المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 5

المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 5

الدرس في المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

دعوة نبي الله صالح وقصة الناقة

دعا نبي الله صالح قوم ثمود إلى توحيد الله، وطلبوا منه آية فأخرج الله لهم ناقة من صخرة لها صفات عظيمة وتقسيم خاص للماء. كانت الناقة آية ومعجزة للنبي صالح.

تفاصيل قتل ناقة صالح وعواقبه

قتل قوم ثمود الناقة بعد تذمرهم منها وتحريض امرأتين، وتم ذلك برميها بسهم وطعنها في لبتها، واختلف العلماء في مصير ابن الناقة. كان قتل الناقة بداية لعذاب الله لقوم ثمود.

عذاب قوم ثمود بعد قتل الناقة

بعد قتل الناقة، توقف المطر عن قوم ثمود، ثم استعجلوا العذاب فأخبرهم صالح بقدومه بعد ثلاثة أيام. نزل العذاب عليهم في صباح الأحد بصيحة ورجفة أهلكتهم جميعًا.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، بعد الانتهاء، إخواني في الله، من ذكر ما جرى من أهم الحوادث التي وقعت لنبي الله هود عليه السلام، وأشرنا كذلك إلى ما يتعلق بقومه، وهم قوم عاد، من حيث السكنة ومحل إقامتهم. ثم كان النظر إلى دعوة هود عليه السلام وما حذر به قومه، والعقوبة التي أنزلها الله عز وجل على قومه، فأهلكتهم عن بكرة أبيهم، وذلكم بتلكم الريح التي وصفها الله جل وعلا بعدة الصفات، ويتضح من هول ما قد أصابهم، وهكذا جزاء من كان كافرًا ومن أعرض وأدبر عن دعوة الأنبياء والرسل. ثم تطرقنا، كمقدمة سريعة، إلى نبي الله صالح عليه السلام. وكان عروجنا إلى صالح عليه السلام لأن الأدلة قد دلت على أن القوم الذين بعثهم الله جل وعلا بعد قوم عاد هم قوم ثمود، كما جاء ذلك التنصيص به في القرآن. وذكرنا أن صالحًا قد ذكر في القرآن تسع مرات، وأن قوم ثمود ذكروا أربعًا وعشرين مرة، وأنهم سكنوا في منطقة يقال عنها الحجر، وهي معروفة إلى الآن في المملكة، معروفة منطقة الحجر، وهي في جهة تبوك، أي ما بين تبوك والمدينة، وأشرنا إلى أنها تقدر بأربعمائة كيلو شمالًا. وهل هي هذه، أو ما يسمى بمدائن صالح، هل لها علاقة بنبي الله صالح عليه السلام؟ الكثير من المؤرخين ومن المعاصرين يرون أن مدائن صالح من مساكن قوم صالح. وإن كان بعض أهل العلم يرى استبعاد ذلك، وأن مدائن صالح لا علاقة لها بنبي الله صالح عليه السلام لا من قريب ولا من بعيد. وهذا قد أشار إليه بعض الأئمة رحمهم الله تعالى، حيث وجدوا أن مدائن صالح هذه الشهيرة فيها التواريخ تدل على أنها قريبة في العصر المتأخر جدًا، فيقدر قبل ثلاثمائة سنة. حتى إن بعضهم قال إن حقيقة مدائن صالح تعود إلى صالح من بني العباس، صالح يعود إلى أحد ملوك بني العباس اسمه صالح، وكانت هذه المدينة تبعًا له من ممتلكاته، وكانت قصرا مشيدًا. ويدلل على ذلكم التواريخ التي وجدت عليه. وهذا قد صرح به علم الدين الرزالي رحمه الله تعالى، وهو من تلاميذ المزي، أشار إلى هذه الفائدة، وأنه نظر بنفسه إلى هذه المسماة بمدائن صالح، ووجد أن التواريخ قريبة جدًا. ونحن نتحدث عن نبي الله صالح الذي تبعد عنه آلاف آلاف السنوات، ليست مئات الآلاف. فالشاهد أن ما يتعلق بقضية مدائن صالح يكون تحت النظر، لأنه من أهل العلم من يثبتها. وقد جرى أن الناس إذا تكلموا عن مدائن صالح نسبوها إلى نبي الله صالح. ذكرنا، إخواني في الله، كذلكم أن صالحًا عليه السلام أرسل بالدعوة إلى التوحيد، فدعا قومه إلى توحيد الله جل وعلا، كما قال ربنا: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾. وقع الخلاف في قومه بين مؤمن به وكافر، فآمن به من آمن، لكن جل من آمن به من أهل الاستضعاف. وهؤلاء هم أتباع الرسل في كل زمان ومكان، أتباع الرسل من حكمة الله جل وعلا أن جعلهم من أهل الضعف. ولهذا الجنة، وهي جنة، عندما تشتكي لربها، لماذا تشتكي؟ ما يدخلني إلا الضعفاء، ما يدخل إلا الضعفاء. لكن قال الله: ﴿لَكِنَّكَ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكَ مَنْ أَشَاءُ﴾. فأولي هذا تجد، وانظر، يا عبد الله، إلى حال أهل الطاعة والعبادة، تجدهم من هذه الطبقات. لكن تجد أن أهل الترف والبذخ والغنى قليل ما هم من يوفق إلى الطاعة والعبادة والاستقامة على الجادة، لأن الدنيا غرارة، والانغماس فيها تعتوى من أعظم أسباب الانجرار والانحراف عن طاعة الله جل وعلا. فالشاهد أن قوم ثمود انقسموا، فمنهم من آمن بصالح عليه السلام، ومنهم من كفر، وهم الأكثر. فإذا هم فريقان يختصمون. قام صالح عليه السلام بالاستمرار بالدعوة إلى الله، وإسماع قومه، وعسى أن تكتب لهم الهداية والنجاة. إلا أنهم اتفقوا معه على أمر، ما هو؟ سنؤمن بك بشرط، وشرطهم أن يأتي لهم بآية، كما قال ربنا جل وعلا حاكيًا عنهم: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. فأتى بآية، إن كنت من الصادقين، أنت صادق في دعواك، أنت مرسل من رب العباد، أرسل لنا آية، أخرج لنا آية تدل على صدق ما أنت عليه. حينها، كما يذكر، أن صالحًا عليه السلام ترك الأمر إليهم: أنتم اختاروا، اختاروا الآية التي أنتم تريدونها. لكن بشرط، أخذ عليهم العهود والمواثيق أنها إن خرجت هذه الآية، ينبغي عليهم الإيمان، ينبغي عليهم الإيمان، وإلا ما فائدة هذا الطلب؟ فاستمع، عليه السلام، إلى طلبهم الذي طلبوا. طلبوا فكان طلبهم أنهم قالوا: يا صالح، أخرج لنا من هذه الصخرة ماذا؟ ناقة. وهذا شيء محال، صخرة تنتج مخلوقًا كائنًا حيًا من صخرة صماء. لكن أرادوا الإعجاز، أرادوا الإعجاز لنبي الله صالح، أخرج لنا ناقة، ليس هذا فحسب، بل هذه الناقة كذلك يكون معها فصيل، والفصيل هو ولد ناقة، ولد ناقة الذي بإمكانه أن ينفصل عنها، الذي بإمكانه أن يستغني عنها. فأرادوا ناقة، وأرادوا أن يكون معها الفصيل، أي ابنها، بهذه المرحلة. وأن هذا وذاك يخرجون من حجر، من جبل، من صخرة. فماذا كان؟ فكان الأمر كما كان، فأخرج الله جل وعلا لهم ناقة. إخراج الناقة من الصخرة لم يأتِ هذا في كتاب الله جل وعلا مصرحًا به، لكن هذا مما تناقله العلماء، وأصبح هذا ما يكاد أن يكون جماعًا منهم على أن الصخرة هي التي أنتجت هذه الناقة. وكان من صفات هذه الناقة ما جاء في كتاب الله جل وعلا، من خلال هذه الصفات التالية: أن هذه الناقة كانت عظيمة، أي عظيمة ليس في شأنها بل عظيمة في جسمها، كانت ناقة ضخمة، ليست كباقي النوق، عظيمة بعظمة ما ستأتي به من إنجاز، وبعظمة ما سيعود على قوم صالح من الضرر إن جحدوا هذه الآية العظيمة. وكذلك مما كان من أمر هذه الناقة أنها كانت تستهلك الماء الكثير حين الشرب، كانت تشرب وتشرب وتشرب. ولهذا كان من أمر هذه الناقة أن هذا الماء الذي كان مورد قوم ثمود، أن هذا الماء ينقسم، لا ينقسم الأخذ من هذا الماء. فيوم يكون للناس جميعًا، أهل القرية، بما فيهم كلهم، يأخذون من هذا الماء، يأخذون لأنفسهم ولسقياهم ولبيوتهم، ويدخروا ما شاء. واليوم الثاني يكون ماذا؟ يكون للناقة فقط، لا أحد يزاحمها في يوم سقياها، تصفو من هذا الماء، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾. ونبئهم هذا العذاب أن الماء مقسوم، كل شرب محتضر، أي كل شرب يحضره صاحبه فقط. هذا يوم من يوم الناس يحضرون الناس، والناقة لا تأتي. وإن كان العكس، اليوم يوم الناقة تأتي، الناقة لوحدها تشرب، ولا أحد ماذا يزاحمها في هذا اليوم؟ وكذلكم كان من أمر هذه الناقة أنها في اليوم الذي تشرب منه، فإن الناس يحلبون منها، تعطيهم مقابل هذا الماء لبنًا لمن لبنًا يكفي أهل ثمود كاملًا، الآلاف، آية من آيات الله، الرجال والصغار والكبار، الكل إن أراد شربًا، إن أراد من وعاء، إن أراد أن يدخل، خذ، خذ، الناقة لا ترد. هذه آية من آيات الله، فكانوا يحتربون منها الجميع في هذا اليوم، في يوم شربها. وكان ذلك من آيات الله جل وعلا، هذه البلدة. وأيضًا، كذلك مما كان من أمر هذه الناقة أن صالحًا عليه السلام أمرهم بأن يدعوها، يدعوها تأكل، وهي لن تأكل من أراضيكم، بس، فربما تذمرتم من المياه، أتأكل الأراضي؟ لا، ما ستأكل من أراضيكم، ستأكل من أرض الله، ستأكل من أرض الله الذي ينبتها الله عز وجل لها خصيصًا. فقال: ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾، دعوها، لن تأتي إلى مزارعكم، ولا إلى محاصيلكم. وكذلكم كان من أمر هذه الناقة أنها كانت عظيمة لدرجة أن الله أضافها إليه سبحانه، ناقة الله، كما سيأتي معنا: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ وَسِقْيَاهَا﴾، ناقة الله، أضيفت إلى الله، وهذه إضافة تشريف، مثل: عبد الله، بيت الله، حرم الله. فالشيء إذا أضيف إلى الله إنما يراد منه الإجلال والإعظام. فلما أضيفت هذه الناقة إلى الله دل على عظيم شرفها. ومنهم من قال إن هنا الإضافة أضيفت هذه الناقة إلى الله من باب إضافة الملكية، لأن هذه الناقة من مالها؟ لا أحد يملكها، النوق اعتبر من الأموال الباهظة، لا زالت، قديمًا وحديثًا. سأل: يا عبد الله، عن سعر الإبل الآن؟ أغلى شيء، تصل إلى الملايين، هي باهظة. ولهذا لا بد أن يكون لها صاحب، لأنها كنز يمشي على الأرض، الكل يأخذها إلا هذه الناقة، مع عظيم شأنها، ما كان أحد يملكها. ولهذا أضيفت إلى الله، إلى مالكها، وهو خالقها، الله جل في علاه. فقيل عنها: ناقة الله. ووجه آخر كذلك في إضافة هذه الناقة إلى الله جل وعلا: في أن هذه الناقة ليس لها شيء تنتسب إليه، فليس لها أب، وليس لها أم، أنجبت من غير والدين، كما قلنا، هكذا ظهرت، قوم صالح، أرادوا ناقة، فأظهرها الله، من أين جاءت؟ الله أعلم. القصة الشهيرة، الرواية الشهيرة، أنها أخرجت من شق صخرة، أخرجها الله عز وجل. فلما كانت كذلك، فأضيفت إلى الله سبحانه وتعالى. هذا، إخواني في الله، مما يذكر عن صفات هذه الناقة التي ذكرها الله عز وجل، وجعلها آية لقوم ثمود. وكانت هذه الناقة، مقابل هذا كله، أن صالحًا منعهم أن يؤذونها بشيء، لا تؤذونها بشيء، لا بقول ولا بفعل. وقال: ﴿لَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾، وهنا سوء نكرة، أي سوء، أي معاملة سيئة، ما ينبغي أن يظهر منكم إزاءها. فقال: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾، فقال: ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ﴾، وإلا سيكون مقابل الإساءة عذاب من الله، إساءة من الله عز وجل. استمرت هذه الآية فترة من الزمن، حتى متى؟ طبعًا، بعض هؤلاء، وأكثرهم، لا زالوا على كفرهم، آية أخرجها الله لهم، ومع ذلك أدبروا عنها. ليس هذا فحسب، بل سيأتي ما هو أدهى وأمر، ما هو أنهم سئموا من هذه الناقة، أرادوا قتلها تحت أي حجة، تحت حجة أنها استنزفت عليهم الماء. سبحان الله، استنزفت عليهم الماء، قال: هذا الماء أصبح مقسومًا بيننا وبينها. إيه، شيء تأخذ الماء علينا يوم كامل، ونحن نحرم من هذا الماء. مع أنه ما نظر إلى ماذا؟ إلى اللبن الذي عوضوا عنه، أخذ عليهم هذا اليوم من الماء، وأعطوا ماذا؟ لبنًا. فأي عاقل يقول: هذا شيء، يعني أعطي يوم ماء، يوم لبن، يوم ماء، يوم، هذه نعمة عظيمة. لكن ما تنفع النعم أمام قومهم جاحدين، كافرين، سئموا، سئموا، ونظروا إلى هذه الجزئية، وتلاعب عليهم الشيطان، ورأوا أن هذا الأمر لا يطاق. فلا زال هؤلاء فيما بينهم يتذمرون من شرب الناقة لمائهم، حتى وجدوا أنهم لا سبيل لوضع حل لهذا الأمر إلا بالقضاء على الناقة، بقتلها. هنا تأتي الروايات التي يتناقلها أهل السير، في بداية النهوض بأمر فكرة القتل. فيما يذكر في الكتب الشهيرة من أقوال المفسرين، وفي كتب التاريخ: أن امرأة يقال لها صدوق بنت المحيا، صدوق بنت المحيا، وكانت من أجمل أهل ثمود. فجاءت عند رجل يقال عنه مصرع بن مهرج، وعرضت نفسها عليه: أنا أقبل بك زوجًا، ومن ذا الذي ينأى عن هذه المرأة التي بلغت من الحسن والجمال ما بلغت؟ لكن بشرط، ما شرطها؟ أن تقتل الناقة. فوافق. هذه قصة مشهورة يذكرها كتب التاريخ والتفاسير. وقصة أخرى هي قريبة من هذه القصة: أن الذي فعل هذا، والذي نهض بهذا الأمر، هي امرأة، لكنها عجوز، امرأة عجوز، وكان عندها أربعة من البنات. فجاءت إلى رجل يقال له قدار بن سالف، وهو مشهور، ولا يكاد أحد من كتب التفاسير والسير إلا ويذكر لك قدار بن سالف. جاءت هذه المرأة العجوز، وقالت: اختر من بناتي من شئت، تكون زوجة لك، بشرط أن تقتل الناقة، أن تقتل الناقة. فالحاصل أن هناك يعني حركة ثورية من داخل المجتمع الثمودي في التخلص من الناقة بأي طريقة. فكان عندنا، فقيل: أن هذا الرجل، مصرع، وكذلك قدار، اثنان. وهناك كذلك سبعة كانوا معهم، فالمجموع تسعة. هؤلاء هم الكبراء الذين تحمسوا، تحمسوا لفكرة قتل ناقة صالح عليه السلام. فنأتي الآن إلى كيفية القتل، المشهور بين كلام العلماء في هذه المسألة: أن الأول والثاني هم الذين يتبنون مسألة القتل، فانتظروا في اليوم الذي تأتي فيه الناقة، لأن ما تظهر إلا في يوم الشر، تظهر في يوم الشر، وهو اليوم الذي يحلب منه الناس. وبعدها تختفي، ما دامت تذهب. فجاءت في هذا اليوم، فانتظروها هؤلاء أن تأتي، فقام هذا الرجل، وهو الأول، وهو المسمى بمصرع بن مهرج، فرماها بسهم في ساقها، فرماها بسهم في ساقها. وعلى إثر، وعلى إثر هذا السهم، ماذا صار؟ سقطت، سقطت الناقة. ثم قام إليها قدار، وقد أتى بسيفه، فطعنها في لبتها. واللبة هذا المحل الذي تنحر منه الإبل، وهو يكون في آخر، في أعلى الصدر، قريب من الرقبة، اللبة، طعنها، لأن هذا المكان الذي تطعن فيه الإبل، تخرج الدم، فتنزف حتى الموت، فتنزف حتى الموت. قالوا في الرواية: أنها لما أول ما سقطت، لما سقطت هذه الناقة، خرج أهل ثمود يراقبون. وسأأتي من كانوا يراقبون أيضًا. فخرجوا يستبشرون: اقتلوها، اقتلوها، اقتلوها، خارج من كل مكان، لأنهم قد تواعدوا على هذا اليوم، أرادوا أنهم يتخلصوا من الناقة. فتواعدوا على هذا اليوم، فترقبوا، فلما رأوا أنها أول ما سقطت، خرجوا، خرج النساء، وخرج الأولاد، والصغار والكبار، تنادوا فيما بينهم: أن اقتلوها، أن اقتلوها. فقام قدار، وهو أشقى القوم، فطعنها في لبتها، حتى قضى عليها. وأمر الفصيل، ونرجع إلى الفصيل، كما قلنا، والفصيل هو ابن الناقة الذي خرج معها. وأكرر: الفصيل ما له ذكر كثيرًا في القرآن، بل ما له ذكر أصلا، لكن يذكر في كتب العلماء، في كتب التفاسير، وتواريخ، يثبتون أن الفصيل كان موجودًا، وأنه خرج، وأنه حضر محل المقتلة. وهنا اختلف العلماء: ماذا كان مصير الفصيل؟ بعض العلماء يقول: أنه قتل معها، قتل معها، وانتهى أمره. ومنهم من قال: أنه فر، فر وهرب. ومنهم من قال: أنه رجع إلى الصخرة التي خرج منها، ودخل، وسدت عليه الصخرة، وسدت عليه الصخرة، وانتهى أمره. هذا من المشهور أن أقول لكم ما الذي شهر. لكن هذه المسألة ستأتينا في مسألة أخرى، أذكرها في نهاية الدرس، بإذن الله، تتعلق بهروب الفصيل. هذا الشاهد أن الناقة قتلت على يد هؤلاء الذين تمردوا على أمر الله، وعلى أمر رسوله صالح عليه السلام. نأتي إلى عاقر الناقة، من الذي عقر الناقة؟ طبعًا هو قدار. لكن جاءت في بعض الأخبار أو الأحاديث، يحسنها جماعة من أهل العلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف ذلك بقوله: «انتدب لها رجل ذو عزة ومنعة في قومه». وهذا يحسنه جماعة من أهل العلم، فيه بيان لصفة هذا الرجل. وأكثر العلماء يشيرون إلى أنه قدار هو بنفسه هو الذي قام بهذا. وقد جاء في القرآن الإشارة إلى طريقة إلى مسألة تكالب أهل ثمود على قتل الناقة. وإذا ما جاء في قول ربنا عز وجل: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسِقْيَاهَا فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾. إذ انبعث أشقاها، هم أشقياء التسعة، هم الأشقياء القمة، هم الذين حركوا وداروا في القرية، وحرضوا الناس على قتل الناقة. لكن أشقاها، هذا الذي قام بالقتل، هذا الذي قام بالقتل. قال: ﴿انْبَعَثَ إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾، فقال لهم رسول الله: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ وَسِقْيَاهَا﴾، أي احذروها، أي صالح، علم بمؤامرتهم، وقد حضر هذا المشهد. فما كان من أمره أن يذكرهم الله في الناقة: ناقة الله، ناقة الله، احذروا، احذروا ناقة الله، الأمر ليس عبثًا، ليس عبثًا، الأمر سيأتيكم ما يسوءكم، سيأتيكم العذاب الذي قد أخبرتكم به. فكان مشفقًا عليهم، فقال لهم: ناقة الله، أي احذروا ناقة الله، واحذروا سقي الناقة، لا تعكروا، لا على الناقة ولا على سقيها. فإذا بالقوم، لا، لا بهذا ولا بذا. فقال ربنا عز وجل: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾، فعقروها. نستفيد من ذلك فائدتين: فإذا عدت إلى كيفية قتل الناقة، وهو العقر، ما هو العقر؟ العقر هو يستخدم مع الدواب، إذا أردت من حيوان، وكان هذا حيوان كبير، كمرتفع، كخيل، كإبل، ونحو ذلك، إذا أردت أن تنزله، وهو قائم، أردت أن ينزل، ماذا؟ فإنك تجلسه بعقر ماذا؟ القوائم، قطع السيقان. إذا قطعت السيقان، سقط، نزل، نزل إليك. ولهذا لما ذكرنا في قصة كيفية قتل الناقة، الماذا فعل الرامي أول ما رمى؟ رمى الساق، رمى الساق، لماذا رمى الساق؟ لأن هذا عقر لها، إذا أصيبت في ساقها، سقطت، سقطت. ولهذا تجد دائمًا وصف قتل الناقة بالعقر، لأن هكذا كان مبدأ القتل، عقرت الناقة، أي ضربت في قوائمها، مما دعاها إلى أن تسقط. فلما سقطت، أصبحت سهلة المنال، هي كما يقول: هي ضخمة، مرتفعة، لربما ما استطاعوا، وهم على أن ينحروها، وهي واقفة، لبعدها عنهم، فاحتاجوا إلى مسألة العقر حتى تدنوا. فلما دنت، قامت العملية الثانية، بالطعن، وهي في الأرض، بطعنها حتى قتلوها. وفي الفائدة الثانية، في قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾، فيها ماذا؟ فيها الضمير، من الذي عقر؟ هو واحد، هو واحد، كما في قوله تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾. نادوا صاحبهم، أي أن أهل ثمود عندما جاء هذا اليوم الذي أرادوا فيه قتل الناقة، تنادوا فيما بينهم: من هذا الذي يقوم؟ من الذي سيباشر قتل الناقة بيده؟ فتنادوا بينهم، فقام هذا الشقي، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾. فتعاطى، اختلف العلماء: ما معنى تعاطى؟ بعض العلماء يرى: تعاطى، أي أنه سل سيفه، شهره، وهزه: أنا، أنا، فهو قدار، هذا الذي فعل هذه الفعلة، تعاطى، أي سل سيفه، وهزه، مفتخرًا بفعلته، الذي سيفعلها، فمضى إلى الناقة. وقيل: تعاطى، أي أنه ماذا؟ أمر، تعاطى أمرًا عظيمًا، أتى أمرًا عظيمًا، ما قام به. لأن هؤلاء، مع كفرهم، مع هذا، كانوا على خوف، عندما جاء ذاك اليوم الذي قد رتبوا أمورهم على قتل الناقة. قالوا فيما بينهم: من يقتلها؟ أنت؟ قل: لا، أنت؟ أنت؟ لا، أنت؟ ما أحد يريد ماذا؟ أن يتلطخ بدمها، لا زال يحسبون حساب، يحسبون حساب. فتعاطى، فعقر، على قولين عند المفسرين: إما أنه تعاطى أمرًا عظيمًا، تعدى الناس عنه. أو تعاطى، أي أنه رفع السيف. ألا شاهد أن الذي قتل الناقة، وباشر، واحد. يأتي السؤال هنا: أنك تجد في التعبير القرآن، في قول ربنا عز وجل: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾، ضمير جمع، لماذا؟ قال العلماء: فيه إشارة إلى أن هذا القاتل هو ليس الذي باشر القتل، بل كل أهل ثمود شاركوا القتل، شاركوا القتل. وقد جاءت الروايات: أن هذا قدار، لما تم اختياره لهذه المهمة، قال: ما أقبل فعل هذا حتى تعطوني الإذن من الناس جميعًا. فأخذوا يدورون على أهل ثمود طاقًا كاملًا، حتى كانوا يدخلون على المرأة في خدرها: أترضين أن نقتل الناقة؟ أن نذبح الناقة؟ تقول: نعم، نذبحها. حتى جاء في بعض الروايات: يأتون إلى الصبية الصغيرة، صبية صغيرة. فأصبح الكل، الكل، مؤيد لهذه الفكرة، أي من الكفرة، ما أحد أبدًا منهم ترفع. ولهذا ما كان قدار الذي باشر القتل إلا مندوبًا عن الكل، مندوب فقط. ولهذا أضيفت هذه الجريمة إلى الجميع: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾، أي كلكم عقرتموها. ولهذا كان العذاب جاء للجميع. وبهذا تعلم أن الإثم يعم للفاعل، ومن كان راضٍ بالفعل للفاعل، ومن كان راضٍ بالفعل، فإن الله يعم الجميع بالعقاب، ولا ينجي الله عز وجل إلا المنكر لهذا المنكر. فالشاهد، إخواني في الله، أن هذا الأمر قد تم، لم يصل الأمر، وهناك مداخلة، كما يقال: أن هؤلاء عندما قتلوا الناقة، ترقبوا لأمر آخر، وما هو؟ ترقبوا إلى قتل صالح عليه السلام. وجدوا أن قتل هذه الناقة ما صار شيء، إذن هذا كل ادعاء وكذب، أين العذاب؟ أين الهلاك؟ أين الذي كان يخوذن به هذا الرجل؟ هذا يكذب علينا. فحينها رأوا أن الضحية الثانية، بعد قتل الناقة، أن يقتل صالح عليه السلام. لهذا تآمروا على قتله، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ قَالَوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾. تقاسموا، أي حلفوا، وتحالفوا، حلف الأيمان المغلظة، تقاسموا بالله: لنبيتنه وأهله، ثم لنقولن لوليه: ما شهدنا مهلك أهله، وإنا لصادقون. طب، أين الصدق في هذا الباب؟ أين الصدق؟ قال بعض المفسرين: صدقهم في هذا الباب: أننا ما شهدنا، لماذا؟ لأننا لسنا شهودًا، بل نحن الفاعلون للقتل أصلا، ما نحتاج إلى شهود. ولهذا يستخدمون الحيلة في الكلام مع الأولياء: إن طالبونا: أنتم، قال: الله، ما فعلنا، والله، ما فعلنا، نحن، والله، ما شهدنا. لكن تحت، في الحاشية: نحن فعلنا، لسنا شهودًا، لكن فنظهر الحقيقة على وجه تورية، تورية في مقتل صالح عليه السلام. لكن هذا المكر، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. إذا هذا المكر الذي أراد أن يمكر بصالح عليه السلام، إلا أن الله جل وعلا مكر بهم. فالله جل وعلا من صفاته المكر، إلا أنه يمكر بمن مكر به، بمن مكر بدينه، بمن مكر برسله. وهذه من صفات المقابلة، فالله يخادع من خادعه، يمكر بمن يمكر به، يكيد بمن أراد أن يكيد به. ولهذا لما أراد أن يمكر بصالح، مكر الله عز وجل به. هنا نأتي، إخواني في الله، إلى مسألة الأخيرة، وهي العذاب الذي حل على قوم صالح. طبعًا، لما قتل الجماعة الناقة، بدأ العذاب ينزل عليهم. أول ما كان من العذاب الذي بدأ بهم: أن الله عز وجل أوقف عنهم الأمطار، أوقف عنهم القطر. فإذا بهم ازدادوا في كفرهم، فقالوا: ﴿وَظَنُّوا أَنَّ هَذَا مِنْ تَطْيِيرِنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾، قالوا: اطيرنا بك وبمن معك. فهذا صالح، من فعلك، بعد ما جئتم بهذه الدعوة، ما حصل، لا أمطار، جاءنا الجفاف، تطيروا، أي تشاؤموا. ثم لما زاد الأمر عتوا، حينها استعجلوا العذاب، كما استعجل من كان قبلهم من قوم عاد، فطلبوا أن الله عز وجل يعجل لهم العذاب. قالوا: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، ائتنا الآن، ائتنا بما تعدنا به. قال: إن كنت يا صالح تجد أنك تدعي أنك نبي، ولا زلت مع أن الناقة قد قتلناها، وما هناك شيء، فأتنا بما تعدنا. حينها ذكرهم بعذاب الله عز وجل، قال: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾. وهؤلاء أول بلدة، أول قرية، معذبة، جاءها العذاب، محددًا بالوقت والزمان. كل الأقوام الكافرة الذين يأتيهم الهلاك قبل وبعد، يأتيهم بغتة، يأتيهم فجأة، إلا ما كان من قوم صالح عليه السلام، فقد أخبرهم أن العذاب سيأتيهم بعد ثلاثة أيام. تمتعوا في دياركم، تمتعوا في داركم، تمتعوا، خذوا راحتكم، ثلاثة أيام. لكن بعد الأيام الثلاث، سيأتيكم العذاب الذي لا فرار منه، ولم فكاك. أخبرهم. ولهذا كانوا يعيشون هذه الأيام على تخوف، كانوا في كل يوم يموتون، كل يوم يموتون. ولماذا عذبوا بهذا العذاب؟ قال العلماء: لعظيم كفرهم، لآية كانت واضحة جلية، ما لها أي مفر، آية أخرج لكم ناقة من شجر، من صخرة، وتشرب، وتعطيكم لبنًا للقرية بأكملها، وبخامة جسمها، وكل ما فيها، ومع ذلك كفرتم، وعنتتم. فلوضوح الآية، كان العذاب ماذا؟ شديد، وأعظم العذاب، بدأ بالعذاب النفسي، ثلاثة أيام، تمتعوا في داركم، وبعد الأيام الثلاث، سيأتيكم العذاب. فقال: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾، ما هناك كذب، وعد حق، وعد سيكون. فبدأ أتى الأيام الثلاث، المشهور عند المفسرين: بدأ ذلك من يوم الخميس، الخميس أول يوم، الجمعة اليوم الثاني، السبت اليوم الثالث، صباح الأحد، صباح الأحد، منذ أن أشرقت الشمس، من أن أشرقت الشمس يوم الأحد. وقد مر معنا أن العذاب متى ينزل؟ العذاب ينزل في الصباح، وهذا كذلكم في بعض الروايات، ذكروا أنهم في هذه الأيام الثلاث وجدوا تغيرات، هذه التغيرات حصلت في وجوههم، وكانوا يلاحظون هذا. ففي يوم الخميس، وفي يوم الخميس، وجدوا أن وجوههم قد اصفرت. وفي يوم الجمعة، وجدوا أنها قد احمرت. وفي يوم السبت، وجدوا أنها قد سودت. وما جاء الأحد إلا ونزل عليهم العذاب. وما هو العذاب الذي نزل على قوم صالح؟ ما هو العذاب الذي سلطه الله جل وعلا على ثمود؟ العذاب: أن الله عز وجل أرسل عليهم الصيحة، أرسل عليهم الصيحة، كما قال ربنا: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾، قال سبحانه: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾، رجفة وصيحة. ابن كثير رحمه الله تعالى حاول أن يجمع بين الأمرين، فكانت الصيحة تأتيهم من فوقهم من السماء، وارتجفت الأرض من تحت أقدامهم، رجفة شديدة. قال ربنا: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَضِرِ﴾، هشيم، لما تذهب الحضيرة عند الأبقار والأغ