الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 152، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض ابن عثيمين دروساً متعددة من حديث الثلاثة الذين ابتلوا، مؤكداً أن القصص في الوحي للعبرة لا للتسلية، ومبيناً قدرة الله على الشفاء بمجرد مسح الملك، وحقيقة تشكل الملائكة في صورة البشر، وضبط الرواة لألفاظ الحديث، والفرق بين الرضا بقضاء الله والرضا بالمصيبة نفسها. كما يسرد ست عشرة فائدة منها: شكر النعمة بالعمل بمقتضاها، جواز التظاهر بحال لمصلحة دينية، فضل الورع والزهد، ثبوت الإرث في الأمم السابقة، إثبات صفات الرضا والسخط والإرادة لله، وأن الصحبة تكون بالمشاكلة في الابتلاء، وأن النعم ابتلاء واختبار، والتذكير يكون بالأقوال والأفعال والهيئات.
يوضح المقطع الفرق بين القدر (ما قد يقع وقد لا يقع) والقضاء (ما وقع بالفعل)، ويبين أن الرضا واجب بالقضاء لا بالمقضي، مع تفصيل أحكام الرضا بالمصائب والأحكام الشرعية. كما يستعرض جواز الدعاء المعلق والتنزل مع الخصم لإفحامه، وأن بركة الله لا نهاية لها، وأن شكر كل نعمة يكون بحسب نوعها.
يعلن المتحدث انتهاء المقطع بالاكتفاء بما تم طرحه من فوائد وأحكام. ويشير إلى أن الترجمة من إنجاز نانسي قنقر.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول العلامة ابن عثيمين عليه رحمة الله في ذكره للفوائد والعبر من قصة الثلاثة: الأبرص والأقرع والأعمى: قال: في هذا الحديث من العبر شيء كثير جداً، منها أولاً: القصص تأتي في الكتاب والسنة لأجل الاعتبار والاتعاض. لماذا النبي صلى الله عليه وسلم يخبرنا بمثل هذا القصص؟ القصص التي وقعت في الأمم التي قبلنا، هل هكذا من أجل التسلية أو من أجل مرور الوقت أو نحو ذلك؟ أبداً، وإنما يذكر لنا مثل هذا القصص لنأخذ منها العلم والمواعظ والعبر والعظات. قال: ومنها بيان قدرة الله بإبراء الأبرص والأقرع والأعمى بمجرد مسح الملك لهم، فالله عز وجل على كل شيء قدير. فمن الذي جعل هذا العبد أبرص أو أقرع أو أعمى؟ إنه الله سبحانه وتعالى، فالذي أوجده قادر سبحانه وتعالى على أن يبرئه وعلى أن يبعده عن هذا المرض. فانظر بمجرد مسحة، وماذا تغني هذه المسحة من هذا الملك؟ ولكنها قدرة الله سبحانه وتعالى. قال: ومنها أن الملائكة يتشكلون حتى يكونوا على صورة البشر لكن بأمر الله لهم، وهذا كما وقع في حديث سؤال جبريل عليه السلام لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم في أركان الدين: الإسلام والإيمان والإحسان. قال: جاءه رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، فجاء جبريل على صورة بشر، صورة رجل. فكذلك في هذا الحديث جاء هذا الملك إلى هؤلاء الثلاثة على صورة رجل، ففيه أن الملائكة يتشكلون، فقد يحضرون في مكان ما لكن على صورة البشر، ولا يكون ذلك إلا بأمر الله، بأمر الله عز وجل لهم بذلك. وكما جاء في حديث ذاك الذي زار أخا له في قرية فأرسد الله على مدرجته ملكاً، أي على صورة رجل، على صورة رجل، فمن الذي أرسله الله عز وجل؟ فهذا دليل على أن الملائكة لا تتشكل إلى صورة البشر إلا بأمر الله سبحانه وتعالى. قال: ومنها أن الملائكة أجسام وليسوا أرواحاً أو معاني أو قوى فقط، نعم لأنهم يتشكلون، والتشكل من صورة إلى أخرى هذا دليل على أنهم أجسام، وليس كما يقول بعض الفلاسفة: هذه الملائكة عبارة عن أرواح فقط لا حقيقة لها ولا أجسام لها، هذه النصوص الشرعية ترد قولهم هذا. قال خامساً: حرص الرواة على نقل الحديث بلفظه، لأن الراوي شك في الحديث فذكره باللفظين، فقال: نعم، قال له: أي المال أحب إليك؟ قال: الإبل أو البقر، شك الراوي: الإبل أو البقر، شك الراوي أي: شك إسحاق، شك إسحاق هل قال الإبل أو البقر؟ فهذا دليل على حرص الرواة على نقل الحديث بلفظه. قال: ومنها أن الإنسان لا يلزمه الرضا بالمقضي ويجب عليه الرضا بالقضاء الذي هو فعل الله، ففرق بين فعل الله والمقضي. والمقضي، نعم، فرق بين فعل الله والمقضي. والمقضي ينقسم إلى مصائب لا يلزم الرضا بها، وإلى أحكام شرعية يجب الرضا بها. إيش معنى هذا الكلام؟ معنى هذا الكلام: أولاً لا بد أن تفرق بين المقضي وبين كذلك القضاء. القضاء هو ما قضاه الله بمعنى قدره وأوجده، هذا يسمى القضاء. يعني مثلاً: أصبت بمرض، فحدوث هذا المرض قضاء. ولذلك يفرق بعض العلماء بين القدر والقضاء: أن القدر قد يقع وقد لا يقع، القدر قد يقع وقد لا يقع. نعم، يعني قد أنت تتوقع أن يقدر الله عز وجل عليك شيئاً، هذا الشيء قد يقع وقد لا يقع. دخلت الاختبار فأنت تتوقع أن تنجح في هذا الاختبار، هذا النجاح قد يقع وقد لا يقع، هذا يسمى قدر. فإذا وقع النجاح هذا يسمى ماذا؟ قضاء، هذا يسمى قضاء. ولذلك الإيمان بالقضاء والقدر: القضاء قدر إذا وقع. والقدر إنما هو ما أراده الله، فقد يكون هذا ما أراده الله واقعاً وقد يكون غير واقع، بمعنى أن الله إذا لم يرده لم يقع، وإذا أراده وقع، وإذا أراده وقع. فقولوا هنا: أن الإنسان لا يلزمه الرضا بالمقضي ويجب عليه الرضا بالقضاء. المقضي يعني الشيء الذي لربما وقع له، لربما وقع له. وأما القضاء فهذا بعد الوقوع، وأما القضاء فهذا بعد الوقوع. ولذلك قال: ففرق بين فعل الله وهو ماذا؟ القضاء. القضاء هو فعل الله لأنه قد وقع. والمقضي الذي لربما يقع، لربما يقع. ولذلك قال هنا: المقضي ينقسم إلى مصائب لا يلزم الرضا بها، وإلى أحكام شرعية يجب الرضا بها. يعني هذه المصائب هذه المصائب قد تقع وقد لا تقع، أما الأحكام الشرعية فأنت مأمور بها، فأنت مأمور بها، فلابد من الرضا بها، فعلتها أو لم تفعلها فلابد من الرضا بها. قال سابعاً: جواز الدعاء المعلق، بأن هذا الملك قال: إن كان عبدك هذا كاذباً بهذا الوصف، بهذا الوصف، وكما جاء في بعض الروايات الأخرى: إن كان هذا عبدك كاذباً قام ريان وسمعة أيضاً، هذا فيه من التعليق بالدعاء. قال: ومنها جواز التنزل مع الخصم فيما لا يقر به المتنزل لأجل إفحام الخصم. يعني قوله: جواز التنزل مع الخصم، هذا في قول الملك للأبرص والأعمى: ألم تكن فقي؟ ألم تكن... نعم، قال له: نعم، قال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقدرك الناس؟ هذا الآن فيه جواز التنزل مع الخصم فيما لا يقر به المتنزل لأجل إفحام الخصم، يعني تقول له: ألم كنت كذا وكذا؟ ألم تفعل كذا وكذا؟ ألم كنت مصاباً كذا وكذا؟ هذا من باب إفحام الخصم، من باب إفحام الخصم وهو لا يقر به، وهو لا يقر به. لأن هذا صاحب الإبل ماذا قال؟ قال: ورث ذلك كابرا عن كابر، يعني أنكر ما ذكره به هذا الملك، ما قرره وذكره به هذا الملك، فهذا من باب التنزل مع الخصم. قال تاسعاً: أن بركة الله لا نهاية لها، ولهذا كان لهذا وادٍ من الإبل. يعني أن البركة من الله عز وجل قد تكون بركة عظيمة، بركة عظيمة، فقد يرزق الإنسان في أول الأمر بالمال القليل، فما هي إلا أشهر أو سنة أو سنتين فإذا بهذا المال يتكاثر، وإذا بهذا المال يتضاعف، نزلت عليه البركة الإلهية. يأتي طالب العلم لربما ما يفهم ولا يحفظ إلا القليل، يجلس الشهر أو الشهرين أو السنة فإذا به ينبغ، وإذا به يبرز، وإذا به تتفتح عليه مقاليد أو تتفتح عليه أبواب العلم، فإذا به ما شاء الله آية في الفهم والحفظ والذكاء والنبوغ، تنزلت عليه البركة. فالبركة من الله عز وجل إذا حلت في شيء لا تسل