اللؤلؤ المكنون في أحوال الأسانيد والمتون 8

الدرس في اللؤلؤ المكنون في أحوال الأسانيد والمتون 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في شرح معنى الغفلة وتأثيرها على الرواة

يبدأ الشرح بتوضيح معنى الغفلة وفاحش الغلط في الحديث النبوي، ويبين تأثير الغفلة على الرواة وتأثيرها على حفظهم للحديث. يُظهر أن الغفلة قد تؤدي إلى ضعف في الحديث.

أثر الغفلة على حفظ الحديث ورواية الأحاديث

يتناول هذا الفصل أثر الغفلة على حفظ الرواة وروايتهم للأحاديث، موضحًا كيف يمكن أن تؤدي الغفلة إلى خلط في الأحاديث ورواية أحاديث غير صحيحة أو منكرة بسبب انصراف الرواة إلى العبادة وترك المراجعة.

مخالفة الثقات للأثبات وأنواع المخالفات في الرواية

يشرح هذا الفصل موضوع مخالفة الرواة الثقات للأثبات في الرواية، ويعدد أنواع المخالفات مثل الشاذ والمنكر والإدراج والقلب والمزيد في متصل الأسانيد والمضطرب والمصحف والمحرف، ويبين تأثيرها على صحة الحديث.

تعريف الشاذ في مصطلح الحديث وتطبيقاته

يتناول هذا الفصل تعريف الشاذ في مصطلح الحديث، حيث يُعرَّف بأنه مخالفة المقبول لمن هو أولى منه في الحفظ أو العدد، ويقدم أمثلة على ذلك من كتب العلل ويوضح كيفية التفريق بين الروايات المختلفة بناءً على القرائن والترجيحات.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه. أما بعد، قال: علتته تارة بالإسناد، تقع كرفع موقوف، وصل من قطع، وتارة في المتن، حيث أدخلوا في المتن لفظا من سواه، نقلا. هذا في الحديث المعلل. قال: أخذنا هذا، والكلام فيه طويل، لكن أخذنا -إن شاء الله تعالى- ما فيه الكفاية. قال: وقسم الحاكم عشران العلل، مرجعها هذين، من دون خلل. مرجعها هذين، أي في الإسناد والمتن. مرجعها هذه العلل. قال: وفاحش الغفلة، حيث ينفرد، كفاحش الأغلاط، منكر يرد. معنى فاحش الغفلة هو السبب الثاني. السبب الأول في الضبط هو الوهم، والوهم حديثه يكون حديثا معللا. حديث معلل، أو حديث به علة. وقد انتقض بعضهم كلمة معلل، لكن الصحيح أنها كلمة صحيحة. معنى يقال: معلل، ولا يقال: معلل. لكن ذكر العراقي أنها كلمة صحيحة. أنا من ناحية اللغة، وأيضا ذكر بعضهم اللغة، كالفراء، أنها صحيحة، من باب التعليل، وهو التمريض. معلل، أي مثل مريض ممرض، أو يتمرض. قال: وقسم الحاكم عشران العلل. نرجع، وهذين من دون خلل، أو فاحش الغفلة، حيث ينفرد، كفاحش الأغلاط، منكر يرد. فاحش الغلط، أو فاحش الغفلة، أو فحش الغلط. إما فحش الغلط، أو فاحش الغفلة. وفحش الغلط هو أن تكثر عنده الأوهام، فيكون أكثر حديثه خطأ. تكثر عنده الأوهام، فيكون أكثر حديثه خطأ، ويدخل فيه الاختلاط، ويدخل فيه الاختلاط. فإذا كثرت هذه الأخطاء، فسمي فاحش الغلط، يسمى فاحش الغلط، وحديثه ضعيف جدا. أو قال الحافظ: منكر يقال منكر، إذا تفرد بالحديث، يقال: حديثه منكر، أو ضعيف جدا. وهذا غالبا فاحش الغلط، لا يستشهد بحديثه، لأن غلطه كثير. قال: وفاحش الغفلة، حيث ينفرد، كفاحش الأغلاط، منكر يرد. كأنه أدخل اثنين معا، فاحش الغلط، وصاحب الغفلة. والغفلة درجات. والغفلة أولا تأتي لسببين: إما غفلة بسبب، مثلا طبع على هذه الغفلة، معناه: في غفلة في تعاملاته مع الناس، فيه شيء من الغفلة. وهذه ليست هي المقصودة