الدرس في المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 14، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
استكمل الحديث عن سيرة الأنبياء والرسل، حيث استذكر أحداث مهمة في سيرة إبراهيم ولوط ويعقوب ويوسف عليهم السلام. نجا إبراهيم من النار وانتشرت الدعوة في أرض الشام والجزيرة.
ولد موسى في عام الذبح ونجا بإلقائه في اليم، ثم تربى في قصر فرعون. واجه موسى فرعون بآيات الله، لكن فرعون كابر وعاند، فأجرى الله معجزات وآيات على يدي موسى.
قاد موسى شعبه إلى جبل الطور وواجه تحديات في توفير الماء والطعام، فأنعم الله عليهم بالمن والسلوى والماء من الحجر. ثم أمر الله موسى بالذهاب إلى وادي طوى لميقات ربه.
مر بنو إسرائيل على قوم يعبدون الأصنام فطلبوا من موسى إلهًا مثلهم، مما أغضب موسى وذكّرهم بنعم الله. وجّه موسى هارون لقيادة القوم بينما يذهب هو لمناجاة ربه.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد، فكما ذكرنا إخواني في الله، فإننا في مثل هذه الأوقات وفي هذا المركز المبارك سنستكمل الحديث عما كنا فيه في أيام الدورة السابقة في بيان مختصر سيرة الأنبياء والرسل. ومما يناسب ذكره في هذا الوقت بالذات، الاستذكار السريع لأهم ما قد مضى معنا، وذلك لتنشيط الذاكرة، إذ أنها عبارة عن أحداث متتابعة. وهكذا من دخل معنا ممن لم يكن في من سبق من الدروس الماضية قد حضر، فناسب أن يكون عنده من التصور الصورة الكاملة أو العامة. ونبدأ إخواني في الله استذكارا سريعا في أهم الأحداث، بدءا بدعوة إبراهيم عليه السلام، والذي ولد كما أشرنا في أرض العراق، ثم بدأ من حداثة سنه ببغض الآلهة والكفر بها. وكان ينكر على قومه ما كان من عبادتهم للأوثان والأصنام، فكان منه عليه السلام أن كسر الأصنام بيده في ذلك اليوم، فجعل قومه يغضبون عليه غضبا شديدا، فهموا بإحراقه، بل وأحرقوه في النار، إلا أن الله عز وجل جعل هذه النار بردا وسلاما على إبراهيم. إلا أن أباه أمر بطرده وإخراجه من أرض العراق، فخرج إبراهيم ومعه لوط، فآمن له لوط عليه السلام، فذهبوا إلى أرض الشام، تحديدا في منطقة حران، وذلك في أقصى بلاد سوريا، الذين كانوا يعبدون النجوم والكواكب. وهناك دار النقاش، والذي قد ذكره لنا القرآن. ثم بعد ذلك خرج إبراهيم عليه السلام ولوط، واستقر في أرض فلسطين، وجعل موطنه ومستقره. وهناك نزل الوحي على لوط، وجعل من أنبياء الله، فأرسل إلى بلاد الأردن، واستقر إبراهيم في بيت فلسطين. ثم حينها بدى لإبراهيم أن يخرج مع زوجته سارة إلى أرض مصر، فدخل فيها، وذلك رجاء الدعوة إلى الله جل وعلا، إلا أن الفرصة لم تسنح له لذلك، بسبب الجبار الملك الظالم، والذي أراد أن يلحق سوءا بسارة، إلا أن الله عصمها منه. فأمر هذا الملك بإخراجهما وطردهما من أرض مصر، وأرسل معهما هاجر، فرجع إبراهيم عليه السلام إلى فلسطين، ثم نزل إلى مكة، وكان هذا النزول الأول، نزل إلى مكة وأخذ معه هاجر ومعها ابنها إسماعيل، فتركهما هنالك مع دعاء الله بأن الله يتولاهما بحفظه. فكان الأمر كما كان، فحفظهم الله بأن أرسل إليهم من يؤانس وحشتهم. ثم كان رجع إبراهيم إلى فلسطين، ثم نزل المرة الثانية إلى مكة، وذلك لما بلغ إسماعيل السعي، وكان النزول الثاني لأمر أراده الله، وهو