عن كثرته وعن وعن تضاعفه وعن زيادته. قال عاشراً: بيان أن شكر كل نعمة بحسبها. يعني إذا أعطيت مالاً فمن شكر هذا المال أن تنفق منه، لأن الملك ما طلب منهم شيئاً غير ما أعطوا من هذه النعم، فصاحب الإبل طلب منه إبلاً، ما طلب منه بقرة أو شاة أو ذهب أو فضة. فالشكر كل نعمة بحسبها: أعطيت من العلم فمن شكرك لهذه النعمة أن تبذل من هذا العلم وأن تنفق منه وأن تزداد تواضعاً وأن تزداد نشاطاً في تبليغه، هذا من شكر العلم. أوتيت حفظاً في القرآن فمن شكرك لهذه النعمة أن تعلم غيرك، أن تعلم غيرك هذا القرآن. أعطيت سيارة فمن شكرك لهذه النعمة أن تتعاون مع إخوانك في الدعوة في نقل الدعاة في كذلك ذهاب للمحاضرات ونحو ذلك، فهذا أيضاً من شكر هذه النعمة. فبيان أن شكر كل نعمة بحسبها. قال: وفيه جواز أن يتمثل الإنسان بحال ليس هو عليها في الحقيقة، لأن هذا الملك ليس هو عابر سبيل وليس هو مسكين، فهذا يجوز إذا كان بأمر الله أو فيه مصلحة دينية، فيه مصلحة دينية أو نحو ذلك. قال الثاني عشر: أن الإبتلاق قد يكون عاماً وظاهراً وقصتهم مشهورة، بمعنى أن هذه القصة انتشرت فصار ابتلاؤهم عاماً للناس جميعاً، لم يكن خاصاً بهم، لم يكن خاصاً بهم. قال الثالث عشر: فضيلة الورع والزهد وأنه قد يجر صاحبه إلى ما تحمد عقباه، كالأعمى. الأعمى زهد في هذا المال الذي أعطيه، فقال لهذا الملك الذي جاءه على صورة مسكين: خذ ما شئت ودع ما شئت. يعني لو أخذ المال كله لكان هذا الرجل طيب النفس ولم يمنع هذا الرجل من أخذ جميع المال، فكان هذا الأمر له عاقبة حميدة وحسنة لهذا الأعمى، إذ أبقى الله عز وجل له هذا المال ورضي الله سبحانه وتعالى عنه. والعكس بالعكس، فإن الجشع والطمع سبب للعاقبة السيئة كحال الأبرص والأقرع، فإن الله عز وجل سخط عليهما. قال: ثبوت الإرث في الأمم السابقة، لأنه قال: ورثه كابرا عن كابر، بمعنى أن الإرث كان موجوداً في الأمم السابقة كما أنه موجود في أمة محمد صلى الله عليه وسلم. قال الخامس عشر: أن من صفات الله الرضا والسخط والإرادة، فنثبتها لله على الوجه اللائق به، لأنه جاء في الحديث في آخر الحديث: فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك. وأما الإرادة ففي إرادة الله عز وجل لهذا الأبرص أن يرجع جسده، والأقرع أن يرجع شعره، والأعمى أن يرجع بصره. قال السادس عشر: أن الصحبة تطلق على المشاكلة في شيء من الأشياء ولا يلزم منها المقارنة، لأنه قال: وسخط على صاحبيك، مع أنه لا يشبههما في ماذا؟ في الرضا وفي الإيمان وفي شكر النعمة. فالأعمى اتصف بهذه الصفات لكن الأقرع والأبرص لم يتصفا بهذه الصفات، ومع هذا قال: صاحبيك. في ماذا هذه الصحبة؟ هذه الصحبة في المشاكلة، أيش المشاكلة؟ المشاكلة في الابتلاء، الثلاثة هؤلاء ابتلوا بهذا البلاء، كل واحد بشيء من البلاء، فكانت الصحبة في هذه الصفات، في هذه الصفات. قال الثامن عشر: اختبار الله للناس بما أنعم عليهم به، فلا تظن أن من أعطي من نعم الله عز وجل أن هذا إكرام من الله له، لا، بل هذا ابتلاء واختبار ليعلم هل يؤدي حق هذه النعمة؟ أعطاه مال هل يزكي؟ أعطاه كذلك أنعام هل يعرف حق الله عز وجل فيها بإعطاء المستحقين ونحو ذلك؟ فهذا اختبار، وكما قال الله عز وجل: ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة ﴾، وقد ذكرنا آيات في ذلك. قال الثامن عشر: أن التذكير قد يكون بالأقوال أو الأفعال أو الهيئات، فهؤلاء الثلاثة يعني أرسل الله عز وجل إليهم ملكاً وهذا فيه تذكيرهم بالأفعال، إذ أن الله عز وجل أعطاهم ومنعهم، أعطاهم ومنعهم من ذلك. طيب، نكتفي بهذا وإلى هنا، والله تعالى. ترجمة نانسي قنقر