هنا. أن الإنسان أحيانا يكون عنده شيء من خفة الذنب، أو من تجد البداهة في التعامل، معناه: التعامل كما يقولون: بحسن نية. وهذه يسميها الناس غفلة، معناه: تجد مثلا يواجه من يكره الشيء، يواجهه عادي، ويرى أنه شيء عادي. فهذا تسمى غفلة، غفلة في التعامل. غفلة في التعامل. وهذه لا دخل لها في الحديث. قد يكون الرجل مغفلا، لكنه لا يدخل في مسألة الحديث، إذا كان ضابطا، فيوقع الضبط. وممن يذكر بهذا، من باب التعليم، معناه: ليس من باب الإجدراء، أو من باب العيب، مما يذكر بهذا: محمد بن جعفر، أبو عبد الله، الذي يلقب بغندر. محمد بن جعفر كان فيه غفلة شديدة، معناه: في التعامل، معناه: عنده شيء من الطيبة، هكذا تجعله يتعامل بسماحة، تجعله يتعامل بسماحة. ولهذا لماذا سمي غندر؟ قالوا: لما جاء ابن جريج إلى البصرة، فازدحم الناس عليه، فكان محمد بن جعفر يرفع صوته، ويقفز، كذا يعني: يريد يسمع، ويعملون فوضى، لأجل أنهم يريدون يسمعون، مثل ما فعلوا الحميدي، وغيره. فرعاه ابن جريج، يعمل فوضى، ويصيح، فقال: اسكت يا غندر. قال له: اسكت يا غندر. فخلاص صار اللقب فيه، صار ما يعرف إلا بغندر، بل صار اللقب هذا حتى فيه أناس بعده، ممن كان يسمى محمد بن جعفر، فذكر الإمام الأزدي المصري، عبد الغني بن سعيد الأزدي، في كتابه النسبة، ذكر ستة ممن تسمى بمحمد بن جعفر، ويقال له غندر، غير محمد هذا بن جعفر، الذي هو أول من لقب بغندر. فصار هذا اللقب كأنه سمة على من يسمى بمحمد بن جعفر، من المحدثين. فهذا كانت فيه غفلة شديدة، حتى أن شعبة -رحمه الله- ما كان يحب أحدا يكتب في مجلسه، أنه كان يكره أن يرى أحدا يكتب في مجلسه، يحدث هو، يحدث هو، يكتب، وإنما كان أصحابه لا يكتبون في المجلس، وإنما يكتبون بعد المجلس. كان يقول: يحيى بن سعيد، قال: كان شعبة يحدثنا، ولا يحب أن يكتب أحد في مجلسه، فكنا إذا انتهى المجلس، أما أنا فأذهب إلى بيتي، وأكتب الأحاديث التي ذكرها شعبة. وأما خالد -خالد بن الحارث- قال: ومعاذ، فكل واحد منهما يمسك زاوية من المسجد، ويكتب الأحاديث. خالد بن الحارث، ومعاذ بن معاذ العنبري، فكان أحدهما -خالد- يمسك اليمين، وهذا يمسك اليسار، أو العكس، ويكتبون الأحاديث. لكن هناك في المجلس حكم، أن المجلس كبير، كان في المجلس من يكتب، مثل: مثلا النظر بن شميل، كان يكتب، وكان سليمان بن حرب أيضا يكتب، وجماعة من أصحاب شعبة، لكنهم بعيد، ما يراهم شعبة، لكن محمد بن جعفر يكتب أمامه، وإذا انتهى من الكتاب، إذا انتهى المجلس، جاء إلى شعبة، ويريه الكتاب. فقال الإمام أحمد: وهذا من غفلته. وهذا من غفلته. معنا الغفلة، هذا شيء من السماحة، هو يعرف أنه، لكن يكتب، ويريه الكتاب. وكان كتاب غندر، أو محمد بن جعفر، هو الحكم، كما قال عبد الرحمن بن مهدي، هو الحكم بين أصحاب شعبة. معنا إذا اختلفوا، جاءوا إلى كتابه، معنا كان يضبط كتابه. طيب، وأيضا كان يتركه شعبة يكتب. طيب، وهذا قد يكون شعبة تركه، ليس لأجل قرابته. صحيح أن شعبة يعتبر محمد بن جعفر ربيبه، شعبة زوج أمه، لكن الظاهر تركه لأنه يعلم أن حفظه ليس بذاك، فلهذا يجعله يكتب. فكان يكتب حديث شعبة، وذكر له قصص في ترجمته، تدل على شيء من الغفلة. معنا الغفلة هذه، مثل كما قلنا: سماحة، سماحة في المعاملات، حتى يقال: وهو معنا ذكر بعض أهله، أنه مرة جاء لهم بسمك، فلما عملوا العشاء، وجدوه نائما، ما صح، لكن أكلوا السمك، فعرفوا أنه لو قام سيسأل، قام لطخوا يده بالسمك، معنا لطخوا يده بالسمك، فلما قام سألهم: أين السمك؟ قالوا: قد أكلت. قال: لا ما أكلت. قالوا: انظر إلى يدك. فأراح يده، رأى السمك، فقال: نعم، فإذا أكلت. وأيضا يقال: أنه لما جاءه أهل بغداد، أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وجماعة من أهل بغداد، من الحفاظ، فجاءوا إلى مكانه، إلى بيته. ومعنى محمد بن جعفر يعرف أن الناس يستخفون به، بحكم من الغفلة هذه التي فيه، فقال: قال: والله لا أحدثكم حتى تخرجوا معي السوق. الجماعة ما يدرون ليش يريدوا يخرجون معه السوق. قال: ما أحدثكم حتى تخرجوا معي السوق. قالوا: خلاص ما في شيء، لعله يريد يقضي حاجة، وكذا. فخرج، وخلفه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وجماعة من أهل الحديث. معنى بعضهم يعرفونهم، لأنه العراق يعرف بعضهم بعضا. فكانوا يمرون في السوق، فيقولون: يا بعبد الله، إيش هؤلاء؟ من هؤلاء؟ يقول: هؤلاء أهل الحديث، ما تعلمونه، جاءوا ليسمعوا مني، جاءوا ليسمعوا مني. فهذا أيضا من سماحته، وليس من باب مثلا التفاخر، أو كذا، لكن أحيانا كما قلنا: الغفلة، أو السماحة هذه الزائدة، تجعل الإنسان يفعل أشياء ما يحس بها، أو يحس أنها عادية. فلهذا كان محمد بن جعفر فيه غفلة، فيه غفلة تعامل، لكن كتابه كان ضابطا، مضبوطا. فكان أصحاب شعبة يأخذون منه، أصحاب شعبة يأخذون منه. قال: فهذه غفلة. والغفلة الثانية: الغفلة الثانية التي تضر بالحديث، هي الغفلة التي يكون فيها الراوي يحدث بالتوهم، تصيب غفلة، فيلقن الحديث، فيقول: نعم. هذا يسمى غفلة. وغالبا تكون غفلة الصالحين. تسمعون بغفلة الصالحين. يقول للإمام يحيى بن السعيد القطان، قال: ما رأيت الصالحين أكذب في شيء منهم في الحديث. ما رأيت الصالحين أكذب منهم في شيء منهم في الحديث. معناه: ما يكذبون، يكذبون في الحديث، لو تكلم الإنسان، ما يكذب عبدا، رجل صالح، دائما يصدق، لكن يكذبون في الحديث، وهم ما تقصدون الكذب، حاشاهم، وإنما لغفلتهم، تأتي أشياء عليهم بالتوهم. ولهذا تجد في التراجم كثير ممن يقال فيهم: فيه غفلة الصالحين، فيه غفلة الصالحين. لماذا؟ تأتي الغفلة، تأتي الغفلة هذه، لأجل أن الشخص منهم، مثلا يطلب العلم في شبابه، يطلب الحديث، ويجتهد، لما يكبر، يتنسك، يتعبد، يترك المراجعة، يترك كذا. يأتي الناس يحتاجون إليه، مثلا عندك على سبيل المثال: يزيد الرقاشي، وكذلك أيضا أكثر منه: أبان بن أبي عياش، أبان بن أبي عياش. هؤلاء من أهل البصرة، جلسوا مع أنس، وسمعوا من أنس، وسمعوا من الحسن البصري. فهم تلقوا علما، لكن بعد ذلك انصرفوا إلى العبادة. ولما كان أهل البصرة موجودين، مثلا الحسن، وابن سيرين، ومن سمع من أنس، ما كان يحتاجون إليهم، ما كان يأتون يحتاجون إليهم. لكن لما مات أولئك، مات الحسن، مات محمد بن سيرين، ومات هؤلاء، قتادة، وكذا، احتاج الناس إليهم، احتاجوا إلى أبان، واحتاجوا إلى زيد الرقاشي، لأنهم قد سمعوا من أنس، وسمعوا من الحسن البصري. فكانوا يأتونهم، يقولون لهم: مثلا أنتم كنتم معنا، سمعتم من أنس، حديث كذا، وكذا، وكذا. فالحديث يكون معهم، لكن ما يدرون: هل هو عن أنس، أو عن الحسن؟ لكن يقولون: نعم، قد سمعنا. قال حماد بن سلمة: جئت بحديث، رواها أبان عن الحسن، معنا من أقوال الحسن، فجعلتها عن أنس، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. وكان يقول له: أحدثك، أحدثك، معناه: كأنه يسأله: أحدثك أنس عن النبي -عليه الصلاة والسلام- بكذا، وكذا؟ فيقول: نعم. هو عنده هذا الحديث، بس ما يذكر أنه إلا من كلام أنس، من كلام الحسن. ثم يقول: أحدثك، ويقول له: نعم. فتكون فيه غفلة، هذه الغفلة تسمى غفلة الصالحين، لأنهم يهتمون بالعبادة، فإنسونا العلم الذي كانوا عليه. وهؤلاء كثير منهم: محمد بن زياد بن أنعم الأفريقي، وسويد بن سعيد، بعضهم مشهورين في الحديث، معنا لهم أحاديث كثيرة، لكن فيهم هذه الغفلة. فهذه الغفلة التي تضر، لأنها تكون ضارة بالحفظ، بحفظ الشخص. قال: كفاحش الأغلاط، منكر يرد. معنى هذا: يسمى حديثه منكرا. قاله في المخالفات. أقسام تعد من ذاك: شاذ، ومنكر يرد، ومدرج المتن، ومدرج السند، والقلب، والمزيد فيه، قد ورد. ومنهما بالاضطراب يعرف. كذلك التصحيف، والمحرف. فالآن يقول: المخالفات، هذه أقسامها كثيرة. وهذه المخالفة المراد به: مخالفة الثقات، أن يخالف الراوي الثقات في حديثهم. كيف يعرف هذا؟ يعرف بسبري حديثه، جمع حديثهم. الآن العلماء الذين يفعلون هذا: ممكن يفعل حتى إنسان في عصرنا هذا، ممكن يفعل. هذه الفعل سهل، معنا سيكون له، يأتي بجمع أحاديث، مثلا هذا الشخص عن أحد الحفاظ، مثلا يروي عن الزهري، يسرد أحاديثه عن الزهري، يجمعها، ثم يقارن هذه الأحاديث بأحاديث حفاظ أصحاب الزهري. حديث مالك، حديث معمر، حديث ابن عيين، معنا يأتي مثلا هذا الحديث، رواه ابن عيين، فيرى: هل نفس الحديث؟ هل طابق نفس الإسناد الذي رواه هذا الذي رواه مالك؟ مثلا ينظر في المتن: هل نفس المتن، أو زاد، ونقص؟ فإذا كان زاد، ونقص، ينظر إلى: هل في أحد تابعه على هذه الزيادة؟ لا تجد أحدا. الآن مثلا أحيانا يكون: وهب بن جرير، أحيانا وهب بن جرير، مثلا هو ثقة، لكن دائما يخالف في حديث شعبة، تجد يأتي بزيادات، ليست موجودة في حديث حفاظهم، حفاظ أصحاب شعبة، فيتبين أنه أخطأ، أنه أخطأ. فلهذا يعرف العلماء ضبط الرجل بهذا. قال ابن حبان: دخلت مصر، لأجل أن أجمع حديث عبد الله بن لهيعة. قال ابن حبان: دخلت مصر، لأجل أن أجمع حديث عبد الله بن لهيعة. أنا أجمعه من الحفاظ الذين هم أعرف الناس بحديث ابن لهيعة. فيقول له: فلان روى عنه، فلان، وفلان. فيأتون له بحديث ابن لهيعة. فقال: دخلت مصر، لأجل أن أجمع أشياء، أفعلها، لأن ابن لهيعة اختلف الناس في حديثه. فمنهم من قال: أنه ضعيف، ومنهم من قال: أن بعض حديثه ضعيف، وبعضه صحيح. ومنهم من قال: أن كتابه صحيح، لكن حفظه ضعيف. ولهذا الذين كتبوا من كتابه، كعبد الله بن مبارك، وعبد الله بن وهب، وأيضا عبد الله بن مسلم القعنبي، وأيضا كذلك هؤلاء: عبد الله بن يزيد المقرأ، أبو عبد الرحمن. هؤلاء الأربعة الذين يسمونهم العبادلة، عبادلة أصحاب لهيعة: عبد الله بن مبارك، وعبد الله بن وهب، وعبد الله بن يزيد المقرأ، وعبد الله بن مسلمة القعنبي. فأولئك الأربعة كتبوا من كتابه، وغيرهم أيضا، حتى قتيبة بن سعيد، كتب من كتابه. بن لهيعة كتبوا من كتابه، ما أخذوا منه، إنما كتبوا من