الابتلاء والاختبار العظيم لإبراهيم، وهو أن يقوم بذبح ابنه إسماعيل. فلما أراد إبراهيم أن يفعل ذلك بلا تردد، حينها حال الله بين إبراهيم وبين ذبحه لإبنه إسماعيل. ثم بعد ذلك رجع إبراهيم لفلسطين، ثم كان النزول الأخير، وذلك لما كبر إسماعيل، وأنزل الله عليه الوحي، نزل إبراهيم في آخر حياته إلى أرض الجزيرة، هي المرة الثالثة والأخيرة، وذاك لبناء الكعبة، وذاك يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل. لما كان إبراهيم في أرض فلسطين، لا ننسى أحداث بلاد الأردن، وما كان من دعوة لوط عليه السلام، إذ مرت طائفة من الملائكة على إبراهيم عليه السلام، فأعلموه بأمرهم، وأنهم أرسلوا إلى أرض لوط عليه السلام لكي يعذبوا أهلها لتمردهم وكفرهم. وكان كذلك من أمرهم أن بشروا إبراهيم عليه السلام بغلام، وهو إسحاق، وكانت هذه آية من آيات الله، إذ أن سارة كانت عقيم، وكانت عجوز، وكان إبراهيم شيخا كبيرا، لكن الله أراد أمره. فذهبت الملائكة إلى لوط عليه السلام على شكل ضيوف، ما علم بهم، لكنه استضافهم في بيته، فلما علم أهل السوء من بلده أنهم ضيفان عند لوط، أرادوهم لفعل الفاحشة، فحينها قام الملك، وخرج من بيت لوط، ومسخ وطمس أعين من كان بالجوار. ثم كان في الصباح أن خسف الله جل وعلا بهذه القرى، وهم المؤتفكات، أي المنقلبات، التي قلب الله جل وعلا ظاهرها على باطنها. ثم بعد ذلك رجع لوط عليه السلام، واستقر مع إبراهيم، وهو كذلك عمه، قد أشرنا إلى هذا. وهنا لكم انتشرت الدعوة في أرض الشام، كما أنها انتشرت في أرض الجزيرة، عندما بنيت الكعبة، وجاء الناس من الجزيرة من كل حدب وصوب. بعد ذلك، بعد مجيء إسحاق وتزوج، ثم أتى بيعقوب عليه السلام، وقيل أن مجيء يعقوب كان في حياة جده إبراهيم. كبر يعقوب عليه السلام، وأتى بالذرية الكبيرة، أتى بإثني عشر ولدا، عشرة من زوجة، واثنين من زوجة أخرى، فكان هذان هما يوسف وبن يامين، في قصة شهيرة، والتي قد قصها الله جل وعلا علينا في كتابه. إذ أن إخوته أرادوا أن يتخلصوا من يوسف عليه السلام، وذلك لكي يحظوا بمقام عند أبيهم، فرموه بالبئر، بعد ذلك المكر وذلك الكيد، إلا أن الله جل وعلا أخرجه من البئر، عن طريق تلك القافلة التي ذهبت به إلى مصر. وهناك تتابعت الأحداث بيوسف عليه السلام، إذ آواه عزيز مصر، ثم كبر وبلغ، وجاءت تلك المراودة من امرأة العزيز، ثم زج به في السجن، عندما لم يطاوعهم على ما أرادوا. ثم جاءت تلك الرؤية التي فسرها يوسف عليه السلام لملك مصر، والتي اهتم بها الملك اهتماما عظيما، بل وارتفع عنده مقام يوسف، إذ أن من كان من الملأ من بلاط ملك مصر، ما استطاع أن يفسر الرؤية بهذا التفسير العظيم. فحين أمر بإخراجه من السجن، بل وجعله على خزائن الأرض، فدارت الأمور إلى يوسف عليه السلام، وليس فقط الأمور الدنيوية، بل حتى الأمور الدينية. إذ أن يوسف عليه السلام، بهذا المنزل المرموق، استطاع أن يقنع الملك بالإسلام، فأسلم، وهكذا الشعب المصري كانوا تبع لملكهم، فدخلوا في الإسلام، فانتشرت التوحيد في أرض فلسطين، وفي أرض مصر، على يد يوسف عليه السلام. ثم كان من إخوة يوسف أن دخلوا على يوسف، فعرفهم وهم لم يعرفوه، فحين سأل عن أخيه الغائب، حينما علم أن لهم أخا عند أبيهم، طلب أن يأتوا به لكي يعطيهم