة. فالقرآن مليء، مليء القرآن بمعالجة هذا المرض، إما بالترغيب فيه بذكر صفات أهل التواضع وما لهم عند الله عز وجل، وإما بالترهيب بذكر عقوبات أهل الكبر المتنوعة، وما أعد الله عز وجل لهم يوم القيامة من العذاب الأليم. فهذا أيضاً شيء من الاستشفاء بالقرآن من هذا الداء العضال، وهو داء الكبر. وفي الدرس القادم إن شاء الله ذكر أيضاً داء آخر عالجه القرآن، وهو داء الحسد، عاذنا الله وإياكم من ذلك. فإن شاء الله موعدنا في الدرس القادم نقرأ ما ذكره المؤلف وما أشار إليه من معالجة القرآن لهذا الداء. نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم.