الاقبال على الله 18

الدرس في الاقبال على الله 18، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

استغلال الأوقات في الطاعة وتوجيهات النبي

يتحدث عن أهمية استغلال الأوقات في الطاعة للسالك إلى الله عز وجل، ويشير إلى حديث النبي حول نعمتين مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ.

أهمية الحفاظ على الوقت في السلوك إلى الله

العبادات النوافل تعين على أداء الفرائض والمحافظة عليها، ولذلك يحتاج السالك إلى الله أن يحافظ على وقته من الضياع. العلماء ركزوا على أهمية المحافظة على الوقت لما له من دور في الثبات على الخير وطاعة الله.

حرص السلف على استغلال الوقت في الطاعات

يجب على المسلم استغلال وقته في الطاعات وعدم التفريط فيه، حيث أن الوقت نعمة مغبون فيها كثير من الناس، وقد كان السلف رحمهم الله حريصين على استغلال أوقاتهم في العلم والطاعات.

ضرورة تخصيص الوقت كليًا لطاعة الله

يُنبه إلى أن إعطاء العلم أو الوقت جزئيًا لله تعالى لن يعود بالنفع الكبير، ويحث على استغلال الأوقات في طاعة الله لما في ذلك من عظيم الأجر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فأخذنا في الدرس السابق من الأسباب المعينة على الإقبال على الله عز وجل التفكر في مخلوقات الله أو التذكر النعم. تذكر النعم التي أنعم الله عز وجل بها على العبد، فإذا تذكر نعمة الله أقبل على الله أكثر وعظم الله. وكما ذكرنا أن الإمام ابن القيم رحمه الله قال: التفكر في آيات الله الشرعية، وكذلك الكونية، وكذلك النعم تستجلب للقلب محبة الله جل وعلا وخوفه ورجاءه. فلهذا السالك يحتاج إلى هذه التذكرة. وهناك أيضا النعم، منها ما يحتاج إلى شكر، وشكرها الطاعة. ومن النعم ما يحتاج إلى استغلالها بالطاعة، كالأوقات، كالصحة. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». ومن أعظم الأشياء التي ينبغي للسالك إلى الله عز وجل أن يستعين بها الأوقات. ولهذا جاء في صحيح البخاري في حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «سددوا وقاربوا، واعلموا أنكم لن تبلغوا ذلك، واستعينوا بالغدوة وشيء من الدلجة». وفي الحديث الآخر: «القصد القصد تبلغوا». فاستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة. الغدوة هي الصباح الباكر، أن يحتاج المسلم المقبل على الله أن لا يفوت هذه الأوقات إلا في خير. والروحة بعد الزوال، وشيء من الدلجة أي وشيء من الليل. فإن العبد السالك إلى الله يحتاج لهذه الأوقات يعمرها في طاعة الله جل وعلا، فتفيد هذه الأوقات في استمراره في الخير. كما ذكرنا أن بعض العبادات تعين على الطاعة، كقيام الليل، وكذلك صلاة السنن، وأيضا الصلاة الضحى. وغيرها من هذه العبادات تعين السالك في طريقه. فإذا حافظ على هذه الصلوات وهذه العبادات، فإنه سيحافظ على ما هو أعظم منها وهي الفرائض. فلهذا فهو سيسلك ويحافظ على عباداته. فإذا حافظ على عباداته، فإنه بإذن الله عز وجل يثبت على الخير. فلهذا كما قلنا يحتاج إلى أن لا يضيع وقته فيما يشغله عن طاعة الله جل وعلا. لا تكون أوقاته كلها ضياعا، لا تكون أوقاته كلها في غير طاعة الله، أو يعطي الطاعة شيئا يسيرا من الإقبال، وبقيت وقته في ضياع وفي هدر وفي مباحات. فليس هذا السالك إلى الله عز وجل. ولهذا العلماء، علماء السلف، علموا هذه الحقيقة. فلهذا تجد في كتب السلوك، في الكتب التي ألفت في هذا الباب، في باب التوبة والإقبال على الله وغيرها، تجد يركزون على أن العبد يحافظ على وقته. حتى الإمام الشافعي يقول: مما عجبه في سلوك الصوفية قولهم: «الوقت كالسيف إن لم تقطعه يقطعك، ونفسك إن لم تشغلها بالحق أشغلتك بالباطل». فهذه الفائدة يقول الإمام الشافعي أنه استفادها من أهل التصوف. لأنهم يحافظون على أوقاتهم. فلهذا فالسالك إلى الله عز وجل لا بد أن يحافظ على أوقاته. ولهذا كان الحسن البصري رحمه الله يقول: «يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يومك ذهب بعضك». إن كان استودعت هذا اليوم أعمالا طيبة وأعمالا صالحة فتهنأ بها، وإن لم تكن كذلك، فإنه يكون وبالا عليك إلا أن يشاء الله عز وجل فيغفر الله لك. فهذه الأيام هي مطايا نمر عليها ونمر بها هذه الطريق، فتحتاج إلى الاستغلال. فالمسلم السالك إلى الله عز وجل المنيب إلى الله يحتاج إلى أن يستغل وقته. وإلا فإنه إذا فرط في وقته، فإنه سيكون مغبونا ولم يستفد من هذا السلوك الذي يسلكه. وأما إن سلك الطريق وأيضا استعان بوقته على طاعة الله جل وعلا، فلا شك أنه رابح بإذن الله جل وعلا. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». فلهذا كان الإمام الجوزي رحمه الله يقول في صيد الخاطر: «وقتك لا تعطيه لأحد أبدا». أي لا تجعل أحدا يأخذ وقتك بدون فائدة. وكان إذا جاءه الضيوف، يجعل ذلك في براية القلم وتجهيز أمور الكتابة. وهذا مما يدل على حرص أولئك. ولهذا كانوا حتى أن بعض أهل العلم ما كان يستطيع حتى أن يأكل ويشرب فيجعل جاريته تأكل وتشرب. وكان بعض أهل اللغة كثعلب بن أحمد كان يشترط على من يدعوه إلى وليمة أنه يأتي بكتبه معه. ويقال أن سبب موته أنه كان يقرأ في كتاب منهمكا في الكتاب، ولم يدري إلا وقد صدمته بغلة، فارتطم بهذه البغلة وأخذوه إلى بيته ومات رحمه الله عليه. وهذا كله من اهتمامهم بأوقاتهم. وطالب العلم أحرى الناس بأن يستغل وقته فيما ينفعه وفي علمه خاصة. العلم يحتاج إلى أوقات كثيرة. العلم إذا أعطيته كلك ما أعطاك إلا بعضه، فكيف إذا ما أعطيته إلا بعضه؟ فما سيعطيك إلا شيئا يسيرا. فلهذا يحرس السالك إلى الله عز وجل والمقبل على الله على أوقاته فيستغلها في طاعة الله سبحانه وتعالى.