الدرس في تفسير سورة الممتحنة من تفسير السعدي 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
العداوة للمشركين أمر إلهي، وقد تتغير إذا رجعوا إلى الإيمان. الهجر قد يصلحهم ويجعلهم يرجعون إلى الله.
يجب هجر الكفار والمبتدعين دون مغالاة، لاحتمال رجوعهم إلى الإيمان، وقد يتحول العداء إلى مودة إذا تابوا.
الله قادر على تغيير قلوب العباد وهدايتهم، وهو غفور رحيم يقبل توبة العاصين مهما كانت ذنوبهم.
تأثر المؤمنون بالآيات التي تحث على عداوة الكافرين، وحدد الله تعالى لهم حدود الصلة المسموح بها مع الكافرين.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة سعدي رحمه الله: عند قول الله جل وعلا ﴿عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم﴾، قال رحمه الله: ثم أخبر تعالى أن هذه العداوة التي أمر بها المؤمنين للمشركين، وصفهم بالقيام بها، أنهم ما داموا على شركهم وكفرهم، وأنهم إن انتقلوا إلى الإيمان فإن الحكم يدور مع علته، والمودة الإيمانية ترجع، فلا تيأسوا أيها المؤمنون من رجوعهم إلى الإيمان. فبعدما ذكر ربنا جل وعلا الحال الذي يكون بين المؤمنين وبين المشركين، أن أهل الإيمان يتخذونهم أعداء، ويعادونهم مثل معادات المشركين لهم، وقد ضرب الله عز وجل مثلا أصحاب إبراهيم أو إبراهيم وقومه، ومن كان معه من المؤمنين، فهم لنا أسوة حسنة، وتبرأوا من المشركين من أقوامهم ومن أهاليهم، فهذا أثمر بعد ذلك أولا التميز، تميز أهل الإيمان، لأن دخولهم مع الكفار يؤثر عليهم، دخول أهل الإيمان مع الكفار يؤثر عليهم في دينهم. فأهل الكفر يحرصون على أن يجعلوا أهل الإيمان مثلهم في الكفر، وودوا لو تكفرون، لكن الله عز وجل قطع العلاقة بين المسلم والكافر، بل حتى جاء عند النساء وغيره، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «المسلم والمشرك لا تتراءى نارهما»، لا يكون المسلم عند المشركين في مكانهم، بل لابد أن يميز نفسه ويبتعد عنهم ويهجر مجالسهم وأماكنهم، ولا يجالسهم، ولا أيضا يسلم عليهم أن يبدأهم بالسلام. فلهذا يكون يعاديهم ويبغضهم، لكن قد يكون هذا الأمر ينفع هؤلاء أهل الشرك إذا رأوا صرامة المسلمين وابتعادهم عنهم، فقد يرجعون إلى الله عز وجل، فالقلوب بيد الله سبحانه وتعالى، وهذا ما يسميه العلماء الزجر بالهجر، فهذا يصلح للكفار، بل حتى لبعض المسلمين من أهل البدع وأهل الكبائر وغيرهم. مثل ما هجر النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، كعب بن مالك، ومرارة بن ربيعة، وهلال بن أمية، هجروهم خمسين يوما لا يكلمهم أحد، حتى أنزل الله عز وجل توبتهم، فصار قرآنا يتلى لصبرهم، وكذلك لتجلدهم في طاعة الله، وأيضا عدم تضجرهم من هذا، بل أنهم بقوا على ما هم عليه من الإيمان والعمل الصالح. وجاءتهم فتن، كعب بن مالك يقول: جاءني كتاب من النعمان، وهو كان مع النصارى، جاءه كتاب من النعمان يقول له: لم يجعلك الله عز وجل في أرض هوان، تعال إلينا نواسيك، تعال إلينا نعطيك بيتا ونعطيك كذا ونعطيك كذا، لم يجعلك الله في دار هوان، قال: فمزقت هذه الورقة وقلت: هذا من البلاء، ووضعتها في التنور، فكانوا على صدق وإخلاص حتى تاب الله عز وجل عليهم، فهذا يسمى الزجر بالهجر. فكذلك الكفار فإنهم يهجرون، وتهجر مجالسهم، وأيضا ما يتعلق بهم، فيتميز المسلم عن الكافر، لكن لا يجعل هذه العداوة والبغضاء يغالي فيها وتستمر، وإنما قد يأتي يوم يؤمن هذا الكافر ويسلم، أو حتى هذا المبتدع يرجع إلى الله، يرجع إلى السنة، أو هذا الذي يفعل الكبائر من شرب الخمر والزنا، قد أيضا يهديه الله عز وجل ويرجع إلى طاعة الله جل وعلا، فتعود مودة أهل الإيمان بينهم. فقال الله عز وجل: ﴿عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة﴾، فعلى هذا متى بعد رجوعهم، ولهذا جاء في الحديث -وإن كان لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن