الدرس في المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
نشأ إبراهيم عليه السلام في العراق ودعا قومه لتوحيد الله، حيث كانوا يعبدون الأصنام. برز حرص إبراهيم على دعوة قومه وبيان عوار الآلهة التي يعبدونها.
كسر إبراهيم الأصنام وأُلقي في النار، لكنه نجا بفضل الله تعالى. يروي المقطع تفاصيل حادثة الإحراق وردود فعل الناس ونمرود.
بعد مواجهته لقومه ونمرود، هاجر إبراهيم إلى الشام ثم مصر، حيث واجه تحديات ودعا إلى الله. استقر لوط عليه السلام في الأردن وأصبح نبيًا يدعو قومًا كفارًا.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. في دروس خلت، إخواني في الله، بعد حديثنا عن آدم عليه السلام وما كان من خروجه من الجنة واستقراره في الأرض، ثم ما كان من بعثة الله جل وعلا للأنبياء والرسل إلى أقوامهم، فكان مضى معنا ما يتعلق بالحديث عن قوم نوح، ثم من كان بعدهم، ألا وهم قوم عاد، ثم من كان بعدهم، ألا وهم قوم ثمود. ثم جاءت بعد ذلكم هذه الفجوة التاريخية، الله أعلم في القرون والأمم التي عاشت في هذه الأحقاب. ولهذا سنقفز إلى إبراهيم عليه السلام. وهذه الأمم، إخواني في الله، بهذا الترتيب الذي سأذكره، أشار إليه ربنا سبحانه وتعالى في قوله: «وأنه أهلك عادا الأولى وثمودا فما أبقى وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى والمؤتفكة أهوى». فذكر ربنا عز وجل عاد الأولى، ثم ثمود، ثم أعاد نوح قبل، والمؤتفكة من ثم قوم لوط. وقوم لوط كانوا في زمن من؟ في زمن إبراهيم عليه السلام. فتجد عندي نوح عليه السلام، ومن بعده هود، ثم صالح، ثم جاء ما كان في عصر إبراهيم عليه السلام. فهذه الآية تعيننا على هذا الترتيب الذي نمشي عليه. والمؤتفكة أهوى، المؤتفكة أي المنقلبة، سيأتي معنا، وهذه إشارة إلى ما كان من قوم لوط. وقد كانوا في زمن إبراهيم عليه السلام. حديثنا، إخواني في الله، عن إبراهيم عليه السلام، إبراهيم الخليل، إبراهيم أبو الأنبياء. جاءت في حقه الفضائل الكثيرة والكثيرة جدا. بل كم هي الآيات التي نؤمر فيها نحن، تابعا لنبينا، في أن نتبع ملة إبراهيم حنيفا. إبراهيم، إخواني في الله، هذا الاسم جاء ذكره في القرآن كثيرا. وقد قرئ هذا الاسم في هذه الأمة وفي غيرنا من الأمم، قرئ على ستة أوجه. أوجه إبراهيم عليه السلام لشهرة هذا الاسم بين الأمم والأجيال. سمي بعدة أسماء. يقال عنه إبراهيم، وهذا هو الشهير عندنا. ويقال عنه إبراهام وإبراهيم وإبراهم وإبراهام وأبراهم. هذه الأوجه الستة هي الأسماء المنتشرة لإبراهيم عليه السلام، وهي كلها تقتضي إبراهيم. وهو الشهير، وإبراهام وإبراهام، وهذا قد جاء به قراءة من القراءات القرآنية. وإبراهام وإبراهيم وإبراهم بالفتح والكسر والضم، وإبراهام وإبراهام. هذا نطق إبراهيم، وهو مشهور عند العجم إلى الآن. مشهور إبراهام، حتى بعض علماء التاريخ أن بعض الملوك في هذه الدول، اسمه إبراهام. على ماذا؟ على إبراهيم. وفي الآخر أبراهام. واسم إبراهيم عليه السلام اشتهر بين الأمم، لأن جميع الأديان تحبه، لجلالة قدره. الكل ينتسب إليه. اليهود ينتسبون إلى إبراهيم، النصارى ينتسبون إلى إبراهيم، الكفار المشركون العرب ينتسبون إلى إبراهيم عليه السلام. وهكذا أهل الإسلام ينتسبون إلى إبراهيم عليه السلام. فقد جعل الله عز وجل له القبول لدى الأمم وفي الأمم. فحديثنا، إخواني في الله، عن إبراهيم عليه السلام، هذا النبي الجليل. ومما نذكر عن إبراهيم، وخاصة أن القرآن ما أشار إلى مسألة نشأة إبراهيم، كم مرة نشأ. وذكر إبراهيم في القرآن نحو تسعة وستين مرة. ذكر اسم إبراهيم في القرآن نحو تسعة وستين مرة. ومن باب الفائدة، معنى إبراهيم في اللغة السريانية، بمعنى أب رحيم. معنى إبراهيم في اللغة السريانية أب رحيم. ولو تلاحظون تقارب هذا المعنى في ملتنا. لو قربنا لهذا المعنى، نقول: إن إبراهيم معناها أب رحيم. إبراهيم أب رحيم. وهذا صحيح. فإن أطفال المسلمين من يموتوا صغيرا، فإنه يكون تحت كفالة من؟ تحت كفالة إبراهيم عليه السلام، كما جاء في البخاري. أطفال المسلمين يكون تحت كفالة إبراهيم عليه السلام. فالأطفال تحت كفالته، فهو أب رحيم. وهذا هو المعنى في السريانية، إبراهيم أو إبراهيم، بمعنى أب راحم. معنى أب راحم. ونحن كذلك نقول: أب رحيم. فالمعنى قريب. أشهد إخواني في الله أن إبراهيم عليه السلام لم تأتينا المؤشرات القرآنية أو السنة النبوية في بداية نشوئه. لكن الذي نعرفه أن الله سبحانه وتعالى جعل في ذريته النبوة والكتاب. من إبراهيم جاءت الذرية، جاءت النبوة، جاءت الرسل، جاءت الكتب، كما قال سبحانه: «وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب». إبراهيم عليه السلام نشأ في العراق، تحديدا في جنوب العراق. أرض العراق مرت معنا قريبا، عندما تكلمنا عن الجودي، جبل الجودي الذي استقرت فيه سفينة نوح، على ما يذكره المفسرون. كان في شمال العراق، جهة الموصل. وإبراهيم عليه السلام ولد في أرض العراق، في جهة الجنوب منها. وكان إبراهيم عليه السلام يدعو قومه إلى توحيد الله. وخاصة أن قومه كانوا يعبدون الأصنام. وعلى رأس من كان يعبد الأصنام، أبوه آزر. كان من المتشددين في عبادة الأصنام. فكان يعبدها ليل نهار. فكان إبراهيم يدعو قومه، ويدعو أباه. وكان من قول ربنا عز وجل: «واتلوا عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون؟ قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين. قال: هل يسمعونكم إذ تدعون؟ أو ينفعونكم أو يضرون؟» الجواب: لا، هذا ولا ذاك. لا هم ينطقون، ولا ينفعون، ولا يضرون. فالحاصل أن إبراهيم عليه السلام كان حريصا على دعوة قومه إلى توحيد الله، وبيان عوار الآلهة. فمما صار وطبع الحوادث، إبراهيم عليه السلام، كثيرة. ومن خلال مطالعة لبعض كتب العلماء، تجد أن ما يتحرى، يأتي بقصة هنا وقصة هنا، فقط سرد قصصي، دون الربط التاريخي. ونحاول أننا نربط بين الحوادث، نجعلها متقاربة، نجعلها متسلسلة، حادثة تتبعها حادثة تتبعها حادثة. لأن من قرأ في قصص القرآن، تجد أن من العلماء من فقط يأتي بقصة هنا، ولو ربما هذه القصة في آخر حياة إبراهيم، ويأتي بقصة هنا، فقط. كل ما جاء عن إبراهيم، جمع دون مراعاة للتسلسل التاريخي. فأول ما نبدأ به، على حسب ما يذكر من الصفات لهذه الحوادث، مسألة ما وقع في ذلك اليوم، عندما أراد قوم إبراهيم أن يخرجوا إلى خارج البلاد للاحتفال بيوم عيدهم. وكانت هذه عادة أنهم يخرجون جميعا، يحتفلون. مثل مهرجانات، ونحو ذلك، فيقضون وقتا في الخارج. فقام أبو إبراهيم، وطلب من ابنه إبراهيم أن يخرج معهم. إلا أن إبراهيم رفض. رفض لأشياء، لكن حاول أن يلتمس عذرا. فماذا فعل؟ نظر نظرة في النجوم. فقال: «إني سقيم». نظر في النجوم، متفكرا. لماذا يخرج؟ ليعذر لأبيه. فوجد أن المرض هو الواقع. سقيم، مريض. لأنه مريض من حالتهم، مريض من هذه الأردياء الأدران، أدران الشرك والكفر. سقيم من عبادتكم لغير الله جل وعلا. فقال: «إني سقيم». حينها رضوا بعذره، فتولوا عنه مدبرين. فذهبوا. لكن إبراهيم عليه السلام، لما رأى هؤلاء قد انصرفوا، قد بيت في نفسه كلاما. ماذا قال؟ «قال الله لأكيدن أصنامكم». بعد أن تولوا مدبرين. لكن عندي أمر. «اذهبوا أقسم بالله ليفعلن أمرا عظيما بأصنامهم». فقد ضاق بهم ذرعا. فماذا فعل إبراهيم عليه السلام؟ مباشرة، لما فارق القوم القرية، سارع إبراهيم. سرعة مع خفية. وهذا في قوله: «فراغا». فراغا، أي أسرع المشي والخطى. إلى أين؟ إلى محل الأصنام. وكان قوم إبراهيم قد أعدوا مكانا كبيرا ضخما، كالإيوان، جعلوا فيه الأصنام، يتعبدون الأصنام فيها، بالتقرب لها بأصناف الطاعات والعبادات. فدخل إبراهيم فراغا إلى آلهتهم، أي دخل إليهم مسرعا متخفيا. فوجد عندها طعاما. انظر إلى الحمق، ولهذا الكفر، لا يولد إلا البلادة. القوم أعدوا طعاما، لماذا؟ لصخور، لأحجار. فدخل إبراهيم عليه السلام، وهو ينظر إلى هذا المنظر. آلهة، وتحتها أصنام، وأصناف الطعام. فقال، متهكما: «ألا تأكلون؟ ألا تأكلون؟ ففضلوا كلوا كلوا». فقال: «ألا تأكلون؟ ما لكم لا تنطقون؟» فراغ عليهم، ضربا باليمين، بكل قوته. وقد أتى بفأس، أخذه معه. وأخذ يكسر الأصنام، صنما صنما، حتى جعلها دمارا، جعلها خرابا. إلا الكبير، الصنم الكبير، أبقاه. وجعله ثم رجع إلى محله. بعد هذه الفعلة، رجع قوم إبراهيم من عيدهم، ودخلوا. فروا هذه الكارثة. الآلهة الأرباب أصبحت مكسرة، محربة، مدمرة. فتنادوا فيما بينهم. قالوا: «من فعل هذا بآلهتنا؟ إنه لمن الظالمين». من؟ من يجرؤ؟ حينها أصابع الاتهام ما توجهت إلا إلى هذا. فقالوا: «قالوا سمعنا فتى يذكرهم، يقال له إبراهيم». ما أحد له بدليل أنه تخلف، أحد خلفه تخلف. قالوا: «فأتوا به على أعين الناس، لعلهم يشهدون». إيتوا به، إيتوا به. لماذا؟ إيتوا به، والناس يستمعون إلى المحاكمة، حتى نخرج بأمر فصل، في حكم هذا الرجل. جميعا نتفق عليه. الرجل قد بلغ مبلغا عظيما، لهذا الجرء، أن كسر الأصنام، تعد على الآلهة. فجيء بإبراهيم عليه السلام. وقالوا: «أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟» قال: «بل فعله كبيرهم هذا، فاسألوهم إن كانوا ينطقون». سبحان الله، الحجة العقلية. تسألونني أنا؟ أنا لا، بل اسألوا هذا. كان موجود، هذا الكبير، هذا الصنم موجود. هذا اسألوا. بينكم سؤال خفي، من وراء. قال: «أخي من قتل أصحابنا؟» لا، لو يجيب. لكن علم القوم أن هذا لا إجابة تحته. لهذا لو أن الكافر والمشرك أنصف نفسه، لعلم أن ما يعمله عبث، يخالف لا أقول المشروع، بل حتى يخالف المعقول، يخالف العقل البشري. ذاك يعبد صنما، ذاك يعبد وثنا، حتى وصل بحال الناس، من يعبد الحيوانات والقاذورات والنجاسات. نعوذ بالله من ذلك. فحينئذ، عندما علم الناس أن أمرهم قد فضح، وأنهم استطاعوا أن يحوروا جواب إبراهيم عليه السلام، حينها كما قال العلماء: «أزهم الشيطان، وأدخل في قلوبهم ما يزين لهم». تكلموا، دافعوا. فقالوا: «اقتلوه، اقتلوه». قالوا: «بل احرقوه». لأن الحرق أشد من القتل. سيقتل ويرتاح، لا، ما نريد يرتاح، نريد أن يتعذب. فقالوا: «احرقوه». فحينها اتفقوا على إحراقه. فجمعوا نارا ضخمة، نارا كبيرة، يجمعون فيها الحطب الكثير، الكثير، الكثير. حتى لما أصبحت هذه النار نارا تتأجج، أرادوا أن يرموا إبراهيم عليه السلام. ولشدة حرارة النار، ما استطاع أحد أن يقرب منها. فاضطروا إلى ماذا؟ إلى رميه بالمنجنيق. يرمى من شدة لهف النار، ما استطاعوا أن يقرب. وأنهم أرادوا يدخلوا داخل، واللهب قوي، واللهب مسافة، من اللهب إلى النار، ما يصدر. يدخلوا إلى النار داخل. قالوا: «ما في حال إلى قعر النار إلا بالمنجنيق». فأدخلوه في المنجنيق، ورموه إلى داخل النار. رمي فيها عليه السلام، والنار تتلاطم. فجلس فيها، على قول جماعة كثيرة من العلماء، جلس في النار خمسين يوما. وما تأثر منها. بل أخرجه الله. وقلنا: «يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم». خرج إبراهيم من النار، كما دخل. حينها هذه الحادثة تناقلها الناس، تناقلها الناس. وممن تناقلها، ووصلت إليه، نمرود. نمرود، وكان ملك على بابل. وسيأتي معنا أمره. وكان حتى أن أباه، لما رأى إبراهيم قد نجى من هذه النار، قال: «يا إبراهيم، إن لآلهتك شأن عظيم». يعني هائش، من آلهة معك، هذا لا آلهتنا، ولا شيء. تنفع مع هذه الآلهة، كيف؟ فهذه الحادثة التي صارت لإبراهيم، ضجت لها الناس، وتحدث عنها الركبان. رجل في النار خمسين يوما، والنار تأكل فيه، واخرج منها سالما. كان في ذلك محل استغراب، وحديث الركبان. مما يذكر، إخواني في الله، والشيء بالشيء يذكر، حادثة إحراق إبراهيم عليه السلام، وقعت فيها أشياء. من تلك الأشياء، ما جاء في البخاري، من أثر من قول ابن عباس: «أن إبراهيم، عندما ألقي في النار، كان يقول: حسبي الله ونعم الوكيل». حسبي الله ونعم الوكيل. قال إبراهيم، عندما ألقي في النار، هذا الذي ثبت. وأما الحديث المشهور، يدند به بعض العامة، من أن إبراهيم لما رمي في النار، نزل عليه جبريل، قال: «يا إبراهيم، ألك حاجة؟ ألك حاجة؟» قال: «لا». علمه بحالي يغنيه عن سؤالي. علمه بحالي يغنيه عن سؤالي. أي: ما لي حاجة أن أدعو الله. لماذا؟ ما لي حاجة، لأن الله يعلم بحالي، يعلم به. وهل هذا صحيح؟ قال شيخ الإسلام: وهذه قصة باطلة، حديث موضوع. بل إن إبراهيم دعا، وسأل ربه. قال: «حسبي الله ونعم الوكيل». مما يذكر في إحراق إبراهيم في النار، أن جميع الدواب والكائنات، كانت تعين إبراهيم، وذلك بإطفائها النار، بإطفائها النار. إلا من؟ إلا الوزغ، ما يسميه الآن البعض بالضفة. فقد جاء في مسند الإمام أحمد، بإسناد صحيح، على أن الوزغة، أي هذه الضفة، كانت ماذا؟ تنفخ، تنفخ في نار إبراهيم، حتى تزداد. أعوذ بالله من شرها، ومن خبثها. ولهذا جزاء فعلها، فإن في شرعنا تقتل. تقتل. ومن جميل ما يذكر، أن امرأة دخلت على عائشة، على بيت عائشة، فإذا بعود، وفيه رمح، في بيت عائشة. فقامت المرأة، وسألت عائشة: «ما أسر هذا الرمح؟» قالت: «أقتل به الوزغ، أقتل به الوزغ». ما تبقي في بيتها، رضي الله تعالى عنها. ثم ذكرت هذا الحديث، أن من شر الوزغ، أنه كان يؤذي إبراهيم. بل في الحقيقة، أنه مؤذ، ليس في عهد إبراهيم، بل في كل زمان ومكان، يؤذي. ومن تلي بهذه الدابة المفسدة، لا علم بشرها. تقرض الفرش، تقرض الأكل، تعبث بالثياب، تعبث بأشياء كثيرة، خبيثة. ولهذا شرعنا أمر بقتلها. وأن في قتلها أجر. الشاهد أن إبراهيم عليه السلام ألقي في النار، نجاه الله جل وعلا. سمع بخبره القاصي والداني. وصل خبره إلى ملك بابل. فالتقى إبراهيم مع هذا الملك، مع نمرود. وقد ذكر ربنا جل وعلا قصة هذا اللقاء، كما في قوله سبحانه وتعالى: «ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك؟» واختلف العلماء في هذا اللقاء، هل هذا اللقاء كان من طلب من نمرود، عندما سمع بأمر إبراهيم، رجل خرج، وهو آمن، وآلهته قوية، نجاه من نار. هل طلب هذا التحدي والمناظرة؟ أم أن إبراهيم عليه السلام هو الذي ذهب بنفسه؟ قيل: هذا أراد الميرة، أراد الطعام، فذهب. فلما سمع نمرود أمر به، لأن إبراهيم قد انتشر صيته، قد انتشر صيته. وهذه القصة، ألم في قوله تعالى: «ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك؟» وقد كان ملك بابل. بل على الصحيح، أن نمرود، فيما تأتي به كتب التواريخ، قد ملك الأرض. كان له ملكا عظيما. ومع ذلك، كان يدعي الألوهية من دون الله جل في علاه. الآية القرآنية، ليس فيها اسم نمرود. صحيح، فمن أين جاء بهذا الاسم؟ هذا الاسم قد اشتهر في كتب عرب، في كتب العلماء. وجاء كذلك في كتب اليهود والنصارى، في سفر التكوين، جاء اسمه نمرود. في الإسرائيليات. بل جاء حتى عن بعض الصحابة، كما أثر هذا عن ابن عباس. وجاء كذلك عن مجاهد، وجاء كذلك عن قتادة، وعن جمع من السلف، أنهم كانوا يسمون هذا الرجل في هذه الآية: «أن آتاه الله الملك»، قالوا: نمرود. والأمر في هذا سهل، بمأن هذا قد أثر عن الصحابة، أثر عن التابعين، مما يفسرون القرآن، وهي مما جاءت عن من قبلنا، فلا إشكال في هذه التسمية. فهو نمرود. فكما تمت المحاجة، فكان نمرود أراد أن يستظهر بقوته، وأنه يحيي ويميت. فأتى بتلكم الخديعة، أن أتى برجلين سجينين، قد حكم عليهما بالقتل. فقال: «يا إبراهيم، أنا أحيي وأميت». فماذا فعل؟ قال لهذا الذي حكم عليه بالقتل: «أنت حر». وأمر بالثاني أن يقتل. قال: «أنا أحييت هذا، وأمت هذا». طبعا هذا ليس في محل النزاع، هذا عبث. فلما علم إبراهيم أن هذا الرجل بهذه المثابة، قال: «فإن الله يأتي بالشمس من المشرق، فأتي بها من المغرب». فبهت الذي كفر. فما استطاع أن يحور جوابا على أمر إبراهيم عليه السلام. الشاهد، إخواني في الله، بعد ذلك رجع إبراهيم عليه السلام إلى أهله. رجع إلى أبيه. فبدأ إبراهيم عليه السلام يدعو أباه. وكان من دعائه: «يا أبتي، لما تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا؟ يا أبتي، قد جاءني من العلم ما لم يأتك، فاتبعني أهدك صراطا سويا». وكان حريصا على دعوة أبيه. يا أبتي، يا أبتي، يكررها. عل وعسى، بهذا اللين، أنه يجذب قلب أبيه. إلا أن أباه ما استجاب أبدا. بعد ما رأى من الآيات التي آتاها الله لإبراهيم، لا زال على أمره الأول. بل ازداد. فقال: «أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم؟» أنظر لكلامه. إبراهيم، حتى ما قال: «يا بني، يا بني»، أبدا. شدة الكافر، يزداد شدة في كفره، وفي تعامله مع غيره. قال: «أراغب أنت، معرض أنت، بريء أنت عن آلهتي، عن أصنامي؟» قال: «يا إبراهيم، لئن لم تنتهي لأرجمنك». والرجم، إذا ذكر في القرآن، يأتي بمعنى القتل. الرجم، إذا جاء في القرآن، بمعنى القتل. قال: «لأرجمنك». قال: «انتبه، إذا كانت هذه النار ما أدت غرضها، أنا سأقتلك بنفسي». انظر لهذا الأب. لأرجمنك، أنا، أنا سأقتلك، إذا كانت النار ما استطاعت عليك، أنا أستطيع عليه. لأرجمنك. وهجرني، مني. أو اذهب عني، اذهب هني، ولا تجلس في وجهي. فأمر بأن يطرد، فطرده من بيته عليه السلام. وهذا كان ما كان من إبراهيم في نهاية أمره مع أهل العراق. مع أهل العراق. هنا مسألة وقعت لإبراهيم، وهي باعث أمل، أن هناك رجل آمن بإبراهيم، قبل أن يخرج من أرض العراق. من هو؟ لوط عليه السلام. لوط، قال ربنا: «فآمن له لوط». لوط كان من أهل العراق. ليس هذا فحسب، بل لوط تربطه علاقة بإبراهيم، فهو ابن أخيه. بمعنى: لوط يقول لإبراهيم: «يا عم». لوط يقول لإبراهيم: «يا عمي». عمي إبراهيم. فلهذه القرابة تأثر إبراهيم في ابن أخيه، فآمن معه. هنا، إخواني في الله، تبدأ رحلات إبراهيم. خرج إبراهيم بعدما اكتملت أسباب الهجرة. القوم كفروا، بل أحرقوه في النار، أرادوا القضاء عليه. وهذا أبوه طرده، وأمر بإخراجه، وإلا سيقتله بنفسه. في حينها، وقال في قومه: «وقال إني مهاجر إلى ربي». هاجر مهاجرا. وأخذ معه لوطا عليه السلام. أين ذهبوا؟ انتبهوا الآن، سأتي بالحوادث، إخواني في الله. شمالا، جنوبا، غربا، شمالا، جنوبا، غربا. لأن إبراهيم عليه السلام سافر كثيرا. أول هجرة، خرج إبراهيم من أرض العراق، إلى أين توجه؟ شمالا. إلى بلاد الشام. توجه إلى بلاد الشام، كما قال ربنا: «ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها». والأرض المباركة هي أرض الشام. أين أرض الشام؟ فلسطين، أردن، لبنان، سوريا، وما جاء وراء هذه، بلاد الشام. اتجه إبراهيم عليه السلام إلى تلكم البلاد، تحديدا في أرض الشام. أين؟ شمال الشام، إلى جهة سوريا، في منطقة يقال عنها حران. يقال عنها حران. يذكر بعض المعاصرين، أن المسافة التي قطعها إبراهيم ولوط، من أرض العراق حتى يصل إلى هذه المنطقة، إلى بلاد الشام، قطع ألف وثمانمائة كيلو. ألف وثمانمائة كيلو، وهم يمشون مشيا، حتى وصلوا إلى تلكم البقاع. وأنتم، يا أصحاب السيارات، أو أصحاب المناطق، يعرفون المسافات الطويلة بين القرى. يعني قال: بين عدن والغيظة كم؟ يقال: ألف ومائة. بين عدن وغيظة، ألف ومائة. بين غيظة وعدن، ألف ومائة. أطرح فوق سبعمائة كيلو. هذه مسافة من العراق إلى أرض الشام. إلى وصل إبراهيم، يقدر بهذه المسافة، قطعها قطعوها عليهم السلام. ذهب إبراهيم عليه السلام إلى أرض الشام، تحديدا إلى شمال، جهة سوريا، إلى منطقة يقال عنها حران. فماذا بها؟ فإذا بها بقوم يعبدون ماذا؟ يعبدون النجوم والكواكب. قوم في العراق يعبدون الأصنام، وهؤلاء في حران يعبدون النجوم والكواكب. وهناك، كما قال ابن القيم، وهناك نكتة، أي لطيفة. قال: إن شرك المشركين يعود إلى أمرين اثنين، إلى عبادة القبور، وإلى عبادة النجوم. مآلات الشرك، يعود إلى عبادة القبور، أي عبادة أهل الصلاح، الصالحين. أو عبادة النجوم، الكواكب، والشمس والقمر، وما كان في معناها. هذه خلاصة ما ذكره ابن القيم، وأفاده رحمه الله. كان إبراهيم وجد قوم حران يعبدون الأصل، يعبدون الكواكب، النجوم، الشمس والقمر. قال: «يا جماعة، بمعنى كلامي، هذا كثير». يعني: هاته بمعبد واحد. لا، هذا يعبد هذا، وهذا يعبد هذا. فأراد إبراهيم أن يقنعهم ببطلان ما هم عليه. فلما جن عليه الليل، رأى كوكبا. رأى كوكبا. فقال لهم: «هذا ربي». هنا السؤال: ما معنى «هذا ربي»؟ القول الصحيح من أقوال علماء التأويل، أن هذا خرج مخرج الاستفهام. قال: «تعالوا، أنتم تعبدون الكواكب، أهذا ربي؟» يعني: هذا الذي تريدون أن تقنعوا أنه هذا ربي؟ أهذا ربي؟ وهذا موجود عندنا، أحيانا أنت لما تسأل عن فلان، تنتظر أحد، تقول: «هذا محمد؟ هذا محمد؟» أنت ما تخبر، أنت تسأل. فمن أسلوب الخطاب، أن السؤال يخرج مخرج الخبر. من أسلوب السؤال، أن الكلام يخرج مخرج الخبر. قال: «هذا ربي»، بمعنى: «أهذا ربي؟» أي: هذا الذي تريدون أن تقنعوا أنه هذا ربي؟ فلما أفل، فلما أفل، فلما أفل، قال: «لا أحب الآفلين». أنا ما أعبد ربي يغيب ويظهر. أيش من الرب معكم؟ هذا حد، غيره حد ثاني. فظهر القمر بازغا. نفس التلاميذ. هذا ربي، هذا تريدون أن يكون معبودي. فلما أفل، نفس القضية. وهكذا فعل مع الشمس. فكلما ظهر شيء من معبوداتهم، حاجهم إبراهيم عليه السلام بهذا النقص الموجود في هذه المخلوقات، أنها تغيب ولا تدوم. ثم قال في نهاية كلامه، رحمه عليه السلام: «يا قوم، إني بريء مما تشركون». وذكرهم بالله، وخوفهم بالله. إلا أنهم هم الذين أصبحوا يخوفون. كحال عبيده، من يعبد غير الله، احذبه. لا تتكلم على الأصنام، لا تتكلم على الآلهة، لا تتكلم. سيؤذونك، نحذرك. سيأتيك الضر. فكان من قول إبراهيم عليه السلام، من قال: «وكيف أخاف ما تشركون؟» أنا أخاف من مشركائكم. «وكيف أخاف ما أشركتم، ولا تخافون أنكم أشركتم بالله، ما لم ينزل به سلطانا؟» فأي الفريقين أحق بالأمن؟ إن كنتم تعلمون. «الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، أولئك لهم الأمن، وهم مهتدون». أنا مثل ما أخاف، أنا ما أخاف من شرك، أخاف من أصنام وأوثان. بل العكس، أنتم خافوا من ربي، الذي عز وجل كفرتم به، بغير وجه علم، بغير علم. حاصل أن إبراهيم وصل مع هؤلاء إلى هذا الباب. خرج إبراهيم، وغادر تلكم البلاد. ونزل شمالا إلى جهة فلسطين. فلسطين، سيجعلها إبراهيم عليه السلام محل استقرار. خلاص، سيستقر. محل استقرار، يعني استقرار عن ما سيتحرك، لا. سيتحرك كثيرا، إبراهيم. لكن سيذهب ويرجع إليها، يذهب مكان ويرجع إلى فلسطين. سيجعل مقر، خلاص. حتى أن موته كان في فلسطين. أسبوع عاش فيها، ونشأ فيها، ودعا بكثرة فيها. ويذهب ويرجع، ويمشي ويرجع إليها. حتى قضى نحبه في هذه البلاد، من أرض المباركة، من أرض فلسطين. ومن ثم، من بعد نزول إبراهيم إلى أرض فلسطين، تدور الحوادث في بيت المقدس. وسأتي معنا، حتى إلى هذه الأزمان. ولا زالت الحوادث تتتابع. فالشاهد أن إبراهيم نزل إلى فلسطين، واستقر فيها. في هذه المرحلة، إخواني في الله، وقعت أشياء. مما وقعت من الأشياء، أن لوطا عليه السلام نزل عليه الوحي، فأصبح نبيا. وإلا قبل هذا، ما كانت له نبوة. إنما هو تابع، آمن مع عمه. فكان يسير معه، ويذهب معه. فلما وصلوا إلى أرض فلسطين، حينها أنزل الله عز وجل النبوة على لوط. «ولوثا آتيناه حكما وعلما». فأصبح إبراهيم ينزل عليه الوحي، وأصبح لوط ينزل عليه الوحي. ولهذا كانت الحكمة في هذا الباب، الانتشار. بقي إبراهيم في أرض فلسطين، بينما لوط عليه السلام ذهب إلى جهة الأردن، غربا، إلى جهة الأردن. فوجد فيها قوما كفارا. إضافة إلى كفرهم، كانوا يعملون المنكرات، يعملون الفواحش. وعلى رأسها فاحشة اللواط. كان هذا يكثر منهم. فجلس لوط عليه السلام في هذه البلدة، يدعو إلى الله. هذا مما يذكر من هذه الحوادث. مما نذكر، إخواني في الله. طبعا سنرجع إلى لوط عليه السلام. لكن كما تعلمون، إبراهيم ولوط في زمن واحد. وأن لوط نزل عليه الوحي، واستقر في جهة الأردن، من هذه الجهات. فأخذ إبراهيم عليه السلام يدعو إلى الله عز وجل في فلسطين، يدعو سنوات وسنوات وسنوات. وقد وقعت أشياء في هذه المرحلة. من هذه الأشياء، أن الله بارك في دعوة إبراهيم، فآمن الكثير من الناس. وأصبح له أتباع، كما قال ربنا سبحانه وتعالى: «قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه، إذ قالوا لقومهم: إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله، كفرنا بكم». فدل هذا على أن إبراهيم أصبح له أتباع، له شوكة، وله قوة. ونفع الله عز وجل بدعوته في أرض فلسطين. مما يذكر من هذه الحوادث، أن إبراهيم عليه السلام، كما قلنا، إنما اتخذ من فلسطين مقر لاستقرار دائم. تحرك من فلسطين، وأين توجه؟ توجه إلى جهة سيناء، ودخل إلى بلاد مصر. دخل إلى بلاد مصر. وكان في هذه المرحلة معه زوجته سارة. زوجته سارة، إبراهيم عليه السلام. لما دخل مصر، إنما أراد ماذا؟ أن يدعو إلى الله سبحانه وتعالى، وتوحيد الناس، ودعوة الناس إلى عبادة الله. هذا الذي أراده إبراهيم عليه السلام. دخل معه، وأدخل معه سارة. سارة زوجته، كانت في غاية من الجمال. جميلة جدا. فعلم الناس في أرض مصر بجمال سارة. فرفعوا أمرها إلى الحاكم حينها. وأخبروا أنه دخل رجل ومعه امرأة، وهذه المرأة لا تصلح إلا لك، ما تعيش إلا في بلاط الأمراء والحكام. هي لك، قمة في الجمال. شعر إبراهيم عليه السلام بما سيكون. جاءت الأخبار أن الناس يتحدثون عن جمال سارة. ويخشى أن الأمر سيصير إلى الح