الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 92، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع صور إتيان الكاهن والعراف كالمجالسة والاتصال الهاتفي وإرسال الوسيط ومشاهدة قنواتهم وشراء مجلات الأبراج، مبيناً أن الحكم واحد في الجميع. فمن سأل بلا تصديق لم تُقبل صلاته أربعين يوماً، ومن صدقهم فقد كفر بما أنزل على محمد، وتعني عدم قبول الصلاة إسقاط ثواب جميع الصلوات المفروضة والنوافل خلال تلك المدة.
يبيّن المقطع أن إتيان الكاهن أو العراف أو المنجم وتصديقهم في دعوى علم الغيب يُعد كفراً بما أنزل على النبي ﷺ، لأن علم الغيب مختص بالله وحده. ويفرق بين من صدقهم عالماً بالتحريم فيكون كفراً أكبر، ومن فعل ذلك جهلاً دون تكذيب للقرآن فيكون كفراً أصغر.
يشرح المقطع الفرق بين فعل التطير والسحر وبين طلبهما لغيره، مستدلاً بحديث «ليس منا من تطير أو تطير له…» على كونهما من الكبائر. كما يعرف العراف والكاهن ويبين ابن تيمية أن العراف يشمل الكاهن والمنجم والرمال، ويختم بتفصيل ابن عثيمين في علم أبجد: جائز في الحساب والتاريخ، ومحرم إذا ربط بحركة النجوم لاستكشاف الغيب.
أعلن المحاضر انتهاء وقت الدرس الحالي، مشيراً إلى وجود فوائد إضافية للشيخ ابن عثيمين سيتم تناولها في الدرس القادم إن شاء الله. وبذلك يُختتم هذا المجلس العلمي مع وعد بالاستمرار في الفوائد القادمة.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فأخذنا في الدرس الماضي في كتاب التقعيد والتقسيم - أو التقسيم والتقعيد - للقول المفيد، باب ما جاء في الكهان ونحوهم. وذكرنا مناسبة الباب للذي قبله، ولكتاب التوحيد. وذكرنا أيضًا حكم الكاهن، وحكم الإتيان إلى الكاهن، وهذا هو المقصود من هذه الترجمة. ثم ذكر المؤلف بعض الأحاديث تحت هذا الباب، فذكر حديث مسلم عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: «من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يومًا». وذكر حديث أبي هريرة: «من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد»، و«من أتى عرافًا فسأله عن شيء فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد، أو لم تقبل له صلاة أربعين يومًا». جاء بالتصديق، وذكرنا توجيه هذه الرواية. نقرأ ما ذكره العلامة ابن العثيمين من فوائد مختصرة حول هذا الباب وهذين الحديثين: قال: "الإتيان يكون بمجالسته، أو الاتصال، أو إرسال شخص إليه، أو رسالة، أو مشاهدة، أو مشاهدة قنواتهم، أو الدخول على مواقعهم، أو شراء مجلاتهم، وبخاصة التي فيها الأبراج، أو السماع لما يقولون". وهذا فيه مفسدة عظيمة. لا تظن يا عبد الله أن إتيان الكاهن أو العراف أن تذهب إليه إلى بيته فقط، فهذا من الإتيان، لكن هناك صور أخرى، هناك صور أخرى تعد من إتيان الكاهن، منها الاتصال به. قد يقول قائل: "أنا ما أتيت إليه، اتصلت عليه فقط". هل يتغير الحكم؟ لا يتغير الحكم؛ لأن العلة في ذلك السؤال، فهذا السؤال بغض النظر سواء أكان بمجالسة أو باتصال أو بإرسال شخص. قال: "أنا ما ذهبت إليه، بل أرسلت شخصًا، قلت له: يا فلان اذهب إلى الكاهن واسأله عن كذا وكذا". فهل يدخل في الوعيد الذي جاء في هذا الحديث؟ نعم، يدخل في هذا الوعيد الذي جاء في هذا الحديث. كذلك مشاهدة قنواتهم، يدخل في مواقع التواصل الاجتماعي في مجموعاتهم أو في قنواتهم، ويشاهد ما يقولونه أو ما يسألون عنه، وهو يشاهد ذلك وهو كذلك يشجع ذلك، فهذا يدخل في الإتيان إليه. أو كذلك شراء المجلات التي فيها كذلك شيء من الكهانة، وشيء من ادعاء علم الغيب، كالمجلات التي فيها في آخرها يأتي باب أو تأتي نافذة خاصة بالأبراج. هذه الأبراج يعني يذكرون أن فلانًا إذا ولد مثلًا في نجم كذا وكذا فسيعيش سعيدًا، وإذا ولد في نجم كذا وكذا فسيعيش تعيسًا. انظروا، يعني يخبرون عن أحوال الخلق بحجة العلم عن طريق هذه الأبراج. هذا أيضًا من الكهانة. فمن قرأها ودخل فيها وإن لم يصدقها، فيدخل في وعيد: «لم تقبل له صلاة أربعين يومًا». وأما إذا صدقها، فهذا يدخل في وعيد: «فقد كفر بما أنزل على محمد». قوله: «لم تقبل له صلاة»، قال: الثواب الحاصل بها قُوبل بالسيئة فأسقطته. إتيان بلا تصديق أسقطته. وذكر العلماء أن "صلاة" هنا نكرة جاءت في سياق النفي: «لم تقبل له صلاة»، فهذا الحديث عام، أي صلاة يصليها، فيدخل في ذلك صلاة الفرض، الخمس الصلوات هذه في أربعين ليلة أو أربعين يومًا، هذه يصليها ولا يجازى عليها، لا تقبل له هذه الصلاة. وكذلك يدخل في هذا صلاة نافلة، إذا صلى الوتر أو صلى السنن الرواتب أو صلاة الضحى أو نحوها من النوافل، فالصلاة فهي داخل في عموم هذا الحديث، فهي داخل في عموم هذا الحديث. قوله: «فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم»، أي: القرآن، لأن الذي أنزل على محمد هو القرآن. وقد قال ﴿ قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ﴾، فالذي يصدق الكاهن في علم الغيب وهو يعلم أنه لا يعلم الغيب إلا الله فهو كافر. إذا يعلم، وينبغي لكل مسلم أن يعلم ذلك؛ لأن هذا في القرآن. فإذا صدق في الغيب من غير الله عز وجل، الخبر الذي يأتي من غير الله سبحانه وتعالى، فهذا كفر بما أنزل على محمد؛ لأنه أثبت معرفة علم الغيب لغير الله، وعلم الغيب لا يعلمه إلا الله، لا يعلمه إلا الله. قال: "وإن كان جاهلًا ولا يعتقد أن القرآن فيه كذب، فكفره أصغر". يعني: جاهل بأنه لا يعلم الغيب إلا الله، قد هذا يقع في بعض أهل البادية أو في بعض جهلة المسلمين الذين لا يقرؤون القرآن أو نحو ذلك. فإن كان جاهلًا ولا يعتقد أن القرآن فيه كذب، فكفره هنا أصغر، كفره أصغر. وقد لا يصدق في الحال، بل يكون التصديق إذا حصل له شيء. ومعنى ذلك: إنسان يعلم أنه لا يعلم الغيب إلا الله، لكن أرسل شخصًا يسأل من باب الفضول أو من باب التردد والشك، فوقع الخبر بنفس ما أخبر به ذلك الكاهن، فهنا بدأ يختل إيمانه، وبدأ يصدق في قول هذا الكاهن لكون ما أخبر به طابق الواقع، فهنا أيضًا يدخل في هذا الباب. قوله: "عرافًا"، قال: هو اسم عام للكاهن والمنجم والرمال، لأن العراف مأخوذ من ادعاء المعرفة، وكل هؤلاء الذين ذكروا من الكاهن والمنجم والرمال يدعون معرفة الغيب، فهم عرافون. فالعراف لفظ عام، العراف لفظ عام. وعرفنا الفرق بين العراف والكاهن والمنجم والرمال. فالعراف كما تقدم: اسم عام بمعنى ادعاء معرفة الأشياء، معرفة الأشياء. وأما الكاهن: من التكهن، وهو التخمين، وهو التخمين، ويكون بأعمال شيطانية وبكذلك استعانة بالشياطين. والمنجم: ادعاء علم الغيب عن طريق حركة النجوم أو نحو ذلك، وهذا أيضًا من علم الغيب. والرمال: ادعاء علم الغيب عن طريق الضرب بالرمل ونحوها، يضرب بالرمل ويستدل بذلك على معرفة الأشياء. فكل هؤلاء يدخلون تحت مسمى العراف نسبة إلى ادعاء المعرفة. قال: "ونحوهم ممن يستدل على معرفة الغيب بمقدمات يستعملها، سواء كان النجوم أو الرمل أو الشياطين، فيشمل كل من تعاطى وادعى هذه الأمور". ثم ذكر حديثًا آخر تحت هذا الباب، قال: وعن عمران بن حسين رضي الله عنه مرفوعًا: «ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له، ومن أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم». وجه الشاهد منه الجملة الأخيرة: «ومن أتى كاهنًا فصدقه»، وبمعنى حديث أبي هريرة المتقدم. وقوله: «من تطير» يشمل من تطير نفسه أو تطير لغيره. فاستقدم الطيارة