الدرس في الاقبال على الله 15، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول أهمية تدبر القرآن وفهمه باعتباره خطابًا للجميع وليس فقط للصحابة، مشيرًا إلى ضرورة الشعور بأن القرآن موجه للفرد نفسه. يُبرز أهمية فهم القرآن كخطاب شامل لكل الأجيال.
يُشير إلى أن القرآن يذكر قصص الأنبياء لأخذ العبرة وليس للتسلية، مستشهدًا بقصة نوح عليه السلام ودعوته الطويلة لقومه. يدل ذلك على أن الهداية تأتي من الله وليس من الدعاة أنفسهم.
يؤكد على أهمية الصبر لدى الداعين إلى الله، ويبرز كيف كان الصحابة يتدبرون القرآن ويشعرون بخطابه المباشر لهم. يشدد على وقوف المسلم عند كتاب الله وتأثيره العميق في حياته.
يجب على المسلم استشعار أن القرآن يخاطبه شخصيًا ليصلح قلبه ويحييه، وهذا الاستشعار يحقق التدبر والعمل بالقرآن. يُعد هذا الفهم أساسًا للتفاعل الحقيقي مع القرآن.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، بعد. خذنا في الدرس الذي مضى معنا كيف يتدبر القرآن أو بماذا يتدبر؟ ذكرنا أن تدبر القرآن أنواع، من ذلك أنه يتدبر لأجل معرفة أن هذا من عند الله جل وعلا وتصديقه، وأيضا الإقناع به، الإقناع بهذا أنه من عند الله جل وعلا، وفي ذلك أشياء كثيرة كما ذكرنا. وأيضا من هذه أنواع التدبر أن المتدبر للقرآن يتدبر القرآن ليعمل به، يتدبر القرآن لأجل العمل، يعرف أحكامه، يعرف أيضا العبرة من قصصه، العبرة من الأمثال، وغيرها من هذه، والعبرة من المواعظ، يتعظ بهذا القرآن، وهكذا يعيش مع القرآن، وهذا معنى العيش مع القرآن أو الحياة بالقرآن، يحيا بالقرآن. وهناك نقطة مهمة جدا، وهي الفاصل الكبير بين السلف وكثير من الخلف إلا من رحم الله، ألا وهي أن السلف رحمهم الله كانوا يقرؤون القرآن ويعلمون أن هذا القرآن يخاطبهم أنفسهم، لا يخاطب غيرهم. والآن تجد كثيرا منا يقرأ القرآن ويقرأ بعض الآيات، وقد يعرف أيضا سبب النزول وغيره، لكن ينظر إلى أن هذا القرآن نزل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، والخطاب خطاب للصحابة، فيجعل أثر تلقي هذا القرآن، معنى تلقيه ضعيفا في نفسه، فهو يظن أن هذه الآيات إنما صيغت لأجل الصحابة، مع أن الله عز وجل في أكثر من آية يذكر جل وعلا أنه لا مبدل لكلماته، كلمات القرآن وكلمات أيضا الكونية لا مبدل لها. ولهذا قال الله عز وجل ﴿ولا مبدل لكلمات الله﴾، وقد جاءك من نبأ المرسلين ﴿ولا مبدل لكلمات الله﴾، فلا مبدل لكلمات الله، أي الكونية والشرعية، فسنة الله عز وجل في الكون واحدة لا مبدل لها، وأيضا سنة الله عز وجل الشرعية أيضا في أحكامه، وفي تقريراته التي جاءت في القرآن، وفي السنة أيضا هي سنة واحدة لا مبدل لها. فلهذا هذا الخطاب الذي خاطب الله عز وجل به الأمم، أو النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، هو خطاب لنا أيضا، هو خطاب لنا أيضا. فإذا كان الإنسان يفهم هذه الأمور، وأيضا يقرأ القرآن، يحس ويشعر أن القرآن يخاطبه، فإذا سمع ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ ألقى لها سمعه، أي شيء المطلوب؟ فلهذا يتلقى القرآن من جميع جوانبه، يتلقى القرآن وهو يشعر أنه يعرف أحكامه التي جاءت في كتاب الله جل وعلا، وسنة رسوله، أحكام كثيرة في المواريث، في الأنكحة، في العقيدة، في التوحيد، وفي أيضا السيرة، في القصص، وغيرها، حتى في القصص هناك عبر وأحكام تجدها في القصص، في الأمثال التي يضربها الله عز وجل، وتلك الأمثال ﴿نضربها للناس﴾، وغيرها من هذه الأشياء التي يستشعر بها العبد. يستشعر مثلا أن هذه الأمة تحتاج إلى دعوة إلى الله عز وجل، عندما يقرأ آيات الدعوة، يقرأ ما كان عليه الأنبياء من الدعوة، من الاجتهاد في الدعوة إلى الله، يقرأ أن نوحا جلس يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاما. انظر إلى هذا الجهد العظيم، ألف سنة وهو يدعو إلا خمسين عاما، تسعمائة وخمسين سنة وهو يدعو قومه بشتى أساليب الدعوة، بشتى أساليب الدعوة. هذه الآية يأخذ منها عبرة، الله عز وجل لما ذكر الأنبياء قال ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾، فأن هؤلاء هذه القصص التي يذكرها الله عز وجل عن الأنبياء، ليس فقط للتسلية، وإنما لأخذ العبرة، فيجد هذا النبي الكريم يجتهد هذا الاجتهاد العظيم، ﴿وإني دعوتهم سرا وجهارا وإني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا﴾، معنى هذه أساليب الدعوة التي اتخذها سرا وعلانية، وجهرا، وكذا، وكل ذلك هذه الأساليب، قال الله عز وجل بعد ذلك ﴿وما آمن معه إلا قليل﴾، ﴿وما آمن معه إلا قليل﴾، 950 سنة وهو يدعو إلى توحيد الله، ويدعو بشتى الوسائل، فهل نظن أن نبي الله نوح قصر في دعوته؟ حاشا أن يكون كذلك، وهو هذه الفترة الطويلة، وشهد الله عز وجل له، وأشهد الله عز وجل أيضا هذه الأمة يوم القيامة تشهد لنوح أنه بلغ الرسالة. فلأجل أن لا يقع في قلب العبد، أو في نفس المثل التالي، أو القارئ للقرآن، أن نوحا قصر في دعوته، لماذا لم يؤمن معه إلا قليل؟ فالآن مثلا يجد أن الناس كثير يدخلون دين الله، كثير من يتوب، فهل هذا معنى ذلك أن دعوة هؤلاء الدعاة ناجحة، ودعوة نبي الله فيها شيء؟ لا، وإنما الهداية من الله عز وجل، وأيضا نوح عليه السلام قد بلغ جهدا عظيما لا يستطيعه أحد أن يبلغه، هذه السنوات الكثيرة، ورحمه عليه الصلاة والسلام، وهو يدعو الناس إلى دين الله عز وجل، وإلى دعوة الله سبحانه وتعالى، لكن ما آمن معه إلا قليل. فالقلوب بين يدي الله عز وجل، وهذا يعطينا عبر كثيرة، تدبرات عظيمة، من أعظمها أن الداعي إلى الله لا يمل، لا يمل في دعوة، ويضجر، أن بعض الناس تجد مثلا إذا لم يجد أحد يستجب له، يأتي مثلا في بيئة كلها تصوف، أكثرهم تصوف، مثلا ييأس، يقول الناس كلهم على تصوف، وهو وحده أو معه واحد أو اثنان هم الذين معه، فيضجر ويقوم ويأخذ رحاله ويذهب إلى مكان آخر، وهذا ليس صحيحا. فهذه الآيات تعطي مثل هذا العبد اندفاعا وصبرا على دعوة الله عز وجل، مهما حصل، ومهما عورض، ومهما أوذي، هؤلاء أنبياء الله عز وجل أوذوا، إبراهيم تعرض للقتل، ذبح، كما قال الإمام ابن القيم، ذبح، زكريا لأجل دعوة الله جل وعلا، وكذلك أوذي المسيح أيما أذى، وأذي موسى لم يؤذى مثله أحد، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول «لقد أذيت وما أوذي أحد»، وهذا كلها أمور تحصل للأنبياء وللدعاة، فلابد أن يصبر. ولهذا كما قلنا من أعظم الأمور التي تدبر بها القرآن، أن المسلم التالي للقرآن يشعر أن القرآن يخاطبه، لا يشعر أنه يخاطب أمة أخرى، أو يشعر أنه يخاطب الصحابة، لا يخاطبه هو نفسه. فالصحابة رضي الله عنهم علموا أن هذا القرآن يخاطبهم، كذلك أيضا أنت تعلم أن القرآن يخاطبه. لما نزلت ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبطوا أعمالكم وأنتم لا تشعرون﴾، انظر إلى هذه الآية، كثير من الصحابة ظنوا أنهم هم المقصودون بهذه الآية، أبو بكر وعمر، وثابت بن قيس بن شماس، كان ثابت جهوري الصوت، فظن أن الآية عليه، فذهب إلى بيته، وظن أنه من أهل النار، وأن عمله قد أحبط، فنكس رأسه، وجعل رجلاه أعلى ووضعها في الجدار، وحامى أن لا يأكل شيئا حتى يتوب الله عز وجل عليه. فافتقده النبي عليه الصلاة والسلام، فسأل عنه، فقال له جار له: أنا آتي لك بخبره، فلما ذهب وضرب عليه الباب، واستأذن، وجده في هذه الحالة، فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام، وقال له: اذهب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لماذا اذهب؟ وقل له: أنه من أهل الجنة. والفائدة من القصة أنه استشعر بهذه الآية، وكان الصحابة والأمثلة في ذلك كثيرة جدا في زمن الصحابة، وزمن التابعين، وغيرهم، وكانوا وقافين عند كتاب الله جل وعلا، فلهذا يحصل مثل هذه النماذج العظيمة. فلو استشعر المسلم، وطالب العلم، وأيضا التالي للقرآن، الحافظ له، استشعر مثل هذه الأمور، أن القرآن يخاطبه، لصلح قلبه، وحيا قلبه في كل وقت، وكلما قرأ، كلما أحيا الله عز وجل قلبه بهذا القرآن. فهذا نوع من أنواع التدبر التي ينبغي للمسلم أن يراعيها، وأن يستشعر بها، وهي أنه يقرأ القرآن لأجل أن يعمل به.