الدرس في المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 9، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
بعد إلقاء إخوته له في الجب، اشتراه واردهم من قافلة مصرية وباعه في سوق الرقيق بمصر بثمن بخس. اشتراه رجل من القافلة ليبيعه فيما بعد في مصر.
حاولت زوجة العزيز إغواء يوسف عليه السلام، ولكن يوسف رفض وفر هاربًا، فاتهمته بالاعتداء عليها. ظهرت براءته عندما تمزق قميصه من الخلف، ثم حاولت إخفاء الفضيحة ولكنها انتشرت بين النساء.
رأى ملك مصر رؤيا غريبة فاستدعى حاشيته لتفسيرها، ولكنهم عجزوا عن ذلك، فذهب الساقي إلى يوسف وأخبره برؤيا الملك، ففسرها يوسف بأن مصر ستمر بسبع سنين رخاء ثم سبع سنين شداد.
بعد أن برأته امرأة العزيز، وصل يوسف عليه السلام إلى الملك وعرض عليه الإسلام، فأسلم الملك وتدافع الناس للدخول في الإسلام. ثم ولاه الملك أن يكون وزيرًا على خزائن الأرض.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان حديثنا عن نبي الله يونس بن متى عليه السلام، وأشرنا إلى مجمل قصته، سواء ما يتعلق بأصله وبلده في الأرض العراق، وما كان من شأنه مع قريته، ومن ثم ذهب عنه مغاضبة حتى ركب السفينة، ثم استهم فوقعت القرعة عليه، فالتقمه الحوت، ثم لفظه الحوت بالعراء وهو السقيم، ثم رده الله جل وعلا مرة أخرى إلى قريته، وكانوا قد أسلموا وآمنوا. ثم انتقلنا، إخواني في الله، إلى قصة يوسف عليه السلام، إشارة إلى ما يتعلق بصورة يوسف من مسائل، وأشرنا إلى أن قصة يوسف عليه السلام جاءت بهذه التفاصيل التي عندنا في القرآن في غالب الأحداث. ذكرنا أن قصة يوسف بدأت بتلكم الرؤى، بتلكم الرؤية التي رآها يوسف، فقصها على أبيه، فحذره أبوه أن لا يقصها على إخوته، لما فيها من البشارة بالنبوة والوحي، فإن ذلك محل حسد. ثم إن إخوة يوسف كانوا بالمقابل قد وجدوا أن أباهم يعقوب عليه السلام قد مال إلى محبة يوسف أكثر منهم، وأشرنا إلى بعض المسائل التي خرجها العلماء لهذه المحبة. فكان يعقوب له فيها عذره، إلا أنهم تحيلوا على أبيهم لكي يخطفوه من بين يديه، فقد هموا بقتله، وتارى من رجح أن يذهب به بعيدًا ويرمى، ثم وقع الاختيار على أن يلقى في الجب. وأشرنا أن الجب هو مثيل بالبئر، ليس بئرًا، لأن الجب عبارة عما كان ضيقًا في الأعلى واسعًا في الأسفل، فأخرجوه بحبل وأنزلوه. ثم ذهبوا إلى أبيهم عشاء يتصنعون البكاء، ومعللين بأن يوسف قد أكله الذئب. ونحن لم نتنبه له، وجاءوا على الدليل القاطع، الدليل القاطع الدال على أن ذئبًا هجم على يوسف، أن جاءوا له بقميصه، لكن المثل السائر ما هناك جريمة كاملة، الجرائم يقع فيها نقص، وهنا يكمن حلها. هؤلاء الإخوة عندما أتوا بهذا القميص، هو قميص يوسف، نعم، لكن ليس فيه دم يوسف، وإنما أتوا قيل: أتوا بعجل أو أتوا بشاه، فذبحوه وأراق الدم إيهامًا منهم أن هذا هو دم يوسف. لكن علم أبوهم أن هذا كذب، بماذا؟ بالقميص، من أين؟ أن القميص ما تمزق، كيف الذئب يهجم على أخيكم ويغرز أنيابه ومخالبه، وهذا قميصه كامل مكمل؟ يعني القميص للذئب قام فكك القميص وأخرج ثم هجم عليه، أي عقل هذا؟ ومن أين جاء الدم هذا؟ لأن قد يقول: نعم، كان أخونا عريان بلا ثوب، طيب من أين جاء الدم؟ إذن كانت القميص على البدن، فلو كان هذا دم دمه لظهرت آثار المخالب والأنياب والنهش والقطع، فعلم أن ذلك من كيدهم ومن مكرهم بأخيهم. إلى هنا، إخواني في الله، كان حديثنا في درس أمس حول هذا الموضوع. ننتقل الآن إلى ما وقع ليوسف بعد ذلك. بينما يوسف عليه السلام كان في الجب، مرت القوافل المصرية. وكما قلنا أن إخوته تعمدوا في إلقائه في هذا البئر، في هذا الجب، وفي هذا التوقيت، تحسبًا لمرور القوافل التي ستذهب مودعة إلى بلاد مصر. فأخبر ربنا جل وعلا كيف أن فأرسلوا واردهم، فأدلى دلوه. قال: يا بشر، هذا غلام. فرح أنزل الحبل أراد الماء، فخرج مع هذا الحبل، مع هذا الماء، خرج ماذا؟ خرج صبيًا. وهذا الحادث يدل على أن يوسف عليه السلام كان صغيرًا، صغيرًا لدرجة أن الذي كان يرفع الحبل ما شعر به إلا لما صعب. قال: يا بشر، هذا غلام. فرح، فدل على صغر سنه عليه السلام. فلما رفعه إليه، أخذه إلى القافلة، وقد أخفاه عن المسافرين حتى يستحوذ عليه، فيبيعه ويأخذ ثمنه. لكن هنا في قول ربنا عز وجل: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾. الضمير، إخواني في الله، في هذه الآية، عاد إلى من؟ من الذي باع يوسف بثمن بخس بدراهم؟ الكثير من العلماء من يشير إلى إخوة يوسف، أن إخوة يوسف باعوا يوسف. هنا قد يقول قائل: كيف هم رموا وذهبوا، وجاء هذا رفع الحبل، أخذ الطفل وذهب إلى القافلة؟ كيف تجمع لي الإخوة الآن، وأنهم شاروه، تبادلوا؟ لا، انتبه هنا، الذي صار، وهذا يذكره العلماء من المفسرين، على أن إخوة يوسف، نعم، رموا أخاهم في الجب، لكن أخذوا يراقبون هذا الجب. المسألة ما اكتملت، هم لم تكن المسألة تقف على رمي أخيهم في الجب، لا، أرادوا القافلة أن تأتي، هذا لهم، خططوا للقافلة أصلا، وما هذا إلا جزء من الخطة. الخطة تكتمل بمرور القافلة، ولهذا كانوا يراقبون القافلة إلى أن أتت. وكان من عادتهم أن ينزحوا من ماء هذا الجب، فلما وجدوا أن الرجل هذا قد جاء ورفع، ورأوا أخاهم قد خرج من الجب، جهبوا مباشرة إلى الرجل. ما الذي أرادوا؟ أتوا بأمر آخر، قالوا: هذا عبد، هذا عبدنا، وجدته أين؟ حصلت، وهذا من الجب، هذا أبق عبد أبق علينا. ثم قالوا: تريده؟ هذا متعب، تريده؟ خذه، خذه. وهذا الذي معك دراهم معدودة، تكفينا. لماذا، إخواني في الله؟ إخوة يوسف كانوا يفعلون هذا لأنهم يخشون أمرًا، وهو تحيل. لو أنهم ذهبوا، كما نظن، ذهبوا وغادروا وتركوا الجب، وجاءت القافلة وأرسلوا الوارد، فأدلى دلوه ورفع فوجد الطفل، ماذا سيفعل؟ لربما يقول: طفل، الله المستعان. يا أخواني، يا شباب، يا قافل، أخي، وجدنا طفلًا في البئر، اسألوا عن أبيه. ستذهب الخطة كلها عن بكرة أبيها، وسينفضحوا، فبيحة. إذا كان هذا الإنسان فيه خير، سيأخذ الطفل، وسيدفع للأبواب، يحاول أن يهتدي في أرض فلسطين، يسأل: من قال: بأخوان هذا الطفل؟ وجدنا في البئر، أبن من هذا؟ فربما دل على يعقوب، هذا أبوه يعقوب عليه السلام. فإذا جاء، إيش صار؟ سيأتي بالفضائح والمؤامرات التي فعلها إخوانه، ولهذا هم جعلوا حسابًا لهذه القضية، فما تركوا الجب، وإنما راقبوا. فلما وجدوا أن أخوهم صعد، جاء التكملة الآن، وهو أنهم زعموا أن هذا الطفل هو عبد، وساوموه على أن يبيعوه بثمن بخس. موقف يوسف عليه السلام في هذه الفترة، السكوت، ما يستطيع، إخوانه أكبر منه عشرة، ويعرف أنهم أرادوا أن يقتلوه، القتل عندهم سهل، لو أنه فعل شيء أو تكلم أو صرح، يلا رحمه، سحبوا له، ربما ذبحوا، ما هناك شيء سيستعصي عليهم. لأنه قد مثلوا على أبيه، قد مثلوا قضية الأب، قد على أبو، قد سلم على أنه قتل، ما بعد ذلك سيكون سهل. فالشاهد، إخواني في الله، أن أكثر العلماء يجعلون وشاروه على أن الإخوة هم باعوا أخاهم لهذا الذي أتى وأذلى دلوه، فأخذه معه، بعدما أوهموا أنه عبد، وأنه رقيق، لك حق التصرف، تصرف فيه كيفما شئت. فالشاهد أنهم أخذوا القافلة، أخذت يوسف عليه السلام، ثم أدخلوه إلى بلاد مصر، على أنه عبد، على أنه رقيق. ثم أدخل في المزاد، بيع العبيد، مزاد، من يشتري؟ حاول، قد جاء ذكر العلماء أن الناس كثيرًا حاولوا على أنه يتغالون بثمنه، لما رأى من حسنه وجماله، حتى استطاع العزيز العزيز، وهو من له مكانة في بلاد مصر، أن يدفع المبلغ الكبير في شراء يوسف، وضمه إلى بيته. فأخذه، ودخله إلى بيته، وكان من خلال النظر، توسم فيه خيرًا، فقال لزوجته: أكريمي مثواه، عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا. ويبدو أنه ما عندهم ولد، فكأنهم أرادوا التبني، أو نتخذه ولدا. فربى يوسف عليه السلام، وتأمل، يا عبد الله، تمكين الله ليوسف، بالأمس كان في بئر، والآن أصبح في قصر، سبحان الله، يقدر الله جل وعلا الأقدار. فعاش يوسف عليه السلام برهة من الزمن في بيت العزيز، معززًا مكرمًا، حتى بلغ أشده واستوى. هنا قامت زوجة العزيز، بعدما هيأت نفسها بالمراودة، أخذ تراود يوسف، وخاصة مع كلما دخل في العمر، وكلما شب، ازداد جمالًا، فتعلق قلبها به، فراودته عن نفسه. إلا أن يوسف، لقوة إيمانه، وشدة تعبده لربه جل وعلا، قال: معاذ الله، إنه ربي، من ربي؟ سيدي العزيز. القول الصحيح: إنه ربي، أي ما أخون ربي، ما أخون سيدي، قد أحسن مثواي، ضمني إلى بيته، وأعطاني، وأطعمني، ورباني. ثم إني أخونه في أهله، لا والله، ما عاد الله، لن أقدم على هذا. فلا زالت به حتى ما وجد الفكاك منها إلا بالهروب، والهروب أوصله إلى هذا الباب الذي في البيت، فهرب. والمرأة لم تتركه، بل من خلفه استبق سباقًا، كما عبر القرآن. فلما وصل يوسف عليه السلام أولًا إلى الباب، ففتح الباب، فإذا بالسيد بسيده، وهو زوج المرأة، وجد هذا المظهر. وكان المظهر واضح الدلالة، لأنه لما فتح الباب، كان يوسف أمامه، وكانت المرأة من خلفه، يعني كان يوسف هو أول واحد على الباب، إذن هو هم بالخروج. إلا أن امرأة العزيز لفقت التهمة على يوسف عليه السلام، وأخذت تلقي باللامة عليه، وتقول لزوجها بأن يوسف هو الذي بدأ بالمراودة، وأنه هو الذي أغلق الأبواب، وحاول أن يمسها بسوء. حاول يوسف كذلك أن يدافع أمام هذه المعضلة، استشار العزيز رجلا من قرابته، وهو كما يذكر في كتب المؤرخين، استشار ابن عمه، وهذا هو الشاهد، فقد كان رجلا حكيما، استشاره في قضية امرأته، وما صار. فما الحل؟ فكان هذا رجل حكيم، قال: انظر في القميص، قميص يوسف، إن وجدته قد من قبل، من أمام، والقد هو التمزق بالطول، طولًا، إن قد من قبل، فصدقت، وهو من الكاذبين، لأنه دل على أنه هجم عليها، وهي تنازع وترده، فيكون آثار الدفاع عن النفس واضحًا، أن القميص من الأمام ممزق. لنستدافع هي. وإذا كان الأمر عكس، وإن كان القميص قد من دبر، فكذبت، وهو من الصادقين. وإذا رأيت العكس، لا أعلم أن الرجل هو الصادق، وأنه أراد أن يهرب، لكن المرأة حاولت أن تمسك من خلف، فتمزق. فكان الأمر أن القميص قد من دبر، قد من دبر، أي من خلف. حينها ظهرت أمارة صدق يوسف عليه السلام، وأنه بريء مما رمي به. يقول العلماء: يظهر من الحوار الدائر بين زوجة العزيز مع العزيز، أن العزيز هذا الرجل يمتلك شخصية ضعيفة، يمتلك شخصية ضعيفة. لأن من بداية الأزمة، وهي تملي عليه، تملي على زوجها، هذا يزج، هذا يعذب، هذا لا تتركه، هذا وهو ساكد، وتضبط. هذا الضعف لما بانت الحقائق، بانت الحقائق، وأن يوسف بقميصه قد صدق، وأنه ليس المعتدي، ماذا قال هذا الرجل العزيز؟ قال: يوسف، أعرض عن هذا، خلاص، اسكت، ما في داعي تتكلم بهذا الموضوع. وأنت استغفري لذنبك، بس، بس، دل على ضعف الشخصية في هذا الرجل، كما استنتج ذلك الكثير من العلماء، تعامله لم يكن فيه حزم، لم يكن فيه حزم. ولهذا هذه المرأة ستعاود الكرة، لأن زوجها ضعيف، ما سيؤثر عليها، وخوفها، وما تخاف منه. الشاهد أن هذا الملك العزيز علم بفضيحة زوجته، وأنها ما ينبغي، فأمر من يوسف أن يسكت، اسكت، تتكلم، أعرض عن هذا الموضوع، أنه شيء ما صار، يوسف شيء ما صار، يمشي شق حياتك، وأنت خاص بتعدي. مشت الأمور على هذا، يوسف التزم الصمت، التزم الصمت، فللبيوت أسرار، وقد أخذ عليه الميثاق. لكن البلية ظهرت، ماذا في المرأة؟ أنها ما سكتت، كأنه عندها صويحبات، عندها من تجالسها، من معارفها، فأخبرتها الخبر، بأنه قد صار كذا، وهذا يوسف، أنه أحببته، وأنه حاولت معه، لكن المرأة، مرأة تبلبل، هذه ما كتمت السر، ذهبت إلى غيرها، على أول باك، بيني وبينك، ثم تذهب، بيني وبينك، ثم تذهب، بيني وبينك. والمرأة، الخبر في المجتمع، والكلمة، بيني وبينك، الآن إذا خرج عن اثنين، ما يكون بيني وبينك، تكشف الأسرار، فتكشف السر. فأخذ النساء يتكلم، وقالت امرأة العزيز: تراود فتاها عن نفسه، قد شغفها حبًا. هذا الكلام الذي وصل إلى زوجة العزيز، سمته مكرًا. قال: فلما سمعت بمكرهن، كيف علمت زوجة العزيز أن كلام النسوة في الخفاء مكر؟ مكر، لأنه احتوى على عدة جمل، قالوا: امرأة العزيز، امرأة، يعني أنت استحي، أنت ما أنت بنت، أنت متزوجة، خلاص، يكفيش، الزوج، عشت ترد، منظرف إلى الرجال، وأنت متزوجة، من متزوجة عزيز، رجل غني، ثري، يكفيش، يغنيش. وتراود، ليس العل أن الرجل الذي يتهمه الذي يراودك، بل أنت بدأت، يا عبا، واستخدموا فعل المضارع، تراود، وكأنها تفعل هذا، ما هي أول مرة عليها، سوابق، هذه الحرمة تراود، وتراود، من فتاها، عبد، لو أنها راودت شخصًا بمنزلتها، تاجر، ثري، لهذا الخطب، لكن عبد. فكانوا يأتون بمثل هذه