الدرس في تفسير سورة الممتحنة من تفسير السعدي 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح هذا الفصل النهي الشديد عن موالاة الكفار من المشركين وغيرهم، ويبين أن جميع الكفار سواء في عدم موالاتهم ومودتهم. كما يحذر من إلقاء المودة إليهم حتى لو لم تكن لدينهم، ويعتبر ذلك ذنبا يتنافى مع الإيمان.
يتناول هذا الفصل تحذير الله تعالى للمؤمنين والمنافقين من موالاة الكفار ومودتهم، ويبين أن ذلك يعتبر عَدَم مروءة وخيانة للإسلام وأهله، وقد يؤدي إلى الكفر إذا اقترن بالمحبة القلبية لدينهم ونصرتهم.
يشرح هذا الفصل أسباب معاداة الكفار للمؤمنين، حيث كفروا بالحق الذي جاء به المؤمنون، ويبين أن الكفار يحبون إخراج المؤمنين من ديارهم ويكرهون إيمانهم بالله، ويحذر من موالاة الكفار ومودتهم رغم عداوتهم للمؤمنين.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند الكلام على قول الله جل وعلا، أو تفسير قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق إلى قوله جل وعلا ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل﴾. فقال: وهذه الآيات فيها النهي الشديد عن موالاة الكفار من المشركين وغيرهم، أنا جميع الكفار، هذه الآيات فيها النهي الشديد عن موالاة الكفار، فأي كافر كان، الكفار هم أربعة أصناف: الكفار أربعة أصناف، كافر حربي، كافر حربي هذا الذي يحارب المسلمين، وكافر معاهد، وهذا الكافر المعاهد الذي يكون بينه وبين دولته وبين المسلمين عهد على عدم الحرب، وكافر ذمي، الكافر الذمي هو الذي يدفع الجزية للمسلمين، يعيش في دولة الإسلام ويدفع الجزية، والرابع هو الكافر المستأمن الذي يدخل بلاد المسلمين بأمان، سواء كان بأمان الدولة أو بأمان أحد المسلمين. مثل الدكاترة أو المهندسين، مسلم معه مصنع، سيأتي بمهندسين من الكفار وغيرهم، فهؤلاء يدخلون على أمانه، فهذا يسمى مستأمن. ومثل قتل الكفار، لا شك أن هذه الآيات التي نزلت في قتال الكفار هي في القسم الأول، هذا الذي يقتل، وأما المعاهد والذمي والمستأمن فهذا لا يجوز قتله إلا إذا خالف العهد الذي عليه. لكن في مسألة الموالاة جميعهم سواء، جميع الكفار سواء، سواء كان ذميا أو معاهدا أو غيره، سواء كان سلماً لأهل الإسلام أو لم يكن سلماً، معنى ليس معادي أو ليس محارب، لكنه كافر، فهؤلاء كلهم سواء في عدم موالاتهم ومودتهم. فقال في هذه الآيات النهي الشديد، والله عز وجل صدر هذه الآية بقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، وتقدم كثيراً أن العلماء قالوا: إذا سمعت ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فأنصت لها سمعاً، فإما أمر تؤمر به وإما نهي تنهى عنه، وهذه الآية فيها نهي. قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾، ربنا جل وعلا كما سيأتي قدم أن هذا الكافر عدوه، قدم جل وعلا عداوته حتى يعرف أنه عدو، عدو لله وعدو لدينه وعدو للمؤمنين. فقال المؤلف: وهذه الآيات فيها النهي الشديد عن موالاة الكفار من المشركين وغيرهم، وإلقاء المودة إليهم، المودة هي المحبة، وإلقاء المودة إليهم، وهنا المحبة قد تكون محبة قلبية، وقد تكون ليست قلبية، وقد تكون هذه المحبة