كتاب الأضاحي والعقيقة 2

الدرس في كتاب الأضاحي والعقيقة 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أحكام الأضحية قبل ذبحها

ناقش حكم أخذ الشعر والظفر لمن يريد الأضحية عند دخول عشر ذي الحجة، واختلاف العلماء في ذلك بين الكراهة وعدمها. كما تطرق إلى السن المجزئ في الأضحية وحدوده الشرعية.

السن المجزئ في الأضحية وحدوده

الجمهور يرون أن الأضحية لا تجزئ إلا بالثني من الإبل والبقر والمعز، والجذع من الضأن، مع توضيح السن المطلوب لكل نوع.

شروط صحة الأضحية والعيوب المانعة

تطرق إلى شروط صحة الأضحية ومنها أن تكون من بهيمة الأنعام وبلوغ السن المعتبر شرعاً وعدم العيوب المانعة من الإجزاء. كما ناقش آراء الفقهاء في بعض العيوب.

تتمة الكلام عن العيوب المانعة من إجزاء الأضحية

ناقش حكم مدامة العوراء والعمياء في الأضحية، واختلاف الفقهاء في ذلك، مع التركيز على رأي الظاهرية والراجح في المسألة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: أسأل عند الشافعي وأحمد وإسحاق وأكثر العلماء يكره لمن أراد أن يضحي إذا دخل عليه عشر ذي الحجة أن يأخذ شعره وظفره، وعند أبي حنيفة لا يكره ذلك، وعند أحمد في رواية وإسحاق يحرم عليه ذلك. هذه المسألة مسألة إذا دخل العشر وأراد أحد أن يضحي فلا يأخذ من شعره وظفره. وجاء في رواية بشري هذه المسألة، جاء في حديث أم سلمة الذي أخرجه الإمام مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من ظفره شيئا. وهذا الحديث تكلم عليه بعض العلماء من ناحية سنده، لأنه قد جاء موقوفا على سعيد بن مسلمة، أي من كلامه، ورواه بعضهم موقوفا على أم سلمة من كلام أم سلمة، ورواه مالك مرفوعا من حديث أم سلمة. ولهذا فقد يكون هذا الحديث عنده أم سلمة مرفوعا، وحيانا تأتي به من كلامها، لكن الإسناد واحد. وهذا من باب الإشكال. وأكثر العلماء على أنه صحيح. وقد ذكر الإمام ابن قيم في تهذيب السنن أن الدارقطني في بعض كتبه أعلى، لكنه غير موجود في العلل المطبوع ولا في التتبع. ويقال أن دارقطني وهو كتاب أيضا آخر غير التتبع، ولعله هذا الذي نقل منه ابن القيم في تهذيب السنن. لكن الذي مشى عليه أكثر العلماء أنه حديث صحيح. وأما من ناحية المسألة، فبعضهم حمل النهي على الكراهة، حمل النهي على الكراهة، وهو مذهب الشافعي، وفي رواية عن أحمد وأكثر العلماء أنه يكره. واستدل الشافعي على الكراهة على أنه ليس للتحريم بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يبعث هديه إلى مكة ولا يحرم على نفسه شيئا. والاستدلال بهذا الحديث من أين الاستدلال بهذا الحديث؟ يقول الشافعي: أن هذا الذي يمسك عن شعره وعن بشره هو أصلا لأجل مثل الحجاج، مثل الحجاج الذين يمسكون عن شعورهم، ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله. معنى إذا ذبح الهدي بعد ذلك احلقوا رؤوسكم فلكم ذلك، لكن قبل أن يبلغ الهدي محله فلا تأخذوا ولا تحلقوا شيئا من رؤوسكم. فقال: هو ما أخذ من الحج. فما دام أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث هديه الذي هو مقارب للحج يبعث هديه ولا يحرم عليه شيء، فكيف بمن ليس معه هدي وإنما أضحية؟ وأيضا يقال: أنه يحرم عليه معنى من هذا الباب. ولهذا استدل الشافعي على أن هذا من باب الاستحباب، ومن باب الكراهة الأخذ، أنا ضده جاء النهي عنه، أو الأمر بالامساك، فلا يأخذ هذا بالنهي، وجاء أيضا بالأمر فليمسك عن شعره وبشره، فهذا كما قلنا الأمر للاستحباب والنهي للكراهة. وأما أحمد في المشهور عنه، وداود بن علي الصفهاني صاحب المذهب الظاهري، فقال: بأنه واجب، واجب يمسك ولا يجوز له أن يأخذ شيئا من شعره ولا من بشره. وأما حديث الهدي فلا يدل على معنى لا يدخل، قالوا: ليس بينهما ارتباط، فهذا حكم وهذا حكم، فلهذا كما قلنا إذا صح الحديث فيحمل على ظاهره أنه لا يجوز أن يأخذ من شعره ولا من بشره ولا من ظفره. معنى ما يجوز من بشره مثلا، حيانا بعض الناس يكون في رجله قشر تقشر رجله مثلا يقوم يخرج اللحم، هذا يعتبر أخذ من بشره، فلا يأخذ من بشره شيئا. وهذا النهي على من يتولى الأضحية، معنى يوكله أهل، إن كان هو وليهم أبوهم مثلا، فهو الذي يمتنع. وأما الآخرون فلا يمتنعون، لأنه لا يدخلون في النهي أو لا يدخلون في الحديث. وأيضا كذلك إذا لم يكن أحد منهم وليا فينبغي عليهم أن يوكلوا أحدا منهم حتى يكون هو المسؤول عن هذه الأضحية، فهو الذي يمسك حتى ما عنده شيء طيب، فهذا الذي يمسك كما قلنا، وبقيتهم لا يمسكون. لكن إذا كان هم مشتركون معنا، هم أسرة واحدة، لكنهم كلهم يجمعون مالهم ويشترون مثلا أضحيتهم وطعامهم معا، كل واحد يدفع سهمه، فهؤلاء كلهم يمسكون، إما أن يوكلوا أحدهم بالأضحية فهو الذي يمسك، أو أنه كلهم يمسكون. قال عند الشافعي: لا يجزئ في الأضحية إلا الثني من الإبل والبقر والمعز، والجذع من الضأن. وعند الزهري وابن عمر لا يجزئ الجذع من الضأن. وعند الأوزاعي يجزئ الجذع من جميع الأجناس. ونقل في البيان عن عطاء موافقة للأوزاعي. وعند الحسن يجزئ الجذع من الإبل والبقر. ونقل في المعتمد موافقة لعطاء في الإبل. والآن هذه المسألة هذا الشرط الثاني في الأضحية وهو السن. السن المجزئ في الأضحية، فأكثر العلم على أنه لا يجزئ في الأضحية إلا الثني من الإبل والبقر والمعز، والجذع من الضأن. وهذا قول أحمد كذلك. والمراد بالثني أي ما له سنتان. من الإبل ما له خمس سنوات، ومن البقر ما له سنتان، ومن الماعز ما له أيضا سنتان. والجذع من الضأن ما له سنة. معنى من الإبل خمس، ومن البقر سنتان، ومن الضأن سنة. والضأن معناه هذا لفظ عام يدخل فيه الماعز ويدخل فيه غير الماعز. معناه هذا الكبش يسمى الضأن. واللفظ العام الشاه، نحن عندنا يقولون الشاه على الماعز، لكن الشاه لفظ عام يدخل فيه الماعز والضأن. مذهب الجمهور على أنه يجزئ الثني من الإبل والبقر والماعز، ولا يجزئ غيره. وأما من الضأن يجزئ أيضا الجذع. والجذع هو ما سقطت أسنانه. وأيضا يعرف الجذع عند أهل البهائم خاصة في الغنم، الجذع يكون قد قام شعره، إذا قام شعر الخروف هذا جذع، إذا كان لازال نائما فإنه ليس بالجذع. على الصغير يكون شعره نائما لما يخلق هذا الصغير يبقى هكذا إلى أن يجدع، إذا جدع قام شعره، فإذا قام شعره معناه أنه جذع. وهذا في الخروف خاصة، أما الماعز غالبا الماعز شعره نائم غالبا، لكن