الكيل الزائد والكرم النبيل. فجاءوا به المرة الثانية، فإذا بيوسف كادهم حتى استطاع أن يحظى بأخيه بن يامين إليه، وحازه إلى جواره. ثم جاء المرة الثالثة، جاء إخوة يوسف، وقد بلغوا المبلغ العظيم من الجهد والتعب والجوع والضيق والحرج، فإذا بهم يستنجدون به وبكرمه وبفضله أن يتصدق عليهم. حين هرق يوسف لما وصل به الأمر إلى إخوانه، فكشف النقاب، وأخبرهم إني أنا يوسف، وهذا أخي. فلما علم بذلك، فرحوا وتأسفوا، وعلموا واعترفوا بخطأ ما فعلوا. حينها أمر يوسف بأخذ قميصه إلى أبيهم، فإنه سيرجع بصيرا بإذن الله. ثم أمرهم بأن يأتوا إلى مصر جميعا. وهذه المرحلة، كما قلنا، بها انتقال بيت النبوة، أي آل إبراهيم، من كان من الذرار والأحفاد، وكل من كان في أرض فلسطين، كلهم تحولوا إلى أرض مصر، فلم يبقى أحد هناك في فلسطين. بقيت نعم آثار الدعوة الإسلامية، والتوحيد هناك، لكن آل النبوة، آل إبراهيم، قد تحولوا إلى جوار يوسف في مصر. ثم عاشوا ما عاش هناك، حتى مات يعقوب عليه السلام، ومات يوسف عليه السلام. ثم جاء الأسباط بعد ذلك، وهم الأنبياء الذين يرسلهم الله في أرض مصر، نبيا بعد نبي، يجدد لبني إسرائيل ما كان من ملتهم. وهكذا يعرف أهل مصر بدعوة التوحيد، إلى أن جاءت ستمائة سنة، وبعد ذلك تغيرت الأحوال، فجاء الملوك الطغاة العتاة، واستولوا على زمام الحكم في مصر، وولئك كانوا الفراعنة. آلت إليهم الأمور هناك، فاستولوا على الحكم، حتى جاء أشقاهم، وهو فرعون، الذي جاء في عهده تلك النبوءات التي تنبئ عن خروج رجل من بني إسرائيل، سيطيح به. فحينها خاف خوفا عظيما من هذه النبوءة، فأراد الحسم والاستئصال لهذه الفكرة، فأمر بذبح الأولاد، وقام بهذه المجزرة العظيمة. فما كان من ولد من بني إسرائيل يولد إلا وذبح. ثم شكى المصريون إلى فرعون بأن هذه الظاهرة إن استدامت، لن نجد أحدا من العمالة، من سيخدم أهل مصر من البنائين، ومن العمال، ومن المزارعين، ومن الفلاحين. فحينها جاءت الفكرة الثانية، بأن الذبح يقوم بعام دون عام. فكان من تقدير الله أن العام الذي لا ذبح فيه ولد هارون عليه السلام، وفي العام الذي فيه الذبح ولد موسى عليه السلام. وجاءت تلك القصة التي كذلك ذكرها الله لنا في كيفية نجاة موسى من ذلك اليوم الذي كاد أن يقع في أيدي الذباحين. إذ أوحى الله إلى أمه بأن تلقيه في التابوت، ثم تلقيه في اليم، حتى وصل إلى قصر فرعون، وهناك تربى، تربى بيد من يبحث عنه، تربى بيد من قام بقتل وسفك الدماء الكثير، وهو يتربى في فراشه. عاش وتربى وترعرع، فتربى في قصر فرعون سنين، ثم جاءت تلك الحادثة التي فيها خرج موسى عليه السلام، فوجد ذلك الرجل من شيعته يستنجده على رجل مصري، كأنه اعتدى عليه. فأراد موسى أن يبعده، فوكزه، فقضى عليه. ثم اختفت معالم هذه الحادثة، وكان موسى يعلم أن الأمر إذا كشف، سيكون في أمر عظيم، لأن حادثة قتل. ثم بعد ذلك تكرر هذا المشهد، إذ بالذي يستصرخه بالأمس، أي قبل فترة، هو بنفسه الآن يستصرخه لحادثة أخرى. لكن الأمر لسوء فهم الإسرائيلي، هذا قام بفضح موسى عليه السلام، أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس؟ فعلم الناس أن حادثة أمس كان الفاعل هو موسى عليه السلام. فحين خاف موسى أن يبقى في بلاد مصر، وهم مطالب للعدالة، مطالب للسلطة، إذ أن الملأ أجمعوا على قتله، فذهب إلى جهة الشام، وسكن في أرض مدين، وجلس فيها سنوات، ولبث في مدينة سنين. لبث سنوات في مدينة، على خلا بين العلماء، خلا عشرات إلى عشرين سنة. ثم بعد ذلك بدأ أن يرجع، بعدما تزوج وأنجب، على ما يذكر العلماء، أراد أن يرجع بأهله إلى بلاد مصر، إلى عشيرته، إلى قبيلته، عل الأمور تغيرت. فبينما هو يمر، مر على الوادي المقدس، المعروف بوادي الطوى، هناك أوحى الله إليه، وأعلمه الله بأنه سيكون رسولا مبعوثا إلى بني إسرائيل، وإلى فرعون. فحينها حمل موسى عليه السلام هذه الأمانة، وطلب من ربه أن يعينه بأخيه هارون. وهكذا أعطاه الله جل وعلا من الآيات، آية العصى التي تنقلب ثعبانا عظيما مبينة، وآية اليد، الذي إن وضعها في جيبه، فيخرجها فتكون بيضاء ناصعة البياض، تضيء ما حولها. فذهب موسى عليه السلام بهذه الآيات، ودخل مصر، فوجد أخاه هارون، وقد جعله الله نبيا. حتى استطاعوا أن يدخلوا على فرعون، حينها أعلموه ببعثتهم، وأن الله قد أرسلهم إليه، يدعونه إلى عبادة الله وحده. حينها كابر فرعون، كعادته، ومما عرف من خلقه الأنف، عاند أن يصدق بهذه الدعوة، وكيف لا وهو يدعي أنه الرب الأعلى، وأنه المعبود، لا معبود سواه. فحينها أراد موسى أن يقنعه بآيات الله التي حباه الله له، فأراه موسى عليه السلام العصى، وهي تنقلب أمامه حية عظيمة، وأراه آية اليد. فحينها انبهر فرعون، لكن هذا الانبهار لم يطل، بل أمر بقبول التحدي، بأن سأقيم التحدي بينك وبين غيرك، أنت الذي جئت به، لا يعد عن كونه السحر عظيما، لكن عندي من السحر من سينافسك على هذا السحر. فنادي في المدائن حاشرين، فجمع الناس في هذا الميدان العظيم، فجاء موسى عليه السلام مع أخاه هارون، وجاء السحرة. وكما قلنا، وتنوعت عبارات العلماء في عدد السحرة الذين قدموا في ذلك اليوم، منهم من عدهم بالمئات، ومنهم من عدهم بالآلاف. فحينها أمر فرعون بابتداء، فكان من أمر السحرة أنهم طلبوا من موسى إما أن تبدأ، وإما أن نبدأ نحن. قال ابدأوا، فبدأوا، فرموا بعصيهم وحبالهم، التي خيل للناظر أنها تسعى. وهنا طبعا اشتركت الأرواح الشيطانية في مسألة التخيل، حتى أن الناس استرهبوا هذا اليوم استرهابا عظيما، وقع في قلوبهم الخوف لشدة المناظر. فكان الشيطان حاضراً، بل حتى أن موسى عليه السلام أوجز في نفسه خيفة، خيفة مما يراه، وخيفة من أثر هذا الدهاء، وما يكون أثره على الناس. فحين أمره الله جل وعلا بأن يلقي عصاه، فألقاها، فإذا هي حية حقيقية لا خيال، فإذا بها تلتهم تلكم العصي، وتلكم الحبال، حتى علم السحرة، وهم أهل السحر، أن هذا ليس بسحر، هذا ليس من صنعتنا، هذا ليس من فعل بشر. علموا أن هذا من صنع الرب، فخروا لله سجدا، وقالوا آمنا برب هارون وموسى. بعد ذلك صار التحدي بين موسى وفرعون، موسى يدعو باستمرار، وفرعون يعامل هذه الدعوة بإصرار، باستكبار وإصرار. ثم لما علم موسى عليه السلام أن الأمر سيطول على هذا الحال، ولابد من وضع حد، دعا ربه جل وعلا بأن ينزل عليهم العقوبات. فبدأت العقوبات تنزل عليهم، بدءا بالسنين والشدة والجفاف، ثم جاء من أمر الآيات الخمس، وهي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. ثم جاء بعد ذلك الرس، وهو حصد الأرواح حصدا كثيرا. وكانت هذه الآيات