تفسير سورة الممتحنة من تفسير السعدي 4

تفسير سورة الممتحنة من تفسير السعدي 4

الدرس في تفسير سورة الممتحنة من تفسير السعدي 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الأسوة الحسنة والبراءة من المشركين

يشرح العلامة السعدي الأسوة الحسنة في إبراهيم والذين معه، ويبين وجوب البراءة من المشركين وما يعبدون من دون الله. يشدد على أهمية التبرؤ من الكفار وعدم اتخاذهم أولياء.

طبيعة العداوة بين المسلمين والكفار

يشرح أن العداوة بين المسلمين والكفار هي عداوة دين وليست مصالح شخصية، ويستدل على ذلك بآيات قرآنية وأحاديث نبوية. يبين أن الكفار ليسوا على درجة واحدة من العداوة للمسلمين.

اتباع ملة إبراهيم والاستغفار للمشركين

يفسر الآيات القرآنية المتعلقة بالاستغفار للمشركين، ويبين أن الاستغفار للمشركين لا يجوز للمسلمين. يوضح أن اتباع ملة إبراهيم يعني التوكل على الله والبراءة من الكفر.

معاملة المنافقين والرحمة لهم

يشير إلى أن للمنافقين رحمة في المعاملة سيتم تفصيلها لاحقا في الآيات القادمة. يذكر اكتفاء الحديث في هذا الموضع وأن الله تعالى أعلم بالحقيقة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى: عند قول الله جل وعلا: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير﴾، يقول رحمه الله تعالى: قد كانت لكم يا معشر المؤمنين أسوة حسنة، أي قدوة صالحة وإتمام ينفعكم، أيها الله عز وجل، يذكر عباده أنهم ليسوا وحدهم على هذه الطريق، بل هناك من يقتدون به، وهي دعوة نبي الله إبراهيم ودعوة الأنبياء، أنهم يدعون أقوامهم إلى البراءة من المشركين ومغالاة أهل الإيمان. فلهذا ذكر ربنا جل وعلا أن لنا أسوة حسنة في هذا الباب العظيم، لأنه متعلق بالكفر والإيمان، متعلق بحياذة وتميز أهل الإيمان عن غيرهم من أهل الكفر والنفاق. فقال الله عز وجل: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة﴾، أي قدوة صالحة وإتمام ينفعكم في إبراهيم والذين معه، أي من المؤمنين، لأنكم قد أمرتم أن تتبعوا ملة إبراهيم حنيفا. فإبراهيم، كما قال الله عز وجل: ﴿إن إبراهيم كان أمة﴾، أي إماما يقتدى به عليه الصلاة والسلام، وكان إماما في التوحيد، وهو إمام الموحدين عليه الصلاة والسلام. فلهذا أمرنا الله عز وجل أن نتبع ملة إبراهيم حنيفا، وما كان من المشركين. قال الله عز وجل: ﴿إذ قالوا لقومهم﴾، أي نبي الله إبراهيم وقومه، إذ قالوا لقومهم: ﴿إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله﴾، أي إذ تبرأ إبراهيم عليه السلام ومن معه من المؤمنين من قومهم المشركين ومما يعبدون من دون الله. وهذا واجب على كل مسلم أن يتبرأ من كل ما يعبد من دون الله، وكذلك أن يتبرأ من كل من عبد غير الله من المشركين. فلهذا قال: ﴿إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله﴾. لابد للمسلم أن يكفر بما عبد من دون الله، كما جاء في حديث طارق بن شهاب: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله». ومن المقتضى هذه الشهادة العظيمة «لا إله إلا الله» أنك تتبرأ من شرك المشركين، بل وتتبرأ من المشركين أنفسهم. قال: ثم صرحوا بعداوتهم غاية التصريح، فقالوا: ﴿كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء﴾، وهذا من ركني التبرأ من