جاء عن علي بن أبي طالب وغيره- قال: «إذا أحببت حبيبك هون ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وابغض بغيضك هون ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما»، فإذا كما قال عمر رضي الله عنه: إذا أحببت فلا تحب كلفا، وإذا بغضت فلا تبغض تلفا. أنا إذا أحببت لا تتكلف وتغالي في هذه المحبة حتى بعد ذلك ترجع عليك عداوة، وأيضا إذا عاديت لا تغالي كثيرا وتتجاوز الشرع فيما لم يأمر الله عز وجل به في هذه البغضاء، فتنقلب بعد ذلك ويأتي ويرجع هذا الذي تبغضه ويتوب إلى الله فيكون أيضا بينك وبينه شيء حصل في ذلك الوقت. فلهذا قال الله عز وجل لأجل تفادي مثل هذه الأمور: ﴿عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة﴾، فترككم إياهم في هذه الحياة، وقد يكون بينكم مصالح مشتركة وبينكم أشياء، فهذه يعوضكم الله عز وجل بها إن كان في الدنيا أو في الآخرة. فقال جل وعلا: ﴿عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة﴾، قال: سببها رجوعهم إلى الإيمان، أي هذه المودة عندما يرجعون، وعما إن كانوا على الكفر، فتكون العداوة والبغضاء أبدا حتى يؤمنوا بالله وحده. قال: ﴿والله قدير﴾، أي على كل شيء، على أنه يهدي قلوب هؤلاء، فربنا جل وعلا بين القلوب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بين أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فإن شاء أزاغها وإن شاء أقامها أن يقيمها على طاعته سبحانه وتعالى». قال: ﴿والله قدير على كل شيء﴾، ومن ذلك هداية القلوب وتقليبها من حال إلى حال، قال: ﴿والله غفور رحيم﴾، لا يتعاظمه ذنب أن يغفره، ولهذا ربنا جل وعلا طلب التوبة من كل أحد، حتى ممن شتمه وجعل له الإبن وجعل له الصاحبة من النصارى وغيرهم، فإن الله عز وجل دعاهم إلى التوبة، بل دعا من جعل له شركاء. قال الله عز وجل: ﴿قد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد﴾، وإن لم يتوبوا، فلهذا ربنا جل وعلا دعاهم إلى التوبة والرجوع إليه سبحانه وتعالى، وأيضا كذلك دعا الله عز وجل من حرق أولياءه في أصحاب الأخدود، ﴿إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا﴾، ثم لم يتوبوا، فدعاهم إلى التوبة. فلهذا ربنا جل وعلا رحيم بعباده، فإذا رجعوا إليه فرحا برجوعهم، قال: ولا عيب أن يستره، لا يتعظبه ذنب أن يغفره، ولا عيب أن يستره، قال الله عز وجل: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم﴾. قالوا: في هذه الآية إشارة وبشارة بإسلام بعض المشركين الذين كانوا إذ ذاك أعداء للمؤمنين، وقد وقع ذلك ولله الحمد، مننا وهذا كثير، كان من المشركين من يحارب أهل الإسلام، انظر إلى خالد بن الوليد، وعمر بن العاص، وأبو سفيان وغيرهم من الصحابة الكرام رضي الله عنهم، كانوا أعداء للإسلام ثم تحولوا إلى دين الله، وصاروا يدافعون عن دين الله جل وعلا. عكرمة بن أبي جهل، مع أن أباه كان طاغية، وكان من الكفار الذين يعارضون دين الله ويمكرون بدين الله، إلا أنه أسلم، وكان من أشد الناس دفاعا عن دين الله عز وجل في حروب الردة مع أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فربنا جل وعلا بين أصبعيه القلوب يغيرها كيف يشاء، فإذا رجع العبد إلى ربه جل وعلا، تاب الله عز وجل عليه. قال: ولما نزلت هذه الآيات الكريمات المهيجة على عداوة الكافرين، وقعت من المؤمنين كل موقع، وقاموا بها، تم القيام، أي أنهم تبرأوا من المشركين، وتأثموا من صلة بعض أقاربهم المشركين، وظنوا أن ذلك داخل فيما نهى الله عنه، حتى أنهم تأثموا من صلة بعض الصلات التي تكون بينهم وبين أهاليهم من المشركين. ثم بيّن الله عز وجل لهم أن هناك أمور لا بأس أن يفعلها المؤمن مع الكافر من الصلة ومن البر، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الآيات التي بعد هذه الآية. فنكتفي بهذا، الله تعالى أعلم.