الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 94، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع معنى النشرة لغةً وشرعاً، مبيناً أنها نوعان: نشرة محرمة بحل السحر بالسحر، ونشرة مشروعة بالرقية والدعاء والأدوية المباحة. ويستدل بحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن النشرة فقال: «هي من عمل الشيطان»، موضحاً أن المراد بها النشرة الجاهلية وأن كراهة ابن مسعود تعني التحريم.
يناقش المقطع حكم النشرة مستعرضاً أثر سعيد بن المسيب الذي أجازها بقصد الإصلاح، ويرد عليه بقول ابن عثيمين وابن مسعود والنصوص النبوية التي تصفها بأنها من عمل الشيطان. ويؤكد أن قول الصحابي مقدم على قول التابعي وأن الأدلة الشرعية تمنع جوازها مطلقاً.
يؤكد المقطع أن حل السحر بالسحر محرم بإجماع أهل العلم لمخالفته لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ويرد قول من أجازه كابن المسيب. ويبين ابن القيم نوعين للنشرة: نوع محرم بالتقرب للشياطين، ونوع جائز بالرقية الشرعية والأدوية المباحة، وهو ما أقره ابن عثيمين.
أكد المتحدث على أهمية التفريق بين النشرة الجائزة والنشرة المحرمة، وأعلن تأجيل باقي المسائل والفوائد إلى الدرس القادم. ويختتم الدرس بتذكير بأهمية الالتزام بالشرع في معالجة السحر.
الحمد لله، وحمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الإمام المجدد شيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد": "باب ما جاء في النشرة". باب ما جاء في النشرة. والنشرة لغةً: من الكشف، لغةً من الكشف والإزالة، الكشف والإزالة. وأما شرعًا فهي: حل السحر عن المسحور، حل بمعنى إزالة السحر عن المسحور. فهناك علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي؛ فالمعنى اللغوي هنا أعم، إذ أنه مطلق الكشف والإزالة، وأما المعنى الشرعي فهو أخص، إذ أنه خاص بإزالة أو بالكشف وإزالة السحر عن المسحور. ومناسبة ذكر هذا الباب في هذا الموضع من حسن ترتيب المؤلف رحمه الله تعالى؛ فبعد أن ذكر السحر وذكر أنواع السحر، أراد أن يذكر لك كيفية علاجه، ويذكر لك حكم علاجه. ولا ريب أن حل السحر عن المسحور بالمشروع فيه فضل كبير لمن ابتغى وجه الله عز وجل. هكذا يقول العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله. وسيجيء في كلامي المؤلف مما نقله عن شيخ الإسلام ابن القيم عليه رحمة الله أن النشرة على نوعين، أن النشرة على نوعين: أحدهما حل سحر بمثله، يعني يحل السحر ساحر، وهو من عمل الشيطان، وعليه تحمل بعض الآثار من الأحاديث وأقوال الصحابة ومن تبعهم في تحريم النشرة؛ فمرادهم بالنشرة هو حل السحر بالسحر، فيما جاء عنهم من النهي. والنوع الثاني من أنواع النشرة: النشرة المشروعة، والتي تكون بالرقية والتعوذات والدعوات، أو بالأدوية المباحة، أو بالطرق المجربة التي ثبتتها التجارب، أو نحو ذلك. فهذا كله من النشرة الجائزة المشروعة. فإذا فهمنا هذا التفصيل سهل علينا بإذن الله عز وجل فهم هذه المسائل، أو هذه الأحاديث التي سيذكرها المؤلف رحمه الله تعالى. قال: عن جابر، أي جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن النشرة، فقال: «هي من عمل الشيطان». رواه أحمد بسند جيد، وأبو داود. هكذا قال المؤلف رحمه الله، والحديث صححه العلامة الألباني عليه رحمة الله في "سلسلة الأحاديث الصحيحة". وقوله في الحديث: «سُئل عن النشرة»، أي المعهودة عند أهل الجاهلية؛ إذ كان أهل الجاهلية يفقون السحر بالسحر، يفقون السحر بالسحر. فسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه النشرة المعهودة، فأل هنا للعهد الذهني، أي ما هو معهود عند أهل الجاهلية. فحكم عليها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها من عمل الشيطان؛ لأنها سحر، لأن فك السحر بالسحر سحر. نعم، فحكم عليها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها من عمل الشيطان لأنها السحر، والسحر من عمل الشيطان، والسحر من عمل الشيطان. فيحمل هذا الحديث كما تقدم في تفصيل ابن القيم عليه رحمة الله على حل السحر بسحر مثله، على حل السحر بسحر مثله. فجاء النهي عن النبي صلى الله عليه وعليه وسلم عن ذلك. ثم ذكر وقال: سُئل أحمد عنها، أي عن النشرة، فقال: «ابن مسعود يكره هذا كله». يقول الإمام أحمد: «ابن مسعود يكره هذا كله». وقوله هاهنا «يكره»؛ الكراهة عند المتقدمين يراد بها التحريم، يراد بها التحريم. وإنما جاء في اصطلاح المتأخرين بأن الكراهة التي يراد بها ماذا؟ يراد بها الوقوع في شيء لا يلزم الشرع بتركه، وإنما هو على سبيل الكراهة التنزيهية. هذا في اصطلاح المتأخرين. أما في اصطلاح المتقدمين وهو اصطلاح القرآن: ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ كَانَ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾، فيراد مكروهًا أي محرّمًا؛ لأنه ذكر بوائق من الكبائر كقتل النفس والزنا وأكل مال اليتيم وقتل الولد خشية الإملاق ونحو ذلك. ثم قال: ﴿كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾، فالمراد بالكراهة أي الكراهة التحريمية. وهكذا في هذا الأثر. وقد قيل: إن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أجاب بقول الصحابي، وكأنه ليس عنده أثر صحيح عن النبي صلى الله عليه وعلا، وإلا لاستدل به. لو كان عنده أثر صحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام لاستدل به، لكن هنا استدل بقول الصحابي، والصحابة رضي الله تعالى عنهم أقوالهم يعتد بها، لا سيما إذا لم يخالفه غيره من الصحابة. يقول ابن العثيمين: «يكره هذا كله» يراد بها النشر التي من عمل الشيطان، يعني كما تقدم؛ إذا فهمت التفصيل المتقدم ستفهم معنى هذه الآثار. فقوله: «يكره هذا كله» يراد بالنشر المحرمة التي هي حل السحر بالسحر، حل السحر بالسحر. قال: «وفي البخاري عن قتادة: قلت لابن المسيب: رجل به طب أو يؤخذ عن امرأته، أيحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح. فأما ما ينفع فلم ينهى عنه». انتهى. وهذا عن ابن المسيب قد انتشر، وكذلك تناقله العلماء في كتبهم، كما ذكر ذلك البخاري معلقًا في كتابه الصحيح، وكذلك ذكره غير واحد من أهل تدوين الكتب. ومعنى هذا الأثر: أنه قيل لابن المسيب: رجل به طب. ومعنى «به طب» أي سحر، وكما أتى أيضًا في حديث عائشة في الصحيحين في حديث الرؤية، لما رآها النبي صلى الله عليه وسلم لما سحره لبيد بن الأعصم، فرأى رجلين، فقال أحدهما للآخر: ما به؟ قال: مطبوب. معنى «مطبوب» أي مسحور، مطبوب أي مسحور. وهنا قوله: «به طب» أي سحر. ومن المعلوم أن الطب هو علاج المرض، الطب هو علاج المرض، لكن سمي السحر طبا من باب التفاؤل، من باب التفاؤل. وهذا أمر معلوم عند العرب؛ فكانوا يسمون الدّيج سَلِيمًا، والكسير جَبِيرًا، هذا من باب التفاؤل، والمسحور مطبوب من باب كذلك التفاؤل، وأنه سيشفى بإذن الله عز وجل من هذا السحر. فإذن قوله: «رجل به طب» أي به سحر، «أو يؤخذ عن امرأته» أي يحبس، وهو ما يسمى بسحر التفريق الذي يفرق بين الزوج وزوجته، فيحبس فلا يتمكن من جماعها، لا يتمكن من جماعها بسبب هذا السحر. فقيل له: «أيحل عنه أو ينشر؟». اختلف المفسرون في معنى هذا السؤال، فمنهم من قال: «أيحل عنه أو ينشر» بالنوع الأول الذي ذكره ابن القيم عليه رحمة الله، وحمله جماعة من أهل العلم بأن المراد: يحل عنه أو ينشر، أي بالنشر الجائزة المشروعة، النشر الجائزة المشروعة. ولكن القول الثاني يرده ما سيأتي من جواب ابن المسيب، وأنه أراد النوع الأول، وهو فك السحر بالسحر. وجاء ما هو أصرح من ذلك في أثر آخر عن ابن المسيب. فقال هنا: «لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح». يعني اجتهد ابن المسيب رحمه الله تعالى في هذه المسألة، فأفتى بجواز حل السحر بالسحر إذا كان يراد به الإصلاح، والمراد بالإصلاح يعني علاج هذا المسحور، علاج هذا المسحور. وإذا قال: «فأما ما ينفع فلم ينهى عنه»، فلم ينهى عنه. وعلى كل حال، كما قال العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله، كلام طيب في تعليقه على هذا الأثر، قال: «ولكن على كل حال، حتى ولو كان ابن المسيب ومن فوق ابن المسيب ممن ليس قوله حجة، يرى أنه جائز، فلا يلزم من ذلك أن يكون جائزًا في حكم الله، حتى يعرض على الكتاب والسنة. وقد سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن النشرة فقال: هي من عمل الشيطان، فلم يستثن شيئًا إذا كان فيه إصلاح أو ليس فيه إصلاح. فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدم على قول كل أحد ممن دونه عليه الصلاة والسلام. وسعيد بن المسيب هو من سادات التابعين رحمه الله تعالى». فعلى القول بأنه أراد حل السحر بالسحر، فهذا القول مردود، ترده النصوص الشرعية مما تقدم معنا من حديث جابر، ويرده كذلك قول الصحابة. فالعمل بما