الكفار. لابد للمسلم أن يظهر العداوة والبغضاء كما أظهر الكفار عداوتهم لأهل الإسلام. ولهذا الله عز وجل قدم في بداية السورة أنه قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾، فهم أعداء يتربصون بأهل الإسلام الدوائر. وكذلك أيضا يتمنون أن يكفر أهل الإسلام مثلهم بدين الله جل وعلا، ﴿ودوا لو تكفرون﴾، فهم أعداء كما قال الله عز وجل: ﴿إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء﴾، لو وجدوا فيكم فرصة لفعلوا فيكم الأعاجيب. ولهذا هذا دأب جميع الكفار، ليس هناك من الكفار من يرحم أهل الإسلام ويكون معهم إلا إذا كانت له مصلحة. صحيح أن هناك من الكفار من هو أولى من غيره من ناحية الرفق، كما قال الله عز وجل في النصارى: ﴿ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى﴾. وهذه الآية ليس فيها أن النصارى من أهل الإسلام كما ظنه بعض المنحرفين، حتى استدلوا بمثل هذه الآية على أن العداوة التي بيننا وبين اليهود ليست عداوة الدين، وإنما عداوة أرض. وكذلك العداوة التي بيننا وبين النصارى، قالوا أنها ليست عداوة الدين. وهذه الآيات تكذبهم، وأن العداوة التي بيننا وبين الكفار هي عداوة دين. فلهذا تعلم خطأ قول من قال من الإخوان المسلمين أن العداوة التي بيننا وبين اليهود عداوة أرض، كما صرح بذلك قائدهم ومؤسس الإخوان المسلمين حسن البنا، وكذلك القرضاوي، وغيره من هؤلاء يقولون أن العداوة التي بيننا وبين اليهود عداوة أرض، وهذا كلام باطل، بل عداوة دين. قال: ﴿حتى تؤمنوا بالله وحده﴾، أي فإذا آمنتم بالله وحده زالت العداوة والبغضاء وانقلبت مودة وولاية. فلكم أيها المؤمنون أسوة حسنة في إبراهيم ومن معه في القيام بالإيمان والتوحيد ولوازم ذلك ومقتضياته، لأن الولاء والبراء من مقتضيات الإيمان والتوحيد. فمن أخلى بها فقد أخلى بشيء عظيم من توحيد الله جل وعلا. قال: «وفي هذا دليل على أن المؤمن لا يكون من أهل المصالح، إن وجد نفعا منهم ودى إليهم وتقرب إليهم، وإن لم يجد نفعا بارزهم بالعداوة والبغضاء، بل المؤمن يبارزهم بالعداوة والبغضاء أبدا». وإن عاملهم مثلا معاملات عادية كما سيأتي إن شاء الله، فهذا جائز، وخاصة غير الحربيين. لأن الكفار كلهم أعداء، لكن هناك من هو أكبر عدوا للمسلمين من غيره. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿لتجد أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا﴾. فالكفار ليسوا على مرتبة واحدة في عداوة أهل الإسلام، وكذلك أيضا أهل الإسلام ليست عداوتهم وبغضاءهم للكفار واحدة، بل يعادون من يحاربهم ومن يقتل المسلمين أكثر. فاليهود الآن هم أبغض الناس وأبغض الكفار لأهل الإسلام، لأنهم يعتدون على المسلمين ولأن عداوتهم أشد كما ذكر الله عز وجل. قال: «إلا قول إبراهيم لأبيه»، قال: «إلا في خصلة واحدة»، أي لا تقتدوا به إبراهيم قدوة عظيمة، لكن في هذه الخصلة لا تقتدوا به، لأنها مخالفة للعداوة التي تكون بين أهل الإسلام وبين غيرهم. فهذه ليس لكم أن تقتدوا بإبراهيم، هذه حالة خاصة، هذه حالة بين إبراهيم وبين ربه جل وعلا، أنه كان يظن شيئا، ثم إنه عرف أن هذا التولي أو هذا الاستغفار لأبيه أنه لا ينبغي. وقال جل وعلا: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه﴾. فهذه الموعدة هو قوله: «ولا تخزني يوم يبعثون»، فوعد أباه أنه سيشفع له يوم القيامة، لكن بين الله له أن الكافر لا يشفع له، وأن الكافر يكون من أهل النار. ولهذا جاء في الحديث أن إبراهيم يقول لربه سبحانه وتعالى يوم القيامة: «يا رب إنك وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون»، فأي خزي من أبي؟ فأراد أن يتقرب إليه، قال: فقال الله عز وجل لإبراهيم: «انظر تحتك»، فنظر تحته، فإذا هو بدابة متشحطة في دمها ورجلا على صورة أبيه، فألقي في النار. فتبرأ منه إبراهيم، أي أراد الله عز وجل أن يبين له أن المشرك مثل هذه الدابة التي هي في رفثها ودمها، فليس له قيمة عند الله عز وجل. قال: ﴿إلا قول إبراهيم لأبيه﴾ آزر المشرك الكافر المعاند حين دعاه إلى الإيمان والتوحيد فامتنع. فقال إبراهيم له: ﴿لأستغفرن لك﴾، قال: «حال أني ما أملك لك من الله من شيء، ولكني أدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا». قال: «فليس لكم أن تقتدوا بإبراهيم في هذه الحالة التي دعا بها للمشرك». ولهذا نبينا الكريم صلوات الله وسلام عليه بين لأهله وخاصته أنه لا يملك لهم من الله شيئا. فخص وعم عليه الصلاة والسلام عم بقريش وببني عبد مناف، وكذلك خص بخص الناس به عمه وعمته وبنته فاطمة، وغيرهم من خصهم بالخطاب أنه لا أغني عنكم من الله شيئا. كان يقول عليه الصلاة والسلام: «اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئا»، مع أنه قال: «اشتروا أنفسكم من النار، آمنوا بالله وعبدوا الله». وأما أنا فلا أنفعكم إذا لم تعبدوا الله جل وعلا. قال: «فليس لكم من تدعو للمشركين وتقول: إن في ذلك متبعون لملة إبراهيم، هذا لا يجوز». ولهذا قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾. لا يجوز للمسلم أن يستغفر للكافر. فمن دعا للمشركين وقال: إن في ذلك اتباع لملة إبراهيم، فهذا لا يجوز. لأن الله ذكر عذر إبراهيم في ذلك بقوله: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه﴾. فلهذا لا يجوز للمسلم أن يستغفر للمشرك، ولو كان من أقرب الناس إليه. قال: ﴿لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة﴾، حين دعوا الله وتوكلوا عليه، وأنابوا إليه، واعترفوا بالعجز والتقصير. فقالوا: ﴿ربنا عليك توكلنا﴾، أي اعتمدنا عليك في جلب ما ينفعنا ودفع ما يضرنا، ووثقنا بك يا ربنا في ذلك. فالرزق عليك، وأيضا تسخير الخير منك. فلهذا لو كانت هناك مصلحة للعبد مع كافر، لا ينبغي له أن يخضع له، وأن يذل له لأجل هذه المصلحة. فإن المسلم لا ينبغي أن يذل للكافر مهما كان. قال: ﴿وإليك أنبنا﴾، أي رجعنا إلى طاعتك ومرضاتك وجميع ما يقرب إليك. فنحن في ذلك ساعون، وبفعل الخيرات مجتهدون، ونعلم أن إليك المصير، فنستعد للقدوم عليك، ونعمل ما يزلفنا إليك. قال: «فالدعوة الإسلامية أن الواجب أن يوالي أهل الإسلام ويتبرأ من أهل الكفر ويبغضهم، فهذا الذي توكل على الله، والذي أراد الله جل وعلا». لأن الله عز وجل هو الذي خلق العباد، وهو الذي شرع لهم هذه الشرائع، ورحمته جل وعلا وسعت كل شيء. فلو كان في هذا الباب رحمة لهؤلاء، لأمرنا الله عز وجل بهذا. لكن لهم رحمة من ناحية المعاملة، سيأتي إن شاء الله تعالى ذكرها في الآيات التي بعد ذلك. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.