كتابه، وقابلوا هذا الكتاب. طيب، هؤلاء يقول بعض العلماء الآن، مثلا الشيخ الألباني: يمشي على هذه الطريقة، يقول: إذا روى عنه أحد العبادلة، وحيانا يدخل أيضا قتيبة بن سعيد، ويدخل بعض أيضا ممن روى من كتابه، فيقول: هؤلاء حديثهم حسن. هؤلاء حديثهم حسن، يكون الحديث حسن. وإذا روى عنه غير هؤلاء، يقول: حديثه ضعيف. ويقال: أن بن لهيعة احترقت كتبه، فكان يحدث بالوهم. وقال عثمان بن صالح المصري: أن بن لهيعة لم تحترق كتبه، وإنما احترق شيئا يسيرا من كتبه، لكن أصابه شيء في عقله، فخلط. أنا كأنه أصابه رأسه في شيء، أو في ضربة، وكذا، فكان يخلط. المهم أنه خلط في حديثه، لكن أكثر العلماء، أو كثير من المحققين، يقول: أن حديثه أصلا ضعيف، حتى في الكتاب، حتى في كتابه، حديثه فيه مناكر، وفيه أشياء يتوهم فيها. فلهذا لم يقبلوا حديثه بالكلية. فالآن المخالف يعرف بهذه الطريقة: بجمع حديثه، ثم مقارنته مع الحفاظ. فإن كان يخالف الحفاظ، فهو ضعيف. إن كانت مخالفته أكثر، فهو فحش الغلط. وإن كان مخالفته أقل، معنا ليست كثيرة جدا، فهو سيء الحفظ. سيء الحفظ، وهكذا. وهذه الطريقة الحديث يتبين، مثلا أنه شاذ، أو منكر، أو مدرج المتن، مدرج الإسناد، يعني كيف؟ مدرج المتن: وضع زيادة في المتن، ليست فيه. أحيانا يكون هذا الثقة حافظا، أو هذا الراوي حافظا من الحفاظ الكبار، لكنه فيه حديث، مثلا شيخ معين يخطئ. مثلا عندنا الإمام الأوزاعي، الإمام الأوزاعي يعتبر من حفاظ الدنيا، من حفاظ هذه الأمة، وفقه من فقه هذه الأمة، إمام أهل الشام. فهذا الأوزاعي أحيانا يروي عن يحيى بن أبي كثير، أشياء خطأ. كيف عرفوا أنها خطأ؟ جمعوها بين أصحاب يحيى، وجد أن الأوزاعي يخطئ في بعض الأشياء. يقال: أن الأوزاعي سمع من يحيى بن أبي كثير، وهو صغير. ويقال: أن الكتب التي أو الحديث التي كتبها عن يحيى، أكثرها أو ضاعت عليه، أو احترقت عليه. المهم في علة هناك، جعلت الأوزاعي حفظه يتخلف في حديث يحيى بن أبي كثير. مثلا عندنا في حديث بريدة، الذي خرجه الإمام مسلم، خرجه الإمام مسلم من حديث هشام بن أبي عبد الله دستوائي. وهشام يعتبر أحفظ الناس في يحيى، أحفظ الناس في حديث يحيى. هشام فخرج هذا الحديث من طريق هشام عن يحيى بن أبي كثير عن أبي المهلب عن بريدة بن الحصيب، قال: أن قال أبي المهلب: كنا مع بريدة في غزوة، فقال: بكروا بصلاة العصر، لأنه يقول لهم بريدة: بكروا بصلاة العصر، فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: من فاتته صلاة العصر، فقد حبط عمله. من فاتته صلاة العصر، فقد حبط عمله. هذا الحديث رواه الأوزاعي، فقال: عن يحيى بن أبي كثير عن أبي المهاجر. أنا الأول غلط في في كنية هذا الرجل، هو أبو المهلب، عن بريدة بن الحصيب، أنه قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: بكروا بصلاة العصر، فإن من فاتته صلاة العصر، فكأنما أو فقد حبط عمله. الآن هشام أدخل العبارة الأولى: بكروا بصلاة العصر، أدخلها في الحديث. وإنما هو قالها من بريدة، قالها بريدة. فهذا يدل على أنه أخطأ في الحديث. فيجمع من هذه الأشياء الأخطاء، فيعرف مخالفته. فهذا يعتبر شاذا، يعتبر شاذ. هذه الزيادة يعتبر شاذ. وكذلك الاسم يعتبر خطأ أيضا، في مدرج السند. الآن هذا يعتبر مدرجا، أدرج القول: بريدة بكروا بصلاة العصر، أدرجه في الحديث. طيب، وأما مدرج السند، مثل له الحافظ: أن الرجل مثلا يدخل حديثا على سند، ليس إسناده. مثلا مثل ما أدخل بعضهم حديث: من لم يتغنى بالقرآن، فقال: عن الأعمش عن نبي صالح عن نبي هريرة. الأعمش عن نبي صالح عن نبي هريرة، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: من لم يتغنى بالقرآن، فليس منه. وهذا خطأ، هذا الإسناد ليس لهذا الحديث. وإنما الحديث: ما أدن الله لنبي، ما أدن لنبي حسن الصوت، يتغنى بالقرآن. قال: والقلب أيضا، نحيانا يقلب المتن، قد يكون من الثقات الكبار. فهذا يحيى بن سعيد القطان، طلب حديث السبعة، حديث السبعة، فيه: ورجل تصدق بيمينه، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه. فقال يحيى: ورجل تصدق بيمينه، فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما أنفقت شماله. أنا غلط واضح، لكن لعله سبق لسان، فقال: حتى لا تعلم الشمال ما أنفقت يمينه. فهذا القلب موجود. قال: والمزيد، هذا القلب زيادة رجل في الإسناد. وذكرنا المزيد في متصل العسانين. قال: ومنه ما بالاضطراب يعرف. أيضا الاضطراب يعتبر مخالفات، يعتبر مخالفة. هذا يخالف هذا. كذلك التصحيف، والمحرف، أيضا يخالف في أسماء الرجال، يخالف أيضا في بعض نطق المتن. وهذا موجود، كما قلنا: حتى في القرآن، بعضهم أخطأوا حتى في القرآن، لأنهم لم يتلقوا القراءة عن مشايخ، وإنما أخذوها هكذا بالقراءة، وكذا بالسماع. ولهذا تجد أنهم يخطئون في القراءة، حتى بعضهم يقول: وجاء به حمل بعير. قال: رجل بعير. وبعضهم أيضا حتى أنه رجل، كما ذكر أبو أحمد، أو ذكر ابن الجوزي، في المغفلين، في المغفلين، معنا كتابه الذي معنا في المغفلين، هذا. ذكر عن الرجل أنه كان إماما في قرية، إماما في قرية، فجاءه شيخ من المشايخ إلى قريته، ثم عزمه على الطعام، فكان يقول للشيخ: يقول له: أنا عندي استفسار، عندي استفسار في الفاتحة. الله عز وجل يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أنا إياك نعبد، وإياك ستين، أو تسعين، ما أدري: هل ستين، أو سبعين، أو تسعين؟ فقال: أنا أحطعت، وأقول: تسعين، إياك نعبد، وإياك تسعين. وهذا لأجل أنه ما تلقى القراءة، وإنما فقط يقرأ، معنا هذا مصحف، مصحفي، كما يقول: معنا يقرأ فقط. وكانت الكتابة بدون نقطة، كانت الكتابة بدون نقطة، حتى أن الرجل ملك الملوك، كتب إلى أميره، لما ذكر له أنه قد كثر عندهم المخنثون، كثر عندهم هؤلاء المخنثون، فقال لهم: أحصهم، عدهم كم؟ فالرجل ظن أنه أخصهم، معنا ظنها أنها أخاء، فقام خصهم كلهم. فهذا بسبب هذه الأشياء، ذكرنا معنا أيضا في الكتاب، حيانا يحصل خطأ، وتصحيف في الكتابات. فهذا موسى بن عقبة أرسل إلى ابن لهيعة، حديثه عن نافع عن ابن عمر، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- احتجر في المسجد، احتجر في المسجد، احتجر، معنا جعل له حجرة، وهي الخيمة هذه التي احتكف فيها، احتجر في المسجد في رمضان، فقام ابن لهيعة، رواه، فقال: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- احتجم في المسجد في رمضان. احتجم، ما قال: احتجر، قال: احتجم. فلهذا كما قلنا: حيانا يغير. وهذا المخالفات أيضا، فالآن عندنا خمسة أشياء، عندنا خمسة أشياء: تدخل في الضبط: الوهم، وفحش الغلط، والغفلة، وأيضا كذلك المخالفة، وسوء الحفظ. الآن ذكر المخالفة: أنها ينتج عنها، أو المخالفة: إما أن تكون حديثه شاذا، وإما منكرا، إذا كان ضعيفا، على تقسيم الحافظ. وسيأتي -إن شاء الله تعالى- الكلام على مسألة الشاذ والمنكر: هل بينهما خلاف، أو لا؟ ومدرج المتن، ومدرج الإسناد، والقلب، والمزيد في متصل الأسانيد، والمضطرب، والمصحف، والمحرف، معنا تسعة أقسام، من هذه المخالفة. طيب، قال: الشاذ والمنكر. قال: فالشاذ ما خالفهم به الثقة، قابله محفوظهم، فحققه. وما يخالفهم به الضعيف، فمنكر، قابله المعروف. طيب، الآن دخل في الشاذ والمنكر. فقال: الشاذ ما خالفهم به الثقة، قابله محفوظهم، فحققه. وأول من عرف الشاذ: الإمام الشافعي -رحمه الله-. فقال: ليس الشاذ الذي ينفرد عن الناس، أو ينفرد الراوي عن الناس، وإنما الشاذ الذي يرويه الثقة، مخالفا الناس. قال: ليس الشاذ الذي ينفرد به الثقة، الذي ينفرد به الثقة، أو الراوي عن الناس، ولكن الشاذ الذي يخالف به الرجل الثقة الناس، أن الرجل الثقة يخالف الناس، يخالف أهل الحديث. وأخذ بهذا أكثر من أكثر العلماء، لكن الحافظ حاول أن يضبط هذا التعريف، أن يضبط هذا التعريف. فيقال: هو مخالفة المقبول لمن هو أولى منه. مخالفة المقبول لمن هو أولى منه، لأن الشاذ، أو لأن الثقة، ممكن يكون ثقة، والذين خالفوه أقل منه، هم ثقات، لكنه أقل منه في الحفظ. لأن بعض الحفاظ يصحح رواية شخص، ولو قابله أكثر من شخص، ليس كل مخالفة، مثلا عدد، يقال: هذا عدد أكثر، وهذا أقل، فيوخذ بالاكثر، لا. فالحديث أحيانا يأخذون بالاقل. انظر مثلا في العلل لابن أبي حاتم، قال: أبو الرحمن ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه زهير، وأسامة، وزهير، وأسامة، وزائدة. أنا ثلاثة منهم، رواه عن أبي إسحاق السبيعي عن النعمان بن بشير، أو النعمان بن المنذر، عن عمر، عن عمر بن الخطاب. لكن هؤلاء ما ذكروا عمر، قالوا: عن النعمان بن مقرن، أنه خطب الناس، فقال: النبي -صلى الله عليه وسلم- مات، ولم يشبع من التمر الدقل. مات النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يشبع من التمر الدقل. التمر الدقل، أي التمر الرديء. ورواه سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن النعمان عن عمر. معنى ذكر عمر. فقال ابن أبي حاتم: يسأل أباه: من الذي هو مرجح هنا؟ قال: قول سفيان هو الحق. قال: يا أبي، قد خالفه أولا. قال: ولو خالف سفيان مئة من هؤلاء، لكان القول قول سفيان. وهذا يدل على أنه قد يكون يكثر شخص، أو يكثر هؤلاء ثقات، كلهم، وخاصة إسرائيل، بعضهم يرجح على سفيان ثوري في جدة، لكن قال: قال أبو حاتم: سفيان هو الذي أصاب في هذا الحديث. في حديث في دعاء السجود التلاوة، هو من حديث عائشة: «سجد وجهه الذي خلقه، وشق سمعه وبصره». هذا الحديث رواه خالد بن المنازل -خالد الحداء- عن أبي العالية عن عائشة. ورواه عنه خمسة من حفاظ البصرة، منهم خالد طحان، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وخالد بن هذبة الهدل. هؤلاء يعتبرون من حفاظ أهل البصرة. وأيضا فيهم اثنان منهم: خمسة، رواه هذا الحديث عن خالد عن خالد الحداء عن أبي العالية عن عائشة، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال. أولا خمسة حفاظ خافقهم إسماعيل بن علية. إسماعيل بن علية رواه عن خالد الحداء عن أبي العالية عن رجل عن عائشة. معنا ذكر هناك واسطة بين واسطة مجهولة بين أبي العالية وعائشة. فالدهر قطن لما ذكر هذا الحديث، قال: والصواب قول إسماعيل بن علية. عنه واحد، لكن قال: الصواب قوله. لماذا؟ لأن الإمام أحمد يقول: أبي العالية لم يسمع من عائشة، وإنما بينهم واسطة. فتحقق هذا الكلام بغياءة إسماعيل بن علية. المهم أن هذه المسألة بسبب أن الثقة قد يكون كما قلنا: هناك ثقة، لكنه أحفظ من هؤلاء. قد يكون هؤلاء الذين خالفوا ضعفاء، فلهذا الحافظ ضبط كلام الشافعي، فقال: مخالفة المقبول لمن هو أولى منه. مخالفة المقبول لمن هو أولى منه. هناك تعريف أخرى للشاذ: تعريف الخليلي، وتعريف الحاكم. وتعريف الخليلي دقيق جدا، لم يفهمه كثير ممن نقله في المصطلح، لكن الحافظ فسره، وبينه أيضا أشد بيان في النكت. لكن -إن شاء الله تعالى- نتركه إلى وقت آخر، حتى لا نطيل. فالمهم الشاذ هو مخالفة المقبول لمن هو أولى منه. مشى أكثر العلم على هذا. مخالفة المقبول لمن هو أولى منه، هذا أفضل. لمن هو أولى منه، لأنه كما قلنا: قد يكون الثقة هذا، هناك من يخالفه، وهو أقل منه، ولو كانوا مجموعة. قد يكون هو حافظا، ويقابله أيضا أقل منه في الحفظ، وهم عدد. قد يكون هو حافظا أيضا، ويقابله أكثر منه حفاظا، وأحفظ منه. فلهذا يقال: الشاذ هو مخالفة المقبول لمن هو أولى منه. أولى منه في الحفظ، وأكثر منه في العدد، مثلا. والشذوذ في الروايات كثير، تجد الشاذ في الروايات كثير، لأن مثلا يأتي الثقة، ويروي حديثا، فيخالفه غيره. والصحيح من أقوال العلم: أن الشاذ يعرف بمخالفة الثقة لمن هو أولى منه، لكن بالمرجحات، وبالقرائن. ليس كل كثرة هي أولى من الواحد، أو الاثنين. وليس أيضا كل حفظ هو أولى من أولئك الآخرين. على سبيل المثال: قد ذكرنا: «لا نكاح إلا بولي». قلنا: رواه سفيان الثوري، وشعبة عن أبي إسحاق عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، معنا مرسلا. ورواه إسرائيل، وزائدة عن أبي إسحاق عن بريد عن جده أبي موسى عن النبي -عليه الصلاة والسلام-. ورجح الحفاظ رواية إسرائيل، وزائدة. ولم يرجح رواية شعبة، وسفيان. معنهم لا شك أنهم أحفظ منهم، لكن هنا أبو حاتم، مثلا كما قلنا: أبو حاتم رجح رواية سفيان على ثلاثة من أصحاب أبي إسحاق، لكن هنا رجح رواية إسرائيل، وزائدة. لماذا؟ لأن هنا قرينة، قرينة تدل على أن هؤلاء حفظوا هذا الحديث، فذكروا أبا موسى. ومن هذه القرينة أولا: أن سفيان، وشعبة في مجلس واحد، كانوا في مجلس واحد، يسألون. كان سفيان ثوري يسأل أبا إسحاق، وأيضا لما نظر العلماء إلى صيغة السؤال، فكان سفيان يقول: يا أبي إسحاق، يقول له: يا أبا إسحاق: حديث بريد بن عبد الله بن أبي بردة، هل سمعته من النبي -عليه الصلاة والسلام؟ يقول: نعم. فظهر من كلام سفيان أنه ما أراد أبو إسحاق عن بريد عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، لا. إنما بالإسناد: بريد بن عبد الله بن أبي بردة عن جده عن النبي -عليه الصلاة والسلام-. فلهذا قالوا: أن هنا يرجع حديث زائدة، وإسرائيل على شعبة، وسفيان. فالصحيح من أقوال العلم: أن الترجيحات تكون بالقرائن. صحيح أن هناك شيء مست