الدرس في المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 16، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
رفض بني إسرائيل دخول بيت المقدس رغم أمر الله لهم، مما أدى إلى غضب الله وتجريمهم دخول الأرض المقدسة. حكم الله عليهم بالتيه لمدة أربعين سنة.
ضاع بنو إسرائيل في سيناء لمدة أربعين سنة، وحدثت خلالها أحداث متعددة بين موسى والقوم، منها طلب تغيير طعامهم من المن والسلوى. كانت هذه الفترة نتيجة مباشرة لعصيانهم.
موسى عليه السلام يذهب للقاء الخضر عند مجمع البحرين لطلب العلم، ويصاحبه في رحلة تشهد أحداثًا غريبة. خرج موسى مع يوشع بن نون وتوجها إلى مجمع البحرين.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. بالأمس، إخواني في الله، كنا ولازلنا مع أحداث قصة موسى عليه السلام، وكان مما توقفنا فيه بعد حادثة عبادة العجل. وكان حكم الله في العبد أن تكون توبتهم بقتل أنفسهم، فقتل منهم من قتل، ثم عفى الله جل وعلا عن البقية. وكان هذا العفو مشروطًا، كما قال العلماء، بأن يختار موسى من قومه سبعين رجلا من الأصفياء، فيأتي بهم إلى الميقات، إلى وادي طوى. فلما كانوا كذلكم، أخذتهم الرجفة، وذلكم على قول كثير من المفسرين أنهم هم الذين طلبوا أن يروا الله جهرة، وقيل غير ذلك. ثم أحياهم الله بعدما أماتهم، فرجع موسى إلى قومه. ثم استقر به الحال إلى عند جبل الطور، يعلم ويفهم بني إسرائيل ما كان من الشرائع. وقد ذكرنا شيئًا من الشرائع الموجودة في التوراة، فهي شبيهة بالقرآن، فيها الأوامر، فيها الوعظ، فيها الواجبات، فيها الطاعات، فيها الزواجر، فيها المواعظ، فيها القصص، فيها الأخبار. فأخذ موسى يعلم، ثم إذ بالقوم أخذوا يتبرمون من كثرة الشرائع. فكان من أمر الله جل وعلا أن رفع عليهم الطور، ﴿وَإِذ أَخَذنا مِيثاقَكُم وَرَفَعنا فَوقَكُمُ الطّورَ خُذوا ما آتَيناكُم بِقُوَّةٍ﴾، ثم أدعن لما في حكم الله إلى أن جاءت الساعة التي يكون بها الانطلاق، وهو حقيقة الصراع ما كان بين موسى وفرعون، أن أرسل معي بني إسرائيل. تركهم لي إلى أين؟ إلى بيت المقدس. الآن جاء الأمر من الله جل وعلا أن موسى يأخذ قومه، وهم هذه الشعوب الكبيرة الكثيرة، إلى بيت المقدس. فبينما هم كذلكم، أرسل موسى عليه السلام العيون، فجاءوه بالأخبار، وأن بيت المقدس وهذه البلاد أصبحت حصينة منيعة، ليس من السهل الدخول إليها. لأن الكنعانيين الذين آلت بلاد المقدس إليهم قد استولوا على هذه الأراضي قبل مئات السنين، ولن يكون من السهولة أن يطلب منهم بالخروج من بيت المقدس. ونحن سندخل محلكم، هذا لا يعقد، فلما علم الكنعانيون بقرب هذه الجماهير الضخمة، استعدوا لهم بتجهيز الأسوار والقلاع والقصور والتروس. فرجعت العيون وأخبروا موسى عليه السلام بهذا. لكن موسى طلب من قومه الدخول على هؤلاء، فقال لهم: «يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين». هذه الأرض المقدسة هي مكتوبة لكم، ادخلوها، قد كتبها الله لكم، هذا وعد الله الذي وعدني، لا إله إلا هو، ادخلوا، لا يضركم من فيها، سينصرنا الله عز وجل عليهم. فلا يزال موسى يشجع قومه ويحثهم على الدخول إلى بيت المقدس، لكن الناس ومن كان مع موسى اعترضوا في الدخول، قالوا: «يا موسى إن فيها قومًا جبارين، وإن لن ندخلها ما داموا فيها، ما ندخلها، ما ندخلها، إن فيها قومًا جبارين، وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون». ماذا شرط؟ لو خرجوا، أبشر، سندخل، أما هم فيها، لا، ما سندخل، ما سندخل. هؤلاء قوم أشاوس، نخشى أن يفعلوا بنا الأفاعيل من القتل، ما سندخل إليهم. فالحاصل، قال ربنا جل وعلا، يذكر بعض الخيرين والأخيار من بني إسرائيل، قال: «رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون»، يعني من شدة يقين هؤلاء بأن الله قد كتب هذه الديار لنا، هي لنا، إن دخلنا ستكتب لنا، نمضي، خذوا بالأسباب. قال رجلان، واختلف العلماء من هؤلاء، قيل: إنهما يوشع بن نون النبي، وآخر رجل صالح، وقيل: أن الأول هو يوشع، والثاني هارون. ما هناك شيء من الإيمان واليقين بوعد الله ورسوله. قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما: «ادخلوا الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون، وعلى الله فتوكلوا». كن على يقين بوعد الله. لكن الإسرائيليين أصروا: «إنا لن ندخلها أبدًا»، قل: هنا جزم أبدًا، ما داموا فيها، «فاذهب أنت وربك فقاتلا إن هاهنا قاعدون». تأمل إلى قمة الصفاقة واللا مبالاة وعدم الاحترام لمقام الرب ولمقام النبوة: «اذهب أنت وربك فقاتل». لا تأتي عندنا، «إن هاهنا قاعدون». وهذه بلية عظيمة جدًا، أن يصل النبي مع قوم إلى هذه الصورة، ما رفعوا رأسًا لا بالله ولا بأنبيائه. ولهذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم دائمًا إذا اشتد عليه الأمر أو وقعت عليه بلية، تذكر موسى، قال: «رحم الله أخي موسى، ابتلي بأكثر من هذا فصبر». نعم، موسى ابتلي ببلايا عظيم، ببلايا تلو بلى، ما يخرج من أزمة إلا ويرجع إلى أخرى، من قومه، من تعنتهم، من تعجرفهم، قلة فهمهم، جرأتهم على الله وعلى رسله وعلى كتبه. فحينها، لما رأى موسى أن الجماعة قد أصروا: «إن لن ندخلها أبدًا»، للتأبيد، ما داموا فيها، «فاذهب أنت وربك فقاتل». ولهذا في غزوة بدر، عندما خرج نبينا صلى الله عليه وسلم لاعتراض القافلة، ثم تغيرت مجرى الأحداث من قافلة إلى جيش، خرج من مكة، وما كان الصحابة على استعداد للقتال، فأحب نبينا أن يشاور أصحابه: «ماذا ترون؟ نقاتل؟» فتكلم أبو بكر فأحسن، وتكلم عمر فأحسن، إلا أن النبي ما أراد المهاجرين، أراد الأنصار، فتكلم سعد ومعاذ وأحسن، ثم تكلم المقداد وقال: «يا رسول الله، لا نقول لك كما قالت بني إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتل، إن هاهنا قاعدون، لا، وإنما نقول لك: اذهب أنت وربك فقاتل، إنا معكم مقاتلون». حتى سر عن نبينا، كما قال الراوي: «سر بهذا الخطاب، بهذا التشجيع، نحن معك». انظر الفرق بين الخطابين. وعن الصحابة كانوا ثلاثمئة، وما خرجوا بفرس ولا بخيل، وما جاءوا إلا لقطع الطريق على قافلة، فإذا بهم تغيرت المحدثات إلى جيش بتسعمئة مقاتل، بفرسهم وأسلحتهم، ومع ذلك ما بالوا: «نحن معك». لكن تأمل إلى هؤلاء، وتأمل إلى هؤلاء. فحينها، لما رأى موسى عليه السلام ما كان من تعنت قومه، التجأ إلى ربه سبحانه وتعالى، فقال: «ربي إني لا أملك إلا نفسي وأخي، إيش سنفعل؟ ما الذي سنفعل؟ أنا وأخي سنذهب بهؤلاء الكنعانيين في القتال؟ ما أملك إلا نفسي وأخي، فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين». من هم قومه؟ أصبح بهذه الفعلة فسقة، والفاسق والخارج عن طاعة ربه من الفسوق. فكان هذا فسوق منهم، الجرأة والخروج عن طاعة نبيه. فحينها كان حكم الله جل وعلا أن قال: «فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض، فلا تأس على القوم الفاسقين». هذا هو حكم الله، بما أن هؤلاء أبوا، مع أن الله قد كتبها الله لهم: «ادخلوا، ادخلوها، ستكتب لكم»، لكن أبوا، «فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض». سيأتي معنى التيه، هذه الآية على ماذا تحمل؟ طبعًا هنا هذه الآية على وقفين اثنين، إما على الوقف الأول: «فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض». الوقف الثاني: «فإنها محرمة عليهم أربعين سنة». الفرق بين الوقفين، في الوقف الأول: «فإنها محرمة عليهم»، أي هذا الجيل، هذا الجيل لن يدخل إلى البيت المقدس، محرم عليهم، محرمة عليهم، هذا الجيل. على الوقف الأول، أي هذا الجيل كله سيندثر، ولم تقر عينه برؤية بيت المقدس، ما أحد، حتى موسى وهارون، موسى مات في التيه، وهارون مات في فترة التيه. سيأتي معنا الأحداث المتعلقة بهذا. وعلى القراءة، الوقف الثاني: «فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض»، أربعين سنة، أي أنها ستحرم عليهم مدة أربعين سنة، أربعين سنة ستحرم عليهم الأرض المقدسة. ولهذا من بعد أربعين سنة، قد يكون من هذا الجيل إن أدرك، ومن الجيل بعد، قد يرجعون ويدخلون إلى بيت المقدس، على تفسيرين للعلماء. طيب، نأتي الآن إلى الذي صار عندما تنع هؤلاء الإسرائيليون عن الدخول إلى بيت المقدس، حرم الله عليهم، ماذا صار؟ كتبوا، طبعًا كانوا في سيناء، لما جاءت العيون وأخبروا موسى بخبر بيت المقدس، ثم شجعهم، رفضوا، هم لا زالوا في سيناء، هنا وقع التيه. وما هو التيه؟ التيه هو الضياع، كيف ضاعوا؟ ضاعوا أربعين سنة، يمشون هنا، يمشون، يمشون، يمشون، يمشون، ضاعت عليهم الأراضي، ما استطاعوا أن يخرجوا من سيناء. هذه آية من آيات الله، أربعين سنة، عمر، يعني من دخل، يعني هذه السنة إذا ولد فيها إنسان، بداية الأربعين، سيخرج من التيه، عمره كم؟ أربعين سنة، عاش وترعرع في فترة التيه، وهو فترة الضياع. كلما أرادوا أن يخرجوا، ذهبوا، ذهبوا، ذهبوا، وجدوا نفس الأماكن الذي جاءوا منه. ليش هذا؟ هنجي، ألم نفس المكان؟ يا جماعة، قال: «رأى شرق، راحوا شرق، وجدوا أنفسهم في نفس المكان، ذهبوا غرب، نفس المكان»، وهكذا يتيهون، «فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض». سميت هذه الفترة التاريخية بفترة التيه، بفترة التيه. فضرب الله عز وجل التيه على بني إسرائيل، جزاء ما كسبوا، من كان من تعنتهم وجرأتهم على نبيهم، في عدم الدخول. هنا، إخواني في الله، طبعًا لما حكم الله عز وجل على بني إسرائيل التيه، طبعًا ما ظنك بموسى عليه السلام؟ موسى قد تعب تعبًا شديدًا، تعب، تعب. هذا، انظر بدايته، وهو أربعين سنة مع فرعون، شد ومد، وقتال، وقتل للأبرياء، وقامة الحجة، وما كان من إدراكهم، وما كان من نجاتهم، ثم ما كان مع بني إسرائيل في سيناء، والآن سنبقى في سيناء أربعين سنة، يعني شيء، يعني ما سيشعر بعظمة هذا التعب إلا موسى. هنا، قال العلماء في هذا الموطن، مع شدة تعب موسى، طلب طلبًا، ما الطلب الذي طلبه موسى حينها؟ قال: «يا رب، أريد أن ألقى آدم». آدم عليه السلام، قد يقول: قال إيش يريد من آدم؟ سيأتي إيش يريد من آدم؟ أراد آدم، وكان موسى عند الله وجيهًا، فحقق الله طلب موسى، فالتقى آدم بموسى. كيف؟ الله أعلم، في السماء، الله أعلم، في الأرض، الله أعلم، رفع الحجاب، بعث الله آدم، الله أعلم. لكن جاء في الصحيح: «التقى موسى بآدم». فلما التقى موسى بآدم، كما يقول العلماء: «أن هذه القصة بعد التعب الذي وجده موسى». فلما وجد آدم، قال: «أنت آدم الذي خلقك الله بيده؟» قال: «نعم». «وأسجد لك ملائكته؟» قال: «نعم». «وأدخلك جنتك؟» قال: «نعم». «ما الذي حملك على أن تخرج من الجنة مع ذريتك؟» يعني قالوا: أعني. من قمة التعب الذي عند موسى، أصبح يضع اللوم في آدم، يعني أي شيء داعي خرجتنا من الجنة؟ يا آدم، كنا في الجنة، خلاص. إلا أن آدم عليه السلام ما سكت، قال: «أنت موسى بني إسرائيل؟» قال: «نعم». «أنت الذي اصطفاك الله بكلامه ورسالته؟» قال: «نعم». «أنت الذي كتب الله لك التوراة بيده؟» قال: «نعم». «أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن أخلق؟» تلومني على شيء هذا ليس بيدي. قال عليه الصلاة والسلام: «فحج آدم موسى»، أي أن الغلب والحج كانت لآدم، ليست لموسى، صحيح، يعني كيف يا آدم، موسى تلومني على شيء هذا شيء قدره الله علي قبل أن أخلق؟ قال: «أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن أخلق؟» قال عليه الصلاة والسلام: «فحج». وفي ذلك فائدة على أن الاحتجاج بالقدر يكون على المصائب لا على المعاصي. الحاصل، إخواني في الله، بعد هذا، تم الدخول إلى مسألة إلى أرض التيه، كما عنها، لست أرضية، هم هم في سيناء، ضاعوا في سيناء، أربعين سنة، هذا العمر الطويل. وقعت أحداث، أحداث بين موسى وبين بني إسرائيل، أحداث طويلة، نحاول أن نلخص ما نصدع أن نلخصه. مع التنبيه أن موسى عليه السلام كان بمقدوره أن يخرج من التيه، يخرج من سيناء، ويعود، هذا أمر لله عز وجل. أما بقية بني إسرائيل، قد كتب عليهم الحرمة، محرمة عليهم الوصول إلى بيت المقدس، وكتب عليهم الضياع. أما موسى، لا، لن يكون هذا، هذا أمر آخر، سيجعل الله عز وجل لموسى فرج أو مخرج، بل خروج من سيناء، ويعود بعد ذلك. فمن هذه الأشياء، إخواني في الله، الذي أذكرها، وهي من حوادث التيه، قد نبدأ بها. لما أصبح ما أصبح بني إسرائيل في التيه، ومن طبعًا دخل معهم في التيه، ما الذي دخل معهم؟ المن والسلوى والحجر والغمام، هذا معهم، فهم في صحراء، اسم صحراء، لكن في نعمة، اسم صحراء. نعم، ضربت عليهم المقت في صحراء، لكن هم من حيث ليسوا في صحراء حقيقية، لأن الظل يستظلون تحته، والماء يمشي معهم، هذا الحجر، والطعام معهم، المن والسلوى، لا يفارقهم. هنا أصابهم الملل من ماذا؟ من الطعام، سبحان الله، قال إيش هذا؟ كل يوم من وسلوى، من وسلوى، من لحم طير، لحم، لحم، سبحان الله، جاءهم الملل من الذي أرادوا؟ أرادوا تغيير الطعام. قالوا: «لن نصبر على طعام واحد، نأخذ في سيناء أربعين سنة، نأكل هذا بس، لن نصبر على طعام واحد». فقالوا: «لن نصبر على طعام واحد، فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها». قثائها، قيل: أن القثاء هو الخيار، طلبوا أن تخرج الأرض شيء. فموسى راجعهم: «أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟» عن أين هذا الذي طلبتموه؟ بصل، عدس، أمام لحم، عسل، أجمع هذا، لا. أرادوا هذا، عقول، عقول، إذا كانت تذمرون من مسائل الدين، فما ظنك بمسائل الدنيا؟ من باب أولى. فقال لهم موسى عليه السلام: «اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم». ما معنى «اهبطوا مصرا»؟ انتبه، مصر ليست مصر دولة، لا، أن الدول عرأ، الدول في باب النحو، لا مملوعة من الصرف، لا تلون. فإذا كان المراد مصر الدولة: «اهبطوا مصرا»، اهبطوا مصرا، أي الدولة. لكن هنا ما أراد مصر الدولة، هنا مصر مفرد، جمع أمصار، أمصار، بمعنى الأراضي، «اهبطوا مصرا»، أي اهبطوا أرضًا، أي أرض عندكم، أي أرض تجدونها واسعة نافعة، لأن تنموا فيها، اختاروها فقط، «اهبطوها»، انزلوا فيها، ستجدون ما سألتم، اختاروا فقط. فوجدوا أرضًا، مكثوا فيها، فبارك الله في هذه الأرض، فأخرجت الأرض ما طلبوا، البصل والثوم والعدس إلى آخره. طبعًا، وكان هذا ماذا؟ كان هذا لهذا، بدأنا بهذه الأحداث، كأوائل ما وقع في فترة التيه، لأن هذا أدى إلى استقرارهم في هذه الأرض. لأن هذا سيحتاج إلى حرف، إلى زراعة، إلى سقيا، إلى أعمال، جلسوا، وجدوا أرضًا، خلاص، جلسوا فيها، لأنه عارف، خلاص، عارفوا أن هذا الضياع سيستمر، فكان بعضهم يقول: «لا تذهب بعيدًا، ستذهب هكذا شرقًا، وما تجد لها، قد جئت عندنا، ستذهب غربًا، تجد لها، قد جئت عندنا، لا تتعب نفسك». فهذا أجد، استقروا، وأخذوا ماذا؟ وأخذوا يبنوا، زرعوا الأراضي، واستقروا فيها، انتظارًا أن تمر هذه المدة، أربعين سنة. من الأحداث التي وقعت في فترة التيه، كان بني إسرائيل يلمزون موسى عليه السلام بأمر، يغمزونه بطرف خفي، أن موسى فيه مرض. ومن أين استنبطوا هذا؟ استنبطوا أن من طبيعتهم كانوا يقتسلون، وكانوا يقتسلون عراة، عادي، كما هي في الحضارة الغربية الآن. تجد الرجال، وحتى بعض، للأسف، بعض الشعوب، يقول: أن رجل هذا رجل عادي، يتغسلون، وقد كل واحد يرى عورة الثاني، آه، موسى عليه السلام ما كان كذلك، كان يعتزل بعيدًا، ويقتسل وحده، لا أحد يرى. فإذا بني إسرائيل كان فيما بينهم يقول: «ليش ما بالموسى يعتزلنا عند غسله؟ لا، ربما فيه، وفيه». حتى جاء في رواة البخاري، قال: «لعله آذر». آذر، بمعنى أن فيه مرض في عضوه، آذر، هذا في البخاري، طعنوا فيه. يوم الأيام، كعادة موسى عليه السلام، انحاز بعيدًا عن قومه، وأراد أن يقتسل، فأخرج ثيابه، فجعلها على صخرة. فلما انتهى من غسله، وأراد أن يتناول ثوبه، إذ بالصخرة تمشي، إذ بالصخرة تمشي، هو ما يبالي بالصخرة، يبالي بثوبه الذي على الصخرة. فمشى موسى لكي يأخذ ثوبه، إذ بهذه الصخرة تسرع، وما كان من موسى إلا أنه يسرع خلفها، تمشي الصخرة، وثوبه عليها، وهو يمشي خلفها، وأخذ ينادي: «ثوب حجر، ثوب حجر»، أي: «يا ثوبي ارجع»، أي: «يا حجر»، يعني: «ثوبي حجر»، أي: «يا حجر ارجع ثوبي، ارجع ثوبي». فكان ينادي. فما كان من الصخرة تمشي، تمشي، حتى جاءت عند ملأ من بني إسرائيل، فتوقفت، وموسى بلا ثياب، يعني خرج من ذاك المقتسل، خرج بلا ثياب، في حالة غضب وسرعة، وهو يمشي، يمشي، حتى توقفت الصخرة، فوجد الصخرة، ثقف، أخذها، ثوبه، لكن قبل أن يلبس، الملأ من بني إسرائيل نظر إلى هذا الجسد، إلى جسد موسى عليه السلام، وقد خلقه الله على أحسن خلقه، وجعله الله على أجمل هيئة. وفي هذا نزل قول الله عز وجل: ﴿وَلا تَكُونوا كَالَّذِينَ آذَوا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمّا قالوا وَكانَ عِندَ اللَّهِ وَجيها﴾. من أحداث التيه، إخواني في الله، هذه الحادثة التي قصها الله في القرآن. كان من أعمال موسى عليه السلام التعليم والتدريس، وقد آتاه الله جل وعلا من القدرة على التأثير على الناس، مواعظ ترتجف لها القلوب، تذرف لها الدموع. حتى قال أحدهم يومًا ما: «يا رسول الله، هل هناك أحد أعلى منك؟» قال: «لا، ما هناك أحد أعلى مني». موسى لما قال: «لا»، ما أراد بذلك الافتخار، لا، أراد على حسب علمه، لأنه هو الذي هو النبي، من هو أعلى منه؟ قد أنزل الله له الوحي والرسالة والتوراة، وكلمه ربه، من هذا الذي يوازي؟ لا أحد. فقال: «لا، ما هناك أحد أعلى مني». فأوحى الله عز وجل إليه: «أن عبدي الخضر أعلم منك، وأنه على علم لا تعلمه أنت». فحينها اشتاق موسى لأن يطلب العلم عند الخضر، قال: «ربي دلني عليه». دلني عليه، إذا كان الخضر عنده علم، أنا ما هو عندي، سأتعلم. والخضر، طبعًا، هو ليس اسم، وإنما لقب، إنما هو لقب، وليس اسما لهذا النبي الصالح. وهنا بدأت رحلة موسى عليه السلام إلى الخضر، فكان موعد اللقاء بين موسى والخضر عند مجمع البحرين، عند مجمع البحرين. وأين مجمع البحرين؟ هذه المسألة، إخواني في الله، من نظر إلى المطولات، سواء كان في كتب السير والتواريخ، أو في كتب التفاسير، ريال الاختلاف العظيم بين المفسرين وبين المؤرخين. منهم من قال: أن المقصود بمجمع البحرين هو خليج السويس، قيل: خليج العقبة، منهم من قال: ما يسمى الآن برأس شرم الشيخ، منهم من قال: عند جبل طارق، منهم من قال: مضيق المندب، منهم من قال: عند باب المندب، منهم من قال: مضيق الهرمز، أقوال، أقوال كثيرة. لكن لربما من أحسنها، ومن حلل هذه القضية، قال: أن موسى ما أبعد كثيرًا عن سيناء، لأنه كان في سيناء، فأمره ربنا أن يذهب إلى مجمع البحرين، فالذي تدل عليه الرواية على أنه ما ذهب بعيدًا. هنا باب المندب، تحت، ولا بعيد عن جبال طارق، فإنه ذهب إلى مسافة قريبة، ذهب إلى مسافة قريبة. والمؤشرات تدل على أنه ذهب، والله تعالى عالم، إلى مصب نهر النيل عند البحر المتوسط، عند بحر المتوسط، بحر الأبيض المتوسط الذي فيه مصب النيل، مجمع البحرين، يمكن، طبعًا هذا احتمال، ويؤيد هذا المعنى أن هذا خط ساحلي، سيكون من سيناء، سيمشي ساحليًا حتى يصل إلى مصب ملتقى نهر النيل مع البحر المتوسط. ولماذا قلنا ساحلي؟ لأن قصة موسى عليه السلام كان على الساحل، قصة موسى لما أراد أن يلتقي بالخضر، كان يمشي على الساحل، بماذا علمنا؟ سأتي معنا قصة الحوت، قصة الحوت الذي كان في المكتل، خرج الحوت إلى البحر، ما شاء إلى البحر، إلى الدل، أن البحر كان بقربهم، كان البحر بقربهم. فالله تعالى أعلم، كما قلنا، مجمع البحرين، الله أعلم تحديدًا أين هو. لكن اجتهادات لبعض العلماء قديمًا وحديثًا حاولوا أنهم يستنتجوا المنطقة الجغرافية الذي وقع فيها هذا اللقاء. خرج موسى عليه السلام وأخذ معه فتاه، ومن فتاه هو يوشع بن نون عليه السلام، هو فتاه الآن، لكن فيما بعد سيكون نبيًا من أنبياء بني إسرائيل، ينفع الله به نفعًا عظيمًا، هذا يوشع بن نون. فمشى موسى مع يوشع بن نون، وقد أوصاه: «بأني لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبًا». أين سأمشي؟ وسأمشي، وسأمشي، إلى أن ألتقي بالخضر، وإلا سأمشي حقبًا، ظهرًا طويلًا، إلى أن ألتقي به، ما هناك شيء سيردعني أو سيثنيني عن المشي. فقد كان موسى عليه السلام على رغبة عظيمة في أن يلتقي بالخضر، ولو أن هذا المشي حقبًا، سنوات طوال، وهو يمشي، سنوات طوال. فمشى موسى عليه السلام ومعه يوشع بن نون، لمحل مجمع البحرين، فلما بلغ مجمع البحرين، لكن لم يعلم بأن هذا هو الموعد، وهنا اللقاء، ما علم بهذا، هم جاءوا إلى المحل، مجمع البحرين، لكن ما كان هناك أحد. فلما بلغ مجمع البحرين، أخذتهم النومة، لموسى ويوشع، بينما هم نيام، يوشع استيقظ، استيقظ، فعلى استيقاظه، رأى أمرًا غريبًا، كان معهم مكتل، ومن سميه زنبيل، مكتل، هذا المكتل كان فيه حوت، وهو الطعام، أخذ الحوت على اختلاف: هل هذا الحوت كان ميتًا أم أنه حوت كان مملح، جاهز للأكل؟ على قولين، قيل: هذا، وقيل: هذا، قيل: أنه كان ميت، سيطبخ، وقيل: أنه كان مملح، جاهز. فلما كان يوشع بالنون استيقظ، إذ به يرى أن هذا السمك قفزت من المكتل، ثم إذ بها تمشي، تتجه إلى البحر، مع مشها، كانت تخد، تخد الأرض، حدًا، تتخذ سربة، تتخذ طريق، تشق طريقها، تتمشي، تتمشي، حتى دخلت إلى البحر، آية عظيمة في هذا المخلوق الذي رد الله إليه الحركة بعد كان من العدم. لكن مع شدة انتباه يوشع لهذه الآية، نسي أن يخبر بها موسى عليه السلام. ثم استيقظ، وواصل المسير، ومشي، ومشي، لأنه ما إلى الآن ما ظفر بالخضر، أن يجده عند مجمع البحر، هو سيكون حول هذه المنطقة، سيكون حول هذه المنطقة، إلى أن تعب موسى. وسبحان الله، قال: «ما تعب موسى إلا لما جاوز المحل، لما جاوز المحل، شعر بالتعب». وكم المسافة التي جاوزها عن المحل؟ الذي جاء في الصحيح: «على أن موسى عليه السلام أكمل هذا اليوم، لما التحرك، أكمل بقية اليوم، ودخل عليه الليل، وفي الصباح، هنا في الصباح، سأل عن الطعام: آتنا غداءنا، لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا». هنا شعر بالتعب لما تجاوز المحل. فحينها استذكر يوشع بن نون عليه السلام ما صار من أمر الحوت الذي خرج من المكتل، فأخبره بما رأى، وأنه رأى