لدينهم، وقد تكون ليس لدينهم لأمور أخرى. لكن هنا المودة كلها منهي عنها، لا يواد أهل الكفر أبدا، والمودة هي المحبة، والموالاة من أركانها المحبة، الموالاة حقيقتها معنى ترتكز على ركنين: المودة والنصرة، أو المحبة والنصرة، الموالاة ترتكز على المحبة والنصرة، فمعنى يوالي أن يحبه وينصره. فالذي يوالي يوالي ربه جل وعلا كما قال الله عز وجل: ﴿ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون﴾، يتولى الله أن يحب الله وينصر دين الله جل وعلا، وكذلك يحب النبي عليه الصلاة والسلام وينصر سنته، ويحب أهل الإسلام وينصر ما هم عليه، فهذه الموالاة. فلهذا هنا في هذه الآية إلقاء المودة للكافر لا تجوز، إلقاء المودة لكافر لا تجوز، وهذا ينبغي خاصة للشباب الذين ابتلاهم الله عز وجل بمحبة اللاعبين وغيرها، يسمع مثل هذا الكلام يركز في هذا الكلام، لأن محبة مثل هؤلاء الكافرين وإن كانت ليست لدينهم فهي تخدش في البراءة من هؤلاء المشركين. لأن البراءة من المشركين البراءة أيضا ترتكز على ركنين: البغض والعداوة، كما سيأتي في الآيات التي بعدها، البغض والعداوة، فلهذا إذا أحب هذا اللاعب أو غيره، كثير من الشباب تجدوا على خير، بل بعضهم يحفظ القرآن، لكن ابتلي بهذه التشجيعات، هذا يشجع الفريق الفلاني، وهذا يشجع الفريق الفلاني، ذاك برشلونة، وهذا مندر إلخ. فمثل هذه الأشياء ينتبه لها الشباب، هذه تخدش في هذه الفريضة العظيمة وهي الولاء والبراء، فهو يحب هذا اللاعب، صحيح أنه ليس لدينه، لأنه لو كان لدينه لكفر وخرج من دين الله، لكن إلقاء المودة والمحبة لمثل هؤلاء الكفار يعتبر محرم لا يجوز. لأن الله عز وجل قال هنا: ﴿تلقون إليهم بالمودة﴾، تلقون إليهم بالمودة أي بالمحبة، ولو كانت كما قلنا محبة ليست لدينه، محبة لأجل أنه لاعب، محبة لأجل أنه مغني، محبة لأجل أنه ممثل، وغيرها من هذه الأشياء، هذه تدخل في الآية. تدخل في الآية لأن الله عز وجل نهى عن المودة مودة هؤلاء الكفار، لا ينبغي لمسلم أن يكون في قلبه مودة لكافر لأنه عدو الله، فكيف إذا كان هذا الكافر يعادي المسلمين وينصر من يحاربهم، ومن أيضا يعاديهم مثل هؤلاء اليهود. فتجد مثل هؤلاء بعض اللاعبين يهودي، مثل ميسي هذا يهودي حاقد، فكيف أنت تحبه وهو يبغض الإسلام بل ويدعم من يقتل المسلمين؟ فلهذا ينتبه كثير من الشباب لمثل هذه الأمور، فجانب الولاء والبراء مهم جدا. لأنه كما قال الله عز وجل: ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله﴾، لا تجده أصلا، كيف يكون مؤمن وهو يواد ويحب أهل الكفر؟ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله. لو كانوا يؤمنون بالله ويؤمنون بالآخر، باليوم الآخر، أي أنهم يرجعون إلى الله، لما أحبوا هؤلاء الكفار ولا ألقوا إليهم المودة، فقال جل وعلا: ﴿تلقون إليهم بالمودة﴾، فقال: وإلقاء المودة إليهم وأن ذلك مناف للإيمان ومخالف لملة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام. ومناقض للعقل الذي يوجب الحذر كل الحذر من العدو، أن هذا عدو، فلهذا كما نبه ربنا جل وعلا وركز على أن هذا أولا عدوه الكافر عدو للإسلام، وإن كان لا يحارب، لكنه في قلبه ما يريد الإسلام