تأتي مفصلة، أي مفصولة، لا تأتي على دفع واحدة. فكلما جاءت آية، انكسر القوم، انكسر الفراعنة، وطلبوا من موسى أن يدعو ربه بكشف هذا الضر. وكلما دعا موسى ربه، كشف الله، لكن بالمقابل، إذ بالقوم ينكثون، ينكثون ما عاهدوا الله عليه من التوبة. وهكذا الثانية والثالثة والرابعة والخامسة، فلا يزالون في إصرارهم. ثم بعد ذلك، لما كشفت هذه العقوبات، وعطاهم الله جل وعلا فرصة من بذخ الحياة، بدل أنهم يعيدوا التفكير فيما كان، مما توعدهم به موسى، وما أنزل الله عليه من عقوبات، إذ أنهم يزدادوا شرا، بل بلغ الأمر بفرعون أنه توعد الآن بقتل موسى، رجماً بالحجارة. فجاء الخبر إلى موسى بأن فرعون قد صمم على قتلك، وأنه قد اكتفى بموضوع المهاترات والمجادلات والحوارات معك. فحينها أوحى الله إلى موسى أن أسر بعبادي ليلا، فأخرج موسى عليه السلام بني إسرائيل من ديارهم ليلا، خفية، لا أحد يعلم بهم. خرج بهذا الشعب الذي قلنا لربما قدر في تلك الأزمان بما يقدر بمليون نسمة، من الصغار والكبار والذكور والإناث. كانت أحياء كثيرة من بني إسرائيل، سنة مئات السنين، أمر موسى بأن يتبعه، فخرجوا معه. ولكن لما أصبح الصبح، علم فرعون بخروج الإسرائيليين من ديارهم، فنادى في جنده بإدراك موسى ومن معه. فحتى توافى الجميع عند البحر، وحينها أمر الله جل وعلا موسى بأن يضرب بعصاه البحر، فانفلق البحر إلى طرق. وكان منهم النزول في أرض يبس، أرض يابسة، لا تخاف دركا، ولا تخشى. حتى صعد موسى إلى شط الشق الثاني، وهو إلى جهة سيناء. فلما أراد أن يضرب بعصاه، أمره ربنا جل وعلا أن ينتظر، وترك البحر رهوا، انتظر لماذا؟ حتى يأتي ينزل فرعون يتبعك. وأزلفنا ثم الآخرين، أزلفناهم، أي قربناهم. فلما قربوا، حينها أمر الله موسى بأن يضرب البحر، فضرب البحر، فإذا بالبحر غشي القوم جميعا، فأهلكهم الله عن بكرة أبيهم. ثم بعد ذلك وجد موسى عليه السلام أنه قد تولى هذه المسؤولية العظيمة، تولى شعبا عظيما، هو الراعي، هو المسؤول، هو القائد، هو النبي، هو الرسول. فقام بعدة قرارات، من أول هذه القرارات، أن قسمهم إلى أمم، حتى يستطيع أن يتحكم بهم. وجعل على كل أمة ما يسمى بنقيب، أو ما يسمى بالعريف، وهم النقباء. وجعلهم على إثني عشر قبيلة، وعلى إثني عشر أصباطا. وكل صبط له مسؤول، يكون موسى يتفاهم معه، ثم هذا يتفاهم مع من بعده. وهذا كان فيه من التسييس لهذه السياسة الحكيمة. ثم إذ بالقوم كذلك، وهم بهذا العدد الكبير، طلبوا الماء، أرادوا السقية، فأنعم الله عز وجل عليهم بهذا الحجر الذي ضربه موسى، فانفلق منه إثني عشر عين. حجر تخرج منه عيون، آية من آيات الله. وكان كل عين قد قسمها موسى، وأعطاها لأحد الأصباط. أنتم جمعت فلان، هذا عينكم، وأنتم هذه عينكم، وأنتم هذه عينكم. وكان هذا الحجر معهم، يأخذونه، يحمل معهم، كذا يذهبون، يذهبون، فإذا أرادوا ماء، وضعوه، وضرب، فيخرج هذا الماء، الماء من الحجر. وهكذا كان فيه السقية. ثم كذلك شكوا إليه، ماذا شكوا إليه؟ الجوع، فأرسل الله عز وجل لهم المن والسلوى، المن هي مادة تشبه العسل، والسلوى هو طائر. فمن الله عليهم بأكل حلو، وهكذا باللحم، فكان السلوى طائر يأتي بالقرب منهم، لا يفر، وإنما كان يأخذوا بمتناول اليد، فيذبحونه، ويأكلونه، لحما طريا. وهكذا شكوا إليه الحر، وهم في هذه الصحراء المترامية الأطراف، فحينها أمر الله عز وجل بالغمام، وظللنا عليهم الغمام، فكانت الغمامة تسير معهم، حيثما ساروا. هذا إخواني في الله، خلاصة ما ذكرنا. مسألة أنبئ عليها، مسألة إخواني في الله، ما وقع من هلاك فرعون، وإغراقه في البحر، متى كان هذا؟ هذا كان في العاشر من محرم، تحديدا في العاشر من محرم. نحن الآن في شهر ذي القعدة، بعده يأتي شهر الله المحرم، عاشر من محرم، هذا اليوم هو اليوم الذي أهلك الله عز وجل فيه فرعون. وقد جاء ذلك في الصحيح، عندما دخل نبينا صلى الله عليه وسلم المدينة، ووجدهم يصومون هذا اليوم، قالوا ما هذا اليوم؟ قال هذا يوم عاشوراء، يوم قد نجى الله فيه موسى، وأهلك الله فيه فرعون. فكان هذا التاريخ محفوظا في ذاكرة اليهود، من بني إسرائيل، ولهذا أقرهم نبينا على صحة هذا الخبر. وقال نحن أولى بموسى منكم، أولى بموسى منكم، فصامه عليه الصلاة والسلام، وأمر بصيامه، وأمر بصيامه. نواصل إخواني في الله ما يتعلق برحلة موسى عليه السلام. قلنا أن موسى، بهذا بتوفير القيادة، بتوفير المأكل، المشرب، والغمام الذي يسير معهم، إلى أين سيتجه بهذا الشعب؟ أمره ربنا جل وعلا أن يذهب بالناس إلى الطور، إلى جبل الطور، إلى جهة جبل الطور. هذه الجهة هي التي أمر الله جل وعلا بني إسرائيل، كما قال سبحانه: يا بني إسرائيل، قد أنجيناكم من عدوكم، وواعدناكم جانب الطور الأيمن. وواعدناكم، وفي قراءة: وواعدتكم، أي موعدكم، بعد النجاة، أن تكونوا في جانب الطور الأيمن. فهذه الجهة التي أمر موسى عليه السلام بأن يأخذ بهذا الشعب الكبير، وهذا الجمهور الغفير، إلى هذه البقعة. فأمره الله عز وجل بأن يتجه جنوبا، لأنه انخرج إلى جهة السيناء، والطور أسفل. فهذه سيتجه جنوبا، سيتجه جنوبا، وخاصة في الجهة اليمنى من الطور، الجهة اليمنى. لماذا الجهة اليمنى من الطور؟ لأن الجهة اليسرى من الطور، وهي الجهة الغربي، عبارة عن ساحل، عبارة عن ساحل، ليست محل المكث والاستقرار لشعب كبير. ولهذا أمره ربنا جل وعلا أن يجمع هذا الشعب في الجهة اليمنى من جبل الطور، ووعدناه جانب الطور الأيمن، لأن جانب الطور الأيسر هو في الحقيقة سيكون على الساحل. ولماذا هذه الجهة؟ سيأتي معنا أن هذه الجهة، جانب الطور الأيمن، أن موسى عليه السلام سيجعل هذا الشعب في هذا المحل، سيجعلهم في هذا المحل. ثم هو بنفسه سيذهب إلى مكان آخر، إلى أين سيذهب؟ سيذهب موسى إلى وادي قوة، لماذا؟ لأن الله عز وجل أراده أن يكون هناك، لكي يوحي له بأمر عظيم. أراد الله عز وجل أن يوحي له بأمر عظيم، وهذا الإيحاء سيكون بعد ثلاثين يوما، أي سينتظر موسى عليه السلام، سينتظر موسى عليه السلام ثلاثين يوما. ووعدنا موسى ثلاثين ليلة، ثلاثين ليلة، في بعض الآيات. وإذ وعدنا موسى أربعين ليلة، وهنا يستشكل بعض، يقول في بعض الآيات ثلاثين ليلة، وبعض الآيات أربعين ليلة، كم الموعد الذي أعطاه الله جل وعلا لموسى عليه السلام؟ حاصله أن الله عز وجل أمر من موسى أن يكون هذا الموعد بعد ثلاثين يوما، ثم جاءت الإضافة، وأتممناها بعشر، وأتممناها بعشر، فهي ثلاثين، ثم صارت بعض العشر، أربعين. فأصبح، فلهذا تقرأ على الثلاثين، على أن أصل الموعد ثلاثين، ثم جاءت الزيادة، وأصبح الميقات الذي بين الله جل وعلا وبين موسى، أربعين ليلة. فأشاهد أن الله عز وجل أراد من موسى أن يذهب بهذا الشعب، بني إسرائيل، إلى جانب الطور الأيمن، ثم يأتي إلى وادي طوى، هذه الوجهة التي أمره الله سبحانه وتعالى. طبعا هذا التحرك الذي هو من طرف سيناء إلى جانب الطور الأيمن، يقدره بعض العلماء العصريين، لثلاثمائة وخمسين كيلو، ثلاثمائة وخمسين كيلو. وهم يمشون، يمشي موسى بهذا الشعب، ومعه الصغير والكبير، والكهل، والمرأة، والصبي، والضعيف. فكانت المشي ماذا؟ المشي هوينة، هوينة، مع ما يكون من الراحة والاسترواح، متفقد أضعفهم. فكانت المسافة بعيدة، قطعوها مشيا، حتى يصلوا إلى هذا المحل. من الأشياء التي صارت مع بني إسرائيل، وموسى معهم، في أثناء مشيهم، أنهم مروا على قوم، وهم يعبدون الأصنام، مروا على قوم، وهم يعبدون الأصنام، كما قال ربنا عز وجل: وجاوزنا ببني إسرائيل البحر، فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم. فكان هذا المنظر ما ألفوا، يعني عبادة أصنام، عبادة أوثان، نعم كانوا قد علموا بما كان من فرعون، يقول: أنا ربكم الأعلى، وهم كانوا على التوحيد، ما عبدوا. لكن هنا رأوا هذه المناظر، آلهة تعبد، وأصنام تبجل، فكان من قولهم: وهذه من أعظم هناتهم، وهم في هذه المرحلة الحاسمة، أن قالوا: اجعل لنا إلها كما لهم آلها. استحسنوا فكرة الوثنية، والعياذ بالله، فطلبوا من موسى أن يجعل لهم إلها، بحيث يكون أمامهم، يشعرون به، ينظرون إليه. وهذه المسألة هي المشكلة الموجودة في كل زمان ومكان، قل لك ضعف الإيمان بالغيب، فأكثر الناس يحتاجون إلى الإيمان بأشياء ملموسة، بأشياء محسوسة. أما هناك شيء غيبي، قل من يوفق إليه. ولهذا أرادوا شيء ملموس يعبد، اجعل لنا إلها كما لهم آلها. فحينها غضب عليهم موسى عليه السلام، وأخبرهم بعظيم ما طلبوا، إن هؤلاء متبر ما هم فيه، وباطل ما كانوا يعملون. ثم قام موسى عليه السلام، وذكرهم بعظيم إنعام الله عليهم، وكيف أن الله أنعم عليهم بنعم، ما مثلها تقابل، مثل هذا الجحود. وقال ربنا سبحانه وتعالى على لسان موسى: وإذ أنجيناكم من آل فرعون، وإذ أنجيناكم، أي واذكروا، واذكروا يكون هذا دائما على بالكم، إذ أنجيناكم من آل فرعون، يسومونكم سوء العذاب، يقتلون أبناءكم، ويستحيون نساءكم، وفي ذلك بلاء من ربكم عظيم. بلاء عظيم، أي بلاء يحمل هنا على أحد بلائين، إما بلاء بالخير، وإما بلاء بالشر، فالكل بلاء، الله يبتل العباد بالخير، ويبتليهم بالشر. وهذا حاصل مع بني إسرائيل، ابتلاهم الله بالشر، وذلكم ابتلاهم الله أن أنقذهم مما كانوا عليه من الذل والهوان، والذبح والاستحياء، استحياء، استبقاء النساء، خدم وعوان، عند الغير. كان هذا ابتلاء بالشر، تذكروا هذه النعمة، وأيضا بما ابتلاهم الله بالخير، أن الله عز وجل أعطاكم من النعم ما لم يعطي أحدا من خلقه، نجاكم من عدوكم، من عليكم بالمن والسلوى، جعلكم تعيشون تحت ظل السحابة، استسقى لكم الحجر، يسير معكم، هذا فتنة عظيمة. فمثل هذه النعمة، نعمة البلاء، بلاء الخير، تشكر، وهكذا نعمة بلاء الشر، ماذا؟ أن لا تنسى، وأن لا تجحد. وفي ذلك بلاء من ربكم عظيم. فالشاهد أنها أولى، وهذا كما قلت، وقع في عهد نبينا عليه الصلاة والسلام، بعدما خرج من مكة، وأراد حنين، وأراد حنين. فكان هناك قول، حدث عهد بإسلام، مروا على شجرة يقال لها ذات أنواط، فقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال عليه الصلاة والسلام: قلتم، والذي نفسي بيده، كما قالت بني إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلها. ذكرهم نبينا بهذا الموقف. قلتم، والذي نفسي بيده، كما قالت بني إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلها. سار موسى مع قومه، فلما دنى موسى عليه السلام من المكان الذي كان من المقرر أن يجعل فيه بني إسرائيل، وهو جانب الطور الأيمن، هنا وجه موسى عليه السلام توجيها لأخيه هارون، والذي كان معه. أمره بأن يستكمل الطريق، استكمل أنت، تعرف الوجهة، الوجهة إلى جانب الطور الأيمن، خذ القوم هناك، واخلفني في قومي، واصلح، ولا تتبع سبيل المفسدين. هذه وصايا طيب، إلى أين سيذهب موسى؟ هنا أراد أن يختصر الطريق، ويرجع، ويذهب ماذا؟ يذهب إلى جهة المشرق، إلى جهة وادي طوى، إلى جهة وادي طوى. فهنا أراد أن يختصر الطريق، ويذهب، ويفارق قومه، قبل أن يصر، وصى آخاه هارون بأن يمضي، اذهب، واخلفني في قومي، وأصبح، ولا تتبع سبيل المفسدين. انتبه، أنت الرعي، وأنت المسؤول، وأنت النبي، فلا تجعل القيادة لسواك، هناك مفسد، هناك أهل الإفساد، في كل زمان ومكان. في أي مجتمع، لربما هناك من عنده نفاق، من عنده شك، وارتياب، وإذا ظهروا هؤلاء، لا تعطيهم أي شيء من القيادة، أو الريادة، ولا تتبع سبيل المفسدين. واذهب بهم، وانتظرني بعد ثلاثين يوم، سأتيك بعد ثلاثين، على الأصل، لأن الميقات الذي بينه وبين الله، ثلاثين ليلة، هذا الموعد الذي كان قد أوحى الله إلى موسى. فأخبر هارون أن يذهب بقومه، فذهب هارون غربا، وذهب موسى عليه السلام شرقا، المسافة لو تذكرون، قد مضت هذا معنا، ما بين وادي طوى، وهو الوادي المقدس، والذي قد أوحى الله جل وعلا فيه المرة الأولى لموسى، بين هذا الوادي، ووادي طوى، وبين جبل الطور، مسافة كم؟ ستين كيلو، قد قدرنا هذا في دروس خلت. ستين كيلو، المسافة ما بين جانب الطور الأيمن، وما بين وادي طوى، الذي ذهب إليه موسى عليه السلام، هذا الذي صار من مفترق الطريق بين موسى وهارون عليهما السلام. نأتي الآن إلى أحداث جبل الطور، الآن عندي جزئين، سيكون عندي جبل الطور له أحداث، ووادي طوى له أحداث. طوى، موسى مع الله، مع ربه، وجبل الطور، هارون مع بني إسرائيل، هنا وقعت أحداث، وهنا وقعت أحداث. ننظر إلى الأحداث التي صارت في جبل الطور، وهم ما كان مع قوم بني إسرائيل، مع هارون عليه السلام، ما الأحداث التي صارت؟ مشى هارون عليه السلام بهؤلاء الذين هم شعبه، وقومه، حتى وصل إلى هذه المنطقة، واستقر بهم المطار. وبينما هم هكذا، أخذ الناس يتحدثون، يتحدثون بما كان من إنعام الله عليهم، بأن الله قد أهلك عدوهم، وأن الله قد نجاهم من الذل والهوان، في أيام فرعون، وها هو الرب عز وجل يمدنا بنعمه، الغمام، والمن، والسلوى، والحجر، والغمام، فلا يزال يتحدثون بنعمة الله عليهم. حتى وصل بهم الحال إلى الاستذكار لبعض مخالفاتهم، ومن المخالفات التي أخذوا يستذكرونها، ويتأسفون عليها، ما كان من أخذهم من الحلي، والذهب، الذي أخذوه من بلاد مصر. فأخذوا يتأثمون، ما قصة الحلي هذا؟ قصة الحلي، كما قلنا، لما جاء موسى عليه السلام ليل