العبارات، والمرأة تعقل هذا الكلام، فعلمت أن النساء من بعدهن يمكرن بهن. فحينها أرادت أن تقابل المكر بالمكر، حينها دعت النساء، دعت النساء، على أن عندها مأدبة الطعام، عندها شيء، لأنها مغثرية، عندها أموال، فدعت الصحبات، والتي ممن عرفت منهن أنها تكلمت فيها، دعتهم إلى بيتها، يوم الأيام، وأعدت لهن متكأ، وأعدت لهن متكأ، متكأ كل واحد لها المكان الخاص بها، منفصل، مكان خاص بها، منفصل. وأعطت لكل واحدة منهن سكينًا، من مكرها، أن أولًا صلع الطعام، وهذا الطعام ما يؤكل إلا بالسكين، وهذا الطعام الذي يؤكل بالسكين، ليس سكين واحدة، الكل يتهافت عليها، لا، بل كل واحد لها سكين لها خاص، تستغني عن الثانية، وكل واحد معها سكين. وانتظرت إلى أن تبدأ عملية القطع، ثم استغلت عنصر المفاجأة، فقد أخرج عليهم الآن، أخرج، يا يوسف، لم تبهد لهذا الموضوع، ما قلت لهم، موضوع يوسف، أنا الآن سأطمن، أن يأتيكم، وأن تنظروا، لا، قلت: أخرج، مباشرة، بعدما تهيأت، وجهزت. لأنه يعيش في بيت الملوك، فخرج في هذه الأثناء، فلما رأينه، أكبرنه، أي عظمنا، هذه الخلق العظيمة، خلق ما رأوها، وكيف لا، ويوسف، آتاه الله شطر الحسن، نصف الجمال البشرية، أعطي اليوسف عليه السلام، فما أظنك بجماله، بهائه. فما كان من النسوة، من شدة الدهشة، إلا أنهن قطعن أيديهن، كما قال: السكين تتحرك بغير الشعور، طبعًا ليس المقطوع، كما يقول بعض العلماء، ليس المضعف، تقطيع، يعني قطع الأصابع والعظام، لا، كأنه خدوش، خدش، خدش، وقع في اليد، لربما سال منه الدم، لكن من غير الشعور، من غير الشعور، لما رأينا من هيبة وجمال وبهاء يوسف عليه السلام. ثم قامت المرأة العزيزة، الشاهد أن المرأة ماذا فعلت؟ ردت المكر القولي بالمكر الفعلي، وهذا هو مكر النساء، هذا هو مكر النساء، إن كيدهن عظيم. فكادت لكيدهن، فوقعتنون في هذه المسألة، حينها صرحت لهم، أن هذا يوسف، هذه قصته، وهذا الذي أنا قد شغفت به. ثم أعادت الطلب، يا يوسف، افعل الذي آمرك به، أما الآن، إما أن تفعل، وإما السجن، ما هناك عذاب، لا، السجن، السجن، وإلا تفعل. فما زاد يوسف عليه السلام إلا إصرارًا، قال: رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه. فحينها وجد أهل القصر، وأهل الرئاسة، ومن كان في هذا القصر، على أن المصلحة هو أن يبعد يوسف كليًا من هذا القصر، وأن يطرح بالسجن، يسجن، لأن كما قلنا، المرأة كانت هي التحكم، ليس الزوج، هي التي هي الحاكمة لهذا، طلبت من زوجها أن يفرض على هذا الرجل عقوبة، فوقع يوسف عليه السلام، وأدخل السجن. وماذا بتهمة؟ ليس هو فيها مذنب، وإنما كان فيها بريء عليه السلام. فالشاهد، إخواني في الله، أن هذه قصة يوسف مع النسوة، جلس يوسف فترة في السجن، مدة. ننتقل الآن إلى حادثة أخرى، الحادثة الأخرى، حادثة لملك مصر، انتبه، انتهينا من العزيز، لا تخلط بين العزيز عزيز مصر، وملك مصر، عزيز مصر، هذا رجل يعتبر من وجهاء مصر، فقط، واجهها، من أعيانها، قد يكون من وزارائها، انتهينا منه، ننتقل الآن إلى ملك مصر، الذي بيده البلاد، ويحكم الزمة العباد، بالنظام. ما الذي صار لهذا الملك؟ على اختلاف اسمه، ولقبه، على مذاهب شتى، ولا يفيدنا شيء، التعرف على اسمه، والخلافة الحاصل فيه الملك، وقعت له رؤية، وقعت له رؤية، ما هي الرؤية؟ استيقظ يومًا ما، فوجد أنه في رؤيا، وجد سبع بقرات سمان، يأكلهن سبع عجاف، يأكلهن، أي سبع بقرات عجاف، هذا أمر عجيب، هي رؤية، لكن الرؤية عجيبة، نوعًا ما، عندك أنت سبع بقرات سمان، ويقابلها سبع بقرات عجاف، عجاف، هزيلات، ضعيفات، لا قوام لها. فإذ بها بالهزيلات تأكل السمينات، تأكل السمينات، تلهمها لحمًا. نام الملك على الرواية، ثم قام، فوجد رؤية شبيهة بهذه الرؤية، وجد ورأى في منامه سبع سنبلات خضر، يا نعات، يا فعات، ويقابلها سبع كذلك من الزرع، في سنبلة سبع سنابل، لكنها يابسة، هزيلة، وأن هذه الهزيلة تلتف حول السنابل السبع الخضر، ثم تقضي عليها، تؤدي إلى التلف، إلى تلفها. رؤية فيها نوع من العكاس، كيف الضعيف يغلب القوي؟ كيف الهزيل يغلب السمين؟ حينها استدعى الملك الحاشية، من كان ينتسب إلى العلم، من كان ينتسب إلى السحر، من كان له علم في الرؤى، استدعى، وأخبرهم برؤيته: إني رأيت سبع بقرات سمان، يأكل هنا سبع عجاف، سبع بقرات عجاف، أي هزيلات. فقال: أنبئوني، إيش عندكم؟ فإذ بالقوم أطرقوا، فما عرفوا دلالات هذه الرؤية. فقالوا: أباطيل أحلام، قال: لا، يا ملك، لعل شيء اختلط عليك، شيء في الصباح، فعلته، فاختلط عليك في الليل، فاضطربت عليك الرؤية، رؤية ما هي صحيحة، حتى ما هي صحيحة، تنفسرها، ما هي معقولة. هنا قفز الساقي، ساقي كان موجود في حاشية الملك، قال: أنا أنبئكم بتأويله، أنا عندي خبر هذا. فأمر بأن يذهب إلى يوسف. ما قصة هذا الساقي؟ وكيف تعرف على يوسف؟ هذه قصة طويلة، احنا أردنا، وأعرضنا الحديث عنها، لأنه ستأخذ علينا وقتًا. لأن يوسف لما طرح في السجن، وجد رجلين، وجد رجلين، أحدهم طباخ، والآخر ساقي، وكلاهما يعودان إلى حاشية الملك، هذا طباخ الملك، وهذا ساقي الملك. قصة طويلة، أنهما اتهما بتدبير مؤامرة إلى قتل الملك، فزج بهم في السجن، فرأوا رؤية، فقصوها على يوسف عليه السلام، فيوسف فسر الرؤية، على أنك أنت، يا أيها الساقي، ستنجو، ستنجو من السجن، وأما الثاني، فسيقتل. ولما وصل الأمر إلى الحقيقة الصحيحة، وأنه قد صار الذي صار، وجاء العفو عن هذا الساقي، مسك يوسف الساقي، وقال: إذا ذهبت، ذهبت إلى الخارج، والتقيت من الملك، اذكره، اذكره عنده، أخبره أن هناك يوسف، وأني بريء، وأني كذا، اذكره عنده، عند سيده، علّ وعسى. فأنساه الشيطان ذكر ربه، فلبث يوسف في السجن بضع سنين، قال العلماء: استمر الحبس في يوسف ما بين سبع إلى تسع سنوات، منه من قال: سبع سنوات، منه من قال: تسع سنوات. الشاهد أن هذا الساقي تذكر، حينها معرفة يوسف بالتعبير، بالتعبير الرؤى، قال: أنا أنبئكم بتأويله، فأرسلون. أقول: فرصة، أذهب إلى يوسف عليه السلام، فدخل هذا الساقي إلى السجن، ودخل على يوسف، وأخبره بخبر الرؤية، وكيف أن الملك رأى كذا وكذا، ما تعبيرك؟ إيش تقول فيها؟ فأخبره يوسف عليه السلام بتأويل هذه الرؤية، قال: تزرعون سبع سنين دأبًا، فما حصدتم، فذروه في سنبله، أي أنكم ستزرعون سبع سنين دأبًا، أي باستمرار، استمروا. وهذه السنوات السبع ستأتيكم مخضرة، أمطار، وغيث، وخضرة، يعني أشياء كثيرة من الخيرات، ستتلوا، لا تتكاسلون، ازرعوها. ازرعوا سبع سنين دأبًا، باستمرار، تزرع، تزرع، المحصول وقت الحصاد، لا تخرجوه، وخاص السنبل، لأن السنبل يعطل بالحب، يكون في السنبلة. قال: لا تخرجوا الحب من السنبل، لا، اجعلوا الحب في السنبل، فإن كان ولابد أن تحصدوا الزرع كاملًا، كاملًا، من تحت، يبقى الحب في سنبله. وخذوه كاملًا إلى المستودع، وتبقوا على هذه فترة، لأن هذا أبقى، أبقى للحب، يبقى معكم طويلة، لماذا هذا؟ لأن بعد ذلك ستأتيكم سبع شداد، أعوام، جفاف، وجفاف، وسيأكلون كل شيء مما قدمتموه. ما الذي قدمتموه؟ الذي في الحصن، والذي في المستودعات، ستأتي عليها الفترة السبع الشداد، الأيام المجدبات، ستأكل هذا الذي قد تحصنتم به. قالوا: بعد ذلك سيأتي عام، فيه يغاث الناس، وبعد ذلك سترتفع هذه المعضلة، وستأتي الأمطار، والغيث على الناس، بل ويعصرون الزيوت. وهذا التأويل، فذهب الساقي مباشرة إلى الملك، وأخبره بتفصيل، وتفسير الرؤية، انبسط الملك بهذا الأمر، وطلب من رئيس الحارس، مثلا، أن يذهب ويخرج يوسف، الآن، يخرجه. ما يبقى هذا، إلا أن يوسف رفض، رفض أن يخرج من السجن، حتى ماذا؟ حتى تبرأ ساحته، كيف أخرج؟ أخرج، وأنا مطعون في عرضي، أخرج على أني فعلت، وأفعلت، وأنا ما فعلت. فتحرز يوسف عليه السلام، لكمال صبره، تحرز، ما سأخرج، ما سيغنيني غدًا، إذا وقعت مشكلة، بكرة، سيطعون في عرضي. يقول: آه، أنت بالأمس، عليك تهمة، أنت بالأمس، أو ما يؤمنوني؟ لابد أن تظهر براءتي، أخرج، ورأسي مرفوع. حينها الملك ما عنده خبر، لأنه كما قلنا: يوسف عاش أين؟ عاش في بيت العزيز، بيت آخر، بيت الملك، ملك، فيه سلطانه، ما يعرف بيه، اللي صار. فلما بلغ الخبر الملك، دع، دع أهل الشأن، دع الحاشية، بخبر، فاستدعى النسوة، حتى يطلع بنفسه على حقيقة الأمر. حينها حصحص الحق، فاعترفت زوجة العزيز بما صار، وأن هي التي راودت يوسف، وأن يوسف بريء، ما عليه غبار، أبدًا. حينها علم، وارتفع يوسف عند الملك، ارتفاعًا في قلبه، وفي صدره، لعظيم نزاهته، وعلمه، وفضله. حين أمر ماذا؟ أن يستخلصه لنفسه، قال: هذا أنا أولى به، أخرجه الآن، وأخبره ببراءته. فأخرج يوسف عليه السلام، وأدخل على الملك، وكان هذا أول لقاء بين يوسف، وبين ملك مصر. لما التقى به، طيلة القضية، كان الحديث عن عزيز، الآن التقى يوسف عليه السلام بالملك. طبعًا يوسف عليه السلام، ما ظنكم؟ وقد وصل إلى هذه المرتبة، إذا كان يوسف، وهو في السجن، الضيق المظلم، استغله في الدعوة إلى الله، والدعوة إلى التوحيد، فكيف وقد فتحت الأبواب إليه، ونجاه الله عز وجل، وبرأه، ورقى مقامه؟ فذكر العلماء على أن يوسف عليه السلام عرض الإسلام على الملك، فأسلم الملك، لما كان من سماع خبره، وعلمه، ونزاهته، وجماله، وبهائه، وعظيم ما مكنه الله من الأخلاق، والآداب، والصبر، والعفة، كثير من الأمور التي ظهرت عند هذا الملك، الذي جعله ماذا؟ يدخل في الإسلام. ومن ثم ما كان من أهل مصر، أنهم تدافعوا على الدخول في الإسلام، فكان هذا من الفتح العظيم لبلاد مصر، بعدما أغلقت فترة، أغلقت على إبراهيم عليه السلام، ومن كان قبل، ما استطاعوا أن يدخلوا مصر، لكن بهذه الرؤية، وبهذه التعبير، وبهذا التعبير، استطاع يوسف عليه السلام أن يصل إلى هذا المقام. ثم بعد ذلك، ولاه الملك أن يكون وزيرًا، قال: اجعلني على خزائن الأرض، اجعلني وزيرًا، عندي هذه المخازن، والمستودعات، فأنا أعلم كيف أديرها. فمكنه الملك، قال: أنت لها، فاجعلها. فبدأت السبع السنوات الخصاب تظهر، ويوسف يمشي على هذه الخطة: ازرعوا، ازرعوا، ازرعوا، يأتي وطل حصاد، يلا، داخل المستودعات، إلى المستودعات، يدخل، يدخل، يدخل، ما يبقى إلا القليل، فقط للناس، قلل في المؤونة، يحسب حساب ما سيأتي من السبع الشداد. حتى مرت السبع السبع العوامل الخصبة، وقد امتلأت المستودعات في بلاد مصر، ثم بدأ الجدب، كما في قصة يوسف، بدأ الجدب، والجفاف يحل، يحل، أين يحل؟ في بلاد مصر، يحل في بلاد الجزيرة، يحل في بلاد الشام، يحل في بلاد العراق، ما جاءت سنة واحدة، وإلا وقد أصيب الناس بما جاء، بما جاء، ما وجدوا شيء، ما وجدوا شيء، إلا في بلاد مصر. وأخذ الناس يتنادون: من أراد شيئًا إلى بلاد مصر، إلى بلاد مصر، فتأتي الناس أفواجًا، أفواجًا، من الحجاز، وكما ذكرنا: حتى من اليمن، ارتحلوا في زمن التتابعة، كما جاء في بعض المخطوطات: أنهم صرحوا أنهم ذهبوا إلى يوسف بن يعقوب، واشتروا منه كيل طعام بكيل ذهب، لما كان هناك طعام إلا عنده عليه السلام. وتحرك الناس من أرض العراق، حتى قوم من أرض فارس، لأن الجدب من شأنه، ممن أحب أن أذكره في هذا المقام، ما كان من تحرك إخوة يوسف، الذين هم في الشام، تحديدًا في أرض فلسطين، أصابهم ما أصاب الناس، وسمعوا بما سمعه، وتداوله الخلق، بأن هناك في مصر، هناك الميرة، هناك الطعام، هناك التموين، هناك الزاد. ائتي بالذي عندك، واستبدل، شراء، أو مبادلة، وخذ ما تريد. فتحرك إخوة يوسف العشرة، تحركوا العشرة، فوصلوا إلى بلاد مصر، ودخلوا على يوسف، هو بنفسه عليه السلام، لكنهم ما عرفوه، لماذا؟ ما عرفوه، رمي طويل، طويل جدًا، رموه في البئر، وهو صغير، ثم ذهب إلى مصر، ونشأ عند العزيز، وكبر، حتى بلغ أشده، ثم أدخل في السجن، تسع سنوات، ثم أخرج، ثم جاءت سبع سنوات المخصبة، الآن السنة، يعني أتحدث عن خمسة وعشرين سنة، بالراحة. ومن من أوصلي؟ أقوى من هذه المدة، فالطفل لما يكبر، يتغير، منامحه، لكن هو يوسف، بالمقابل، عرفهم، لأن الكبير تبقى منامحه فترة، ما تتغير كثيرًا، فعرفهم، وهم له منكرون، ما عرفوا، ما عرفوا. فقالوا: رحب بهم، يا أهلا وسهلا، ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا نريد الطعام لأهلنا، وأولادنا، فخذوا، وخذوا ما تريدون. وكانوا يقسمون بالسوية، بالعدل، يوسف عليه السلام، كما يقول العلماء: كان مضيافًا، وأنا خير المنزلين، خير ما هناك أحد مني في الكرم. ما ستجدنا أحد يأتيه الغريب، وكان يُعرض الإسلام، يوسف لم يكن فقط لدنيا، بل كان في مسألته، ومنزلته، يُعرض الإسلام على غيره، وأسلم الناس، وتعرف الناس على الإسلام، وعلى أخلاق الإسلام، وعلى كرم يوسف عليه السلام. أ