ينتشر، وأيضا يبغض أهل الإسلام، فهو على دين آخر. وإن كان مثلا يعاملك معاملة طيبة ويعاملك مثلا بالوجد والاحترام، لكنه يبطن في نفسه الكفر الذي أو يبطن في نفسه أنه لا يريد أنك تعلو أو دينك يعلو، لأنه على دين مثل هؤلاء التنصيرين الذين ينتشرون في بلاد الإسلام، وخاصة في الأماكن البعيدة عن العلم. فتجد أنهم يعاملون الناس معاملة طيبة، دكتور أو مهندس أو كذا، فيغتر بهم بعض الناس، فلهذا يحذر المسلم من مثل هذه المزلة، فقال: يوجب الحذر كل الحذر من العدو، والذي لا يبقى من مجهوده في المدارة شيئا، معنى لا يواده أبدا. أو قال: لا يبقى من مجهوده في العداوة شيئا وينتهز الفرصة في إيصال الضرر إلى عدوه، أنا الكافر إذا وجد فرصة على المسلم لقام عليه، لكن إذا وجد نفسه مستضعف أو أنه في حال يريد أن يكسب هذا المسلم فتجده يلين له. قال: فقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي يعملوا بمقتضى إيمانكم من ولاية من قام بالإيمان ومعادات من عاداه، المؤمن يوالي أهل الإيمان، هذا الذي طلبه الله عز وجل من المؤمنين أنه يوال أهل الإيمان: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا﴾، إنما وليكم الله، هذا حصر الولي للمؤمن هو الله عز وجل ورسوله وأهل الإيمان. لا يجوز له أن يتخذ أولياء غيره، فلهذا لا بد أن يكون ولايته لهؤلاء ومعاداته للكفار، يعادي الكفار، قال: فإنه عدو لله وعدو للمؤمنين، وقول: ﴿لا تتخذوا عدوي﴾ أي عدو الله، فهذا أيضا تنبيه من الله عز وجل أن هذا الكافر أولا قبل أن يكون عدو لأهل الإسلام هو عدو لله. لأنه رفض ما جاء عن الله عز وجل، الله عز وجل خلقه ورزقه ويسر له وأمره بعبادة، فرفض، فرفض عبادة الله وكفر بالله جل وعلا، فهذا عدو يعتبر، فلهذا هذا العدو الذي يكون لله وعدو أيضا لكم، لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء، تلقون إليهم بالمودة أي تسارعون في مودتهم والسعي في أسبابها. فإن المودة إذا حصلت تبعتها النصرة والموالاة، والموالاة هنا أيضا للنصرة محبة ونصرة، قال: فخرج العبد من الإيمان وصار من جملة أهل الكفران، وكما تقدم معنا أنه قد يكون الإنسان يواد أهل الكفر أو يفعل ما يؤدي إلى موالاتهم، لكنه قد يكون في قلبه أنه لا يحبهم ولا يحب إظهارهم، وإنما قد يكون لمصلحة. فلهذا أخذ من الحديث الذي ذكرناه بالأمس حديث حاطب بن أبي بلتعة، أن الإنسان قد يفعل ما يكون فيه موالاة للكفار، لكنه لا يقصد محبتهم القلبية ولا يحب دينهم، ولا أيضا يفعل ذلك ارتدادا عن دين الله، كما قال حاطب بن أبي بلتعة رضي الله تعالى عنه. ولهذا قال أكثر أهل العلم، وخاصة أهل السنة، أن حديث حاطب بن أبي بلتعة يدل على أن المحبة ذنب، على أن المحبة ذنب، فإذا اقترنت بالمحبة القلبية ومحبة لدينهم تعتبر كفر، تعتبر كفر، وإلا الأصل أنها لا يحكم عليها بالكفر إلا إذا تبين هذا الأمر. وأما استدلال بعض المعاصرين الآن، بعض المعاصرين كالسرورية وغيرهم، يحومون حول هذا الحديث لأجل أنهم يقولون أن مثل هذه الأفعال ولو كانت ظاهرة ليست قلبية وليست عن نصرة هؤلاء ولا محبتهم لأجل دينهم، يقولون أن مجرد المحبة كفر. أو مجرد الميل بشيء ولو لم يعتقد في