نسبة إلى الطير، وكانت العرب إذا أرادت سفرًا أو تجارة أو زواجًا أو نحو ذلك هيجت الطير، فإن ذهب ذات اليمين تفاءلت، وإن ذهب فمضت في حاجتها، وإن ذهب وطار جهة الشمال تشاءمت وامتنعت عن حاجتها. «أو تطير له»: أي أمر من يتطير له، أو رضي بأن يتطير له، وما فعل ذلك لكن قال لولده: "نريد اليوم سفرًا، اذهب وهيج طيرًا وانظر أين يذهب، يمينًا أو شمالًا". هذا تطير له. وما هو جالس في بيته ما تطير، لكن تطير له، فيأتي الولد ويقول له: "والله ذهبت إلى الشمال"، إذن تركنا السفر. هذا تطير له، الحكم واحد. وقوله: «أو سحر أو سحر له»: سحر: هو الذي قام بهذا السحر والذي باشر. «وسحر له»: لأن بعض الناس يقول لمن يشكو زوجه: "أنا أصنع لك السحر، وأنت لا تصنع شيئًا، أنت جلست في بيتك، أنا فقط أصنع لك هذا السحر، أصنع لك هذا السحر فأجعل امرأتك تعطف عليك، أو أجعل امرأتك تكرهك، أو نحو ذلك على حسب ما يريد هذا الشخص". فهذا سحر له، وما قام بالسحر ولكن جعل من يفعل له هذا السحر، من يفعل له هذا السحر. قال: "ورواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن من حديث ابن عباس، دون قوله: «ومن أتى»"، يعني فقط: «ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له». وهذا فيه دليل على أن هذه الأعمال من كبائر الذنوب، لأن لفظة "ليس منا" جعلها العلماء من الألفاظ التي تندرج تحتها الكبائر، ويكفي في ذلك ما جاء من الوعيد الشديد لمن فعل هذه الأعمال. قال البغوي: "العراف الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك". وقيل: هو الكاهن. والكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل، يعني عن طريق الشياطين. وقيل: الذي يخبر عن ما في الضمير، يعني عن ما في النفس. أنت الآن أمامي، يقول لك: "أنا أعرف أيش الآن تفكر، أنا أعلم أيش الآن خطر على بالك، أنا أعرف غدًا ماذا ستفعل". طيب، فيخبر عما في ضمير الشخص. وقال أبو العباس ابن تيمية: "العراف اسم للكاهن والمنجم والرمال"، كما مر معنا، "ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق، بهذه الطرق، فهو نسبة إلى المعرفة". قال: "وقال ابن عباس في قوم يكتبون أبا جاد ويتطيرون في النجوم: ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق". يقول ابن عثيمين رحمه الله: "تعلم أبا جاد ينقسم إلى قسمين: مباح، أن نتعلم لحساب الجمل وما أشبه ذلك، وما زال العلماء يؤرخون بها، يعني يستخدمونها في معرفة التواريخ مثلًا: حرف الألف يستخدمونه في مثلًا رقم ألف، والباء مثلًا في رقم مئة، والجيم مثلًا في رقم عشرة، والدال مثلًا في الأحاد، وهكذا. فلهم اصطلاح يؤرخون به قصائدهم وحوادثهم وأمورهم التي تحتاج إلى توثيق بالتاريخ، إلى توثيق بالتاريخ. فهذا جائز، لا شيء فيه، لا شيء فيه. والنوع الثاني: محرم، وهو أن يجعلها مربوطة بسير النجوم وحركتها وطلوعها وغروبها، يعني يستدل بها على معرفة علم الغيب، فيقول مثلًا: هذا الحرف مثل ما يأتي في علم الأبراج، علم الأبراج، فيقول مثلًا: أنت ولدت تاريخ كم؟ 1972، هذا التاريخ مثلًا بأبا جاد عبارة عن الحرف كذا وكذا وكذا، إذن هذه الحروف دليل على تعاسة صاحبها أو على سعادة صاحبها، أو على أنه سيحدث كذا وكذا، فيستدل بهذه الحروف على حركة النجوم وسيرها وطلوع الشمس وغروبها، فيدعي بذلك حدوث أمور غيبية ستحدث في المستقبل. فهذا هو الذي يدخل في معنى الكهانة، والذي أراده العلماء، وما أشار إليه في قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما". من انتهاء الوقت نكتفي بهذا، وبقي هناك بعض الفوائد للشيخ ابن عثيمين، وأجيب للدرس القادم مع المسائل إن شاء الله تعالى. إلى هنا والله تعالى.