الدرس في الاقبال على الله 16، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
التفكر في مخلوقات الله عبادة عظيمة تعين على الإقبال على الله وتدل على عظمة الخالق. الآيات القرآنية تشير إلى أهمية التفكر في خلق السماوات والأرض.
التفكر يزيد الإيمان ويعظم الإقبال على الله، وله أجر عظيم حيث إن تفكر ساعة خير من قيام ليلة. النظر إلى صنع الله يدل على عظمة الله وقدرته.
التفكر في خلق السماوات والأرض يعتبر من علامات فقه القلوب والعقول، ويزيد الإيمان لمن يتفكر في الآيات الكونية. التفكر يحمل دلالات إيمانية عظيمة ويقرب من الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فذكرنا في الأسباب المعينة على الإقبال على الله جل وعلا سبب تدبر القرآن، فإنه الأسباب العظيمة التي تعين المقبل على الله عز وجل على طريقه وعلى إقباله. وأيضًا كذلك من هذه الأسباب التي تعين العبد على ذلك أيضًا التفكر في مخلوقات الله جل وعلا. عبادة التفكر عبادة عظيمة، تفكر العبد في ما خلق الله عز وجل من هذه الكائنات، من هذه الأجرام العظيمة، من هذه الأراضي، وما أيضًا تفكر في نفسه وفي أنفسكم، أفلا تبصرون. وقال جل وعلا أيضًا: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب﴾، أولي العقول والقلوب التي تفقه. لآيات لأولي الألباب. وقال ربنا جل وعلا: ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت﴾، هذه الإبل كيف خلقها الله عز وجل بهذه العظمة، وإلى السماء كيف رفعت، خلق السماوات بغير عمد ترونها، لم يجعل لها عمد، السقف يحتاج إلى عمد إلى شيء يمسكه، لكن هذه السماوات العظيمة لم يجعل الله عز وجل لها أعمدة، خلق السماوات بغير عمد ترونها. وقال جل وعلا: ﴿إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزول﴾، وقال: ﴿أن تقع على الأرض﴾، فلهذا ربنا جل وعلا مخلوقاته عظيمة. وهذه المخلوقات التفكر فيها يدل على عظمة الخالق، عظمة المخلوق تدل على عظمة الخالق. ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيى به الأرض بعد موتها﴾ إلى آخر هذه الآيات العظيمة التي يبين الله عز وجل فيها أن عظمة التفكر في عظمة هذه المخلوقات تدل على عظمة الله جل وعلا. وكلما رأى العبد عظمة الله وتفكر فيها، كلما ازداد إيمانًا وإقبالًا على الله سبحانه وتعالى. ولهذا سئلت أم الدرداء الصغرى عن عبادتي، أو ما كانت عبادة أبي الدرداء معنى التي يكثر منها، قالت: كان يكثر من التفكر في مخلوقات الله جل وعلا، أو قالت: من عبادة التفكر، كان يكثر من عبادة التفكر. قال ابن عباس: تفكر ساعة أعظم من قيام ليلة، تفكر ساعة أعظم من قيام ليلة. والمراد أنه ينظر إلى صنع الله جل وعلا وكيف تنسيقه وترتيبه، وكذلك أيضًا تناسق بعضه بعضًا. وكما قال جل وعلا: ﴿وكل في فلك يسبحون﴾، وكل في فلك يسبحون، معنى لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر، ولا ليل سابق النهار، وكل في فلك يسبحون، فنظام وأيضًا فلك عظيم ومنظم، لا يدخل شيئًا في شيء إلا إذا أراد الله جل وعلا. وزيّن الله عز وجل السماء بهذه الأجرام العظيمة التي نراها تضيع في السماء، وهي أجرام عظيمة. كما ذكر أهل الفلك أن النجم قد يكون أكبر بكثير من هذه الأرض، فهذه النجوم الكثيرة والمتكاثرة يدل على عظمة هذا الكون، يدل على عظمة هذا الكون. وكما يذكر بعض أهل الفلك: إن صدقوا فبها، وإن لم يصدقوا أو خاب ما ظنوه، لكن الشواهد تدل عليه، فقالوا: إن هذه الكواكب التسعة التي كما يسمونها في المجموعة الشمسية كلها هذه مجرة واحدة، وهناك مجرات أكبر وأكبر منها، وعدد هذه النجوم الكثيرة يدل على هذا، يدل على أن هناك مجرات عظيمة. لكن هل هناك حياة غير هذه الحياة؟ فهذا لا يعلمه إلا الله. وما جاء من الأحاديث أن في الأرض الأولى أو في الأرض الثانية أناس كبني آدم، كبني آدم وجن كجنهم، وهكذا في الأرض الثالثة والرابعة، فهذا لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله. فليس عندنا شيء يدل على أن هناك حياة أخرى غير هذه الحياة أن يعيش فيها الإنسان، وأيضًا هناك أناس أو مخلوقات أخرى في أكوان أخرى، فهذا لم يأت فيه شيء عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، أو بالأصح لم يثبت شيئًا عن النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك. لكن هذه النجوم وغيرها تدل على عظمة هذه المخلوقات، وعلى أيضًا الظن بأن هذا الكلام الذي يذكرونه صحيحًا. لكن كما قلنا: الحياة ليس هناك ما يدل على حياة أخرى. فلهذا الإنسان يتفكر أيضًا في سمعه، في بصره، في كلامه، في كذا، هذه الأشياء المخلوقات العظيمة، فإنه إذا تفكر فيها حميض الله جل وعلا. ولهذا كما سيأتي معنا أيضًا من هذه الأسباب المعينة أن يتذكر نعمة الله عز وجل عليه، أن يتذكر نعمة الله سبحانه وتعالى عليه. فأيضًا كذلك هذا من هذا، فالتفكر في النعمة يدخل ضمنًا من التفكر في مخلوقات الله جل وعلا، لكن قد يفارقه في الأشياء التي سخرها الله عز وجل للعبد في هذه الحياة من الرزق، وأيضًا غيرها مما يكون فيه صلاحًا للعبد. فالتفكر في مخلوقات الله جل وعلا وإمعان النظر في هذه الأشياء العظيمة تدل على عظمة الله جل وعلا، وأيضًا تزيد العبد إيمانًا بالله جل وعلا. ولهذا جعل ربنا جل وعلا هذا التفكر من فقه القلوب والعقول، ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب﴾. وقال جل وعلا بعد ذكره شيء مخلوقات: ﴿إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون﴾، وأيضًا: ﴿إن في ذلك لآية للعالمين﴾، وغيرها من الآيات التي يبين الله عز وجل أن الآيات الكونية من اتعظ بها ومن نظر إليها واعتبر، فإنها تزيده إيمانًا وإقبالًا على الله جل وعلا. فإن شاء الله تعالى نكتف بهذا، ونكمل في درس لاحق، والله تعالى أعلم.