قلبي هذه محبة هؤلاء ونصرتهم، ولا أيضا يعتقد أن أو يريد إعلاء دين الكفار على المسلمين، بل هو يحب أن يعلو دين الله، لكن هناك مصالح أحيانا تضطره إلى مثل هذه الأمور، مثل ما فعل حاطب بن أبي بلتعة رضي الله، فلهذا في الحديث كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره يدل على أن المودة المجردة تعتبر ذنب، ليست كفرا، وإنما ذنب. لكن قد تؤدي إلى الكفر إذا حصلت هناك أيضا لها شيء من النصرة والمحبة القلبية، قال: ولهذا ما تجد أحدا من أهل السنة يفسر أن فعل حاطب يعتبر كفرا أصلا، إلا بعض المعاصرين كما قلنا، حتى أنهم يتركون ويخالفون شيخ الإسلام، مع أنهم دائما يأخذون كلام شيخ الإسلام، لكن هنا ما أخذوا كلامه لأنه خالفهم في هذه الحيثية. قالوا: لهذا المتخذ الكافر وليا عادم المروءة أيضا، عادم المروءة أيضا، معنى ما عنده مروءة، الذي يتخذ كافر وليا ويحبه ما عنده مروءة مروءة الإسلام، قال: فإنه كيف يوالي أعداء عدائه الذي لا يريد له إلا الشر، ويخالف ربه ووليه الذي يريد به الخير ويأمره به ويحثه عليه. ومما يدعو المؤمن أيضا إلى معاداة الكفار أنهم قد كفروا بما جاء المؤمنين من الحق، وهذا تعليل الله عز وجل: ﴿وقد كفروا بما جاءكم من الحق﴾، هذا أولا تعليم أن هذا الكافر كفر بما جاء في دين الله عز وجل، هذا ما يدعو إلى بغضه ويدعو إلى عدم مناصرته ومحبته. قال: قال: أنهم قد كفروا بما جاء المؤمنين من الحق، ولا أعظم من هذه المخالفة والمشاقة، فإنهم قد كفروا بأصل دينكم، وزعموا أنكم ضلال على غير هدى، قال: والحال أنهم قد كفروا بالحق الذي لا شك فيه ولا مرية. ومن رد الحق فمحال أن يوجد له دليل أو حجة تدل على صحة قوله، بل مجرد العلم بالحق يدل على بطلان قول من رده وفساده، وهذا لا شك أنه من الله وهو حق، فكيف يرده؟ فما رده إلا لأنه زائغ القلب، وليس لو حجة في رد ما جاء عن الله عز وجل. ولهذا تجد حجة النصارى وحجج اليهود كلها حجة تافهة، كما قال الله عز وجل كلها أماني، قال الله عز وجل: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾، هاتوا الدليل، هاتوا الحجة على أنكم صادقون وأن الله عز وجل يحبكم وأنه وليكم، هاتوا حجتكم هاتوا دليل. لكن ما عندهم حجة، قالوا: من عداوتهم البليغة أنهم يخرجون الرسول وإياكم أيها المؤمنون من دياركم، ويشردونكم من أوطانكم، هذا أيضا دليل على عداوتهم، فهم لا يحبون أهل الإيمان، لا يحبون أهل الإيمان، بل يحبون إخراجهم من بلادهم. وأيضا تهجيرهم، مثل ما يفعل اليهود الآن بإخواننا في غزة حفظهم الله تعالى وحرسهم الله، وأيضا أقر عينهم بهزيمة هؤلاء اليهود وخذلانهم، فهؤلاء اليهود تجد أنهم يريدون أن يخرجوا أهل الإسلام من أوطانهم ومن بلادهم حتى يحتلوها حتى يسكنوها، فهم لا يريدون الإسلام ينتشر، يريدون أن يكبتوا الإسلام أهله. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿يخرجون الرسول وإياكم﴾ أي أنتم أيضا يخرجونكم، قال: ﴿ولا ذنب لكم في ذلك عندهم إلا أن تؤمنوا بالله ربكم﴾، لهذا الله عز وجل هنا نبه أي شيء ذنب لأجل أن يخرجوكم لأنكم تؤمنون بالله. فقال: ﴿وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم﴾، معناه أنكم لماذا هم يخرجوكم؟ لأنهم لأنكم تؤمنون بالله، لأنكم تؤمنون بالله ربكم، فلهذا تجد عداوة الكفار للمؤمنين لأنهم يؤمنون بالله. كما قال الله عز وجل في مؤمن لما على لسان مؤمن آل فرعون: ﴿أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله﴾، أنا ليش تقتلون؟ لأنه قال: ربي الله، ومثل ما قال أبو بكر أيضا: ﴿أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله﴾، وقال الله عز وجل أيضا على لسان بعض أهل الإيمان: ﴿وما تنقمون منا إلا أن آمنا بالله﴾. فلهذا فهؤلاء الكفار ينقمون ويبغضون أهل الإسلام لأجل أنهم آمنوا بالله، فهم أعداء الله أصلا، ثم أعداء أهل الإيمان، فهم لم يعادوا أهل الإيمان إلا لأنهم آمنوا بالله، فلهذا نبه الله عز وجل على هذا الأمر، فقال: ﴿إلا أن تؤمنوا بالله ربكم﴾، معنى أنه لا ذنب لكم عندهم إلا أنكم مؤمنون. قال: الذي يتعين على الخلق كلهم القيام بعبوديته، وقد ذكر الله عز وجل حسد اليهود وودهم وأمنيتهم أنهم يجعلوكم من أهل الكفر، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في قول جل وعلا: ﴿وودوا لو تكفرون﴾، قال: لأنه رباهم وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة. قال: فلما أعرضوا عن هذا الأمر الذي هو أوجب الواجبات وهو الإيمان، وقمتم به عادوكم وأخرجوكم من أجله من دياركم، فأي دين وأي مرؤة وعقل يبقى مع العبد إذا والى الكفار الذين هذا وصفهم في كل زمان أو مكان؟ ولا يمنعهم منه إلا خوف أو مانع قوي. أي مرؤة وعقل أن الرجل يوالي مثل هؤلاء الذين هم يحبون إخراجه، هم يريدون له الأذى، وهو يريد لهم الخير؟ فهذا خطأ، قال: إن كنتم خرجتم جهادا في سبيله وابتغاء مرضاته، أي إن كان خروجكم مقصوده به الجهاد في سبيل الله ولإعلاء كلمة الله وابتغاء رضاه. فعملوا بمقتضى هذا أنتم لأن تقاتلونهم لأجل الله عز وجل، فكيف بعد ذلك تلقون إليهم المودة؟ فهنا أراد الله عز وجل أيضا أن ينبه أهل الإيمان، أنتم الآن كيف تقاتلون هؤلاء؟ لماذا تقاتلونهم؟ لأنهم كفار، فكيف بعد ذلك تفعلون ما يواد هؤلاء؟ قال: فإن هذا من أعظم الجهاد في سبيله، ومن أعظم ما يتقرب المتقربون إلى الله ويبتغون به رضا، معنى معاداة أعداء الله عز وجل، قال: ﴿تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم﴾، أي كيف تسرون الكفار بالمودة وتخفونها مع علمكم أن الله عالم بما تخفون وما تعلنون؟ أنا هنا أراد الله عز وجل ينبه من يحب الكفار، فإن الله عز وجل يعلم ما في القلوب، قال: فهو وإن خفي على المؤمنين فلا يخف على الله تعالى، وسيجازي العباد ما يعلمه منهم من الخير والشر، مثل ما ذكر الله عز وجل عن بعض المنافقين أنهم إن كان لكم فتح قالوا: ﴿ألم نكن معكم﴾. وإن كان للكافرين قالوا: ﴿ألم نمنعكم من المؤمنين﴾، فهؤلاء معناه يتذبذبون، معناه إذا انتصر أهل الإسلام قالوا: نحن معكم، وهم أصلا ما يحبون انتصار أهل الإسلام، وإنما يحبون انتصار أهل الكفر، لكن الله عز وجل عالم بالقلوب. قالوا: ﴿من يفعله منكم﴾ أي موالاة الكافرين بعدما حذركم الله منها، فقد ضل سواء السبيل، لأنه سلك مسلكا مخالفا للشرع والعقل والمروءة الإنسانية. طيب نكتفي بهذا والله تعالى.