الخروف الصوف هذا يعرف التجديع بهذا. والجذع في الإبل ما له أربع سنوات، ومن البقر ما له سنة، ومن الأغنام ما له سنة. وعند الشافعي أنه سنة أيضا. فالجذع من هذه الأشياء كلها لا يجز إلا من الضأن. والجذع من الضأن هو الذي يجزئ في الأضحية. وللدلالة على هذا أن النبي عليه الصلاة والسلام قال في حديث جابر في صحيح مسلم: لا تذبحوا إلا مسنة، فإن عسر عليكم فاذبحوا جذعا من الضأن. ظاهر الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أنه لا يجزئ الجذع إلا إذا عسر، إذا ما وجد الإنسان الثني أو المسنة من الماعز، فإنه يأخذ الجذع من الضأن. لكن الصحيح أن الجذع من الضأن يجزئ ولو عنده مسنة. ويدل على هذا حديثا بالمورع أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: يجزئ من الجذع من الضأن ما يجزئ المسن. معناه يجزئ الجذع من الضأن، فلهذا يقال أن الجذع من الضأن يجزئ مدام الإنسان معه جذع من الضأن أجزأ. وأما الجذع من الماعز ما يجزئ. ويدل على هذا ما جاء في الصحيحين في حديث البراء أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: لا تذبحوا إلا مسنة. أو قال: من ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها أخرى. ومن لم يذبح فليذبح. وجاء في الحديث الآخر: من ذبح قبل الصلاة فهو لحم يقدمه لأهله ليس من النسك في شيء. فجاء في حديث البراء أن أبا برجة بن نيار خاله قال: يا رسول الله قد ذبحت قبل الصلاة وليس معي الآن إلا جذع من الماعز، وأرى أن هذا الجذع يوازي المسنة. معنى ظاهر جذع كبير معه، لكنه ليس مسنا من الماعز. فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: هل تجزئ؟ قال: نعم ولن تجزئ عن أحد بعدك. قال: نعم ولن تجزئ عن أحد بعدك. وهذا الحديث صريح أن الجذع من الماعز لا يجزئ، إذا كان إنسان معه جذع من الماعز لا يجزئ، لابد مسنة، لابد مسنة. فإذا لم يكن مسنة أو ثني فإنه لا يكون أضحية، لابد أن يكون مسنا سواء كان من الماعز أو من البقر أو الإبل. فلهذا لهذه الأدلة الصحيح الذي عليه مذهب جمهور العلماء أنه لا يجزئ إلا المسن من الإبل والبقر والماعز، ويجزئ الجذع من الضأن. قال عند الشافعي وأبي حنيفة وأحمد: الأفضل في الضحايا الإبل ثم البقر ثم الجذع من الضأن ثم الثني من المعز. والشاة أفضل من مشاركة السبعة في بدنة أو بقرة. وعند مالك الأفضل الجذع من الضأن ثم الثني من البقراء ثم الثني من الإبل. والصحيح كما قلنا أن الأفضل هو الجذع كما هو قول مالك. قال مثل عند الشافعي وبحنيفة وكثر العلماء: تجزي العطباء وهي التي انكسر ظاهر قرنها، وكذلك القصماء وهي التي انكسر باطن قرنها. وعند مالك: كانت العطباء يخرج من قرنها الدم لم تجز. وعند النوع أحمد: لا يجوز التضحية بالعطباء. الآن دخل في الشرط الثالث في الأضحية. الشرط الأول أن تكون من بهيمة الأنعام، والشرط الثاني السن. الآن الشرط الثالث أن لا تكون معيبة. وهذا يدخل تحته مسائل. أولا اتفق العلماء على أنها لا تجزي المريضة البين مرضها، والعوراء والعمياء، والكسيرة والعرجاء. وأيضا الكبيرة التي لا تنقي. في حديث البراء المسلم: أربع في الأضاحي لا تجزي: المريضة البين مرضها، والعوراء البين عورها، والعرجاء البين ضلعها، والكبيرة التي لا تنقي. فهذه أربع وصاف ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام أنها لا تجزي فيها أو أن تكون في الأضاحي. المريضة البين مرضها ما تكون عندها مثلا إسهال شديد أو تخمة أو شيء مرض يظهر فيها يتبين أنه مرض، فهذه لا تجزي في الأضاحي. إذا كان بها جرح أيضا جرح واضح، فهذا أيضا تعتبر مريضة لا تجزي في الأضاحي. والعوراء البين عورها يدخل في ذلك العمياء أيضا من باب أولى. العوراء التي ترى بعين واحدة فهي لا تجزي، لأن غالبا العوراء تكون هزيلة ما تأكل، ما تأكل لأنها لا ترى إذا جاء الطعام على العين التي هي لا ترى بها ما تأكل ما ترى، فلهذا فهي ما تأكل مثل الأغنام غالبا. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تجزي العوراء البين عورها. والعرجاء البين ضلعها العرجاء التي تعرج، ومن باب أولى يدخل فيها الكسيرة. مدام العرجاء لا تجزي، فالكسيرة من باب أولى. فهذه الأوصاف الأربع التي جاءت في الحديث هذا متفق عليها. لكن اختلفوا في أشياء أخرى، من هذه العطباء وهي التي انكسر ظاهر قرنها. فالعطباء مكسورة القرن، والجذعاء مكسورة الأذن أو مشقوقة الأذن أو مقطوعة الأذن، أقصد تسمى عطباء، أقصد القصواء وتسمى القصماء إذا انكسر بعض أذنها أو قرنها. النبي عليه الصلاة والسلام في حديث علي قال: أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تستشرف الأضاحي في عينها وقرنها وأذنها. وجاء في الحديث الآخر: هممت أن أنهى عن المقابلة والشرقاء. فهذه الأوصاف لم ينهى عنها النبي عليه الصلاة والسلام، لكن الأفضل تركها. المقابلة هي التي يكون فيها شق في أذنها، مقابلة الأذن معناه من الباطل. والمدابرة هي التي يكون في أذنها شق من الدبر عن قدر النصف. والمهم أن هذه الأوصاف لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تجزئ، لكن الأفضل أن لا تكون في هذه العيوب. الأفضل للأضحية أن لا تكون في هذه العيوب. فإذا تحققت هذه العيوب أنها تحققت أنها غير موجودة، فهذا الأفضل. فالأفضل أن لا تكون معيبة، لكن العيوب تنقسم إلى قسمين: منها عيوب لا تجزئ معها الأضحية، ومنها عيوب تجزئ معها الأضحية. قال عند الشافعي: يكره التضحية لمقطوعة الأذن وتجزئ. وعند أحمد: لا تجزئ الأضحية بها. والصحيح أنها تجزئ. مثلا عند الشافعي: يكره التضحية بالجلحاء وهي التي لم يخلق لها قرن وتجزئ. وعند النووي: لا تجزئ التضحية بالجلحاء. والصحيح أنها تجزئ، وهو قول الجمهور. الجلحاء التي ليس لها قرون مثلا. عند الشافعي: العرجاء البين عرجها لا تجزئ في الأضحية. وعند أبي حنيفة تجزئ مدامها تمشي. والصحيح أنها لا تجزئ، لا تجزئ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن العرجاء البين عرجها. مدام أن عرجها بين فلا تجزئ في الأضاحي. قال مثلا عند الشافعي: لا تجزي التضحية بالعمياء. وعند بعضهم للظاهر أنها تجزي. والصحيح أنها لا تجزي. فمدام العوراء فمن باب أولى العمياء، لكن الظاهرية أخذوا بالحديث فقط أنها عوراء، ولم يدخلوا العمياء. والعمياء لا شك أنها أولى، العمياء أولى بهذا.