قال الصحابي أفضل وخير من القول بما قال التابعي، بما قال التابعي. فقد تقدم معنا لما سئل الإمام أحمد عن النشرة قال: «ابن مسعود يكره هذا كله»، وابن مسعود صحابي جليل، صحابي جليل. فالأمر كما قال ابن العثيمين، وينبغي أن يتربى طالب العلم على ذلك: إذا خالف قول عالم أو قول شيخ من مشايخك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالواجب أن يقدم قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأن كل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فجمهور أهل العلم على أن النشر بالسحر لا تجوز، محرمة، لهذا الحديث ولأثر سؤال الإمام أحمد، وكلام كذلك علماء جلاّك: ابن تيمية وابن القيم عليهما رحمة الله. فمن ذهب من العلماء المعاصرين إلى قول ابن المسيب، فقوله مردود عليه مهما بلغ من العلم ومن المكانة. فابن المسيب أرفع، وأهل السنة ردوا قوله لأنه مخالف لحديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالخلاصة: أن حل السحر بالسحر لا يجوز، لا يجوز ذلك للأدلة المتقدمة. وما جاء عن ابن المسيب، إن فهم منه أنه أراد حل السحر بالسحر، وهذا ظاهر قوله والله أعلم، كما بين ذلك بعض أهل العلم، فقوله غير صحيح، قوله غير صحيح لمعارضته لحديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: «وروي عن الحسن أنه قال: لا يحل السحر إلا ساحر». ومعنى «لا يحل السحر» أو «لا يحل السحر إلا ساحر»: أي لا يحل السحر بغير الطريق الشرعية المعروفة إلا ساحر. ما هي الطريق؟ ما هي الطريق غير الشرعية؟ طريق الشياطين من الذهاب للسحرة والكهان والدجاجلة، والدجاجلة. فهذا معنى قول الحسن: «لا يحل السحر إلا ساحر»، يعني لا يحل السحر بغير الطريق الشرعية المعروفة وهي الرقية والقرآن والأذكار إلا ساحر. أما غير الساحر فلا يلجأ إلى هذه الطرق الشيطانية، إلى هذه الطرق الشيطانية. هذا معنى قول الحسن رحمه الله تعالى. ثم ذكر شيخ الإسلام أثر ابن القيم، قال ابن القيم رحمه الله: وهذا فيه دليل على أن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى كان متأثرًا بكتب شيخي الإسلام: شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وشيخ الإسلام ابن القيم. فقد نقل عنهما في هذا الكتاب وفي غيره بعض النقولات الطيبة المفيدة في باب التوحيد، يدل ذلك على أنه كان مكثرًا من القراءة في كتبهما، في كتبهما. فهنا نقل هذا الكلام عن ابن القيم عليه رحمة الله، قال: قال ابن القيم: «النشرة: حل السحر عن المسحور، وهي نوعان: أحدهما حل بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يحمل قول الحسن: لا يحل السحر إلا ساحر». قال: «فيتقرب الناشر والمنتشر، الناشر والمنتشر، يعني الذي هو مريض ويذهب إلى هذا الساحر، وهذا الساحر هو الناشر». قال: «فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب». فصَأَل المريض المسحور يدفع، يدفع مالًا للساحر، يدفع مالًا للساحر، ولو كلفه ذلك المال الكثير. فهذا فيه ماذا؟ فيه تقرب إلى الشيطان؛ لأن هذا الساحر يأخذ هذا المال، وكذلك يتقرب إلى الشيطان بأعمال كفرية، بأعمال كفرية. وقد تقدم معنا من أعمال السحرة أنهم لربما داسوا القرآن، أو وضعوه في النجاسات، أو كتبوه بالنجاسات، أو نحو ذلك مما هو كفر صريح، مما هو كفر صريح. فالكل يستمتع، الكل يستمتع، فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب. قال: «فيبطل عمله عن المسحور، يبطل عمله عن المسحور، وربما كان سبب سحر هذا المسحور هو هذا الساحر نفسه، هو هذا الساحر نفسه، هو الذي سحر هذا المسحور، فأراد هذا الساحر مالًا وأراد دنيا، فعمل هذا العمل الشيطاني، فهو الفاعل لهذا السحر، وهو الذي حل هذا السحر. وقد يكون هو الذي فعله ساحر آخر وهو أمهر وأقوى من الساحر الأول، فيستطيع أن يحل هذا السحر. فكلها من أعمال الشياطين، كل هذه الأفعال من أعمال الشياطين». هذا هو النوع الأول، وهذا لا يجوز كما ذكر. والثاني: أن تُشرب الرقية والتعوذات والدعوات والأدوية المباحة، فهذا جائز. علق ابن العثيمين على هذا الأثر فقال: «هذا الكلام جيد ولا مزيد عليه». قال: «على كلام ابن القيم، هذا الكلام جيد ولا مزيد عليه». فهو تفصيل مهم جدًا ينبغي أن يضبطه المسلم، فيفرق بين النشرة الجائزة والنشرة المحرمة. طيب، بقيت بعض المسائل والفوائد حول هذا الباب نؤجلها إن شاء الله إلى الدرس القادم. ننتهي الوقت إلى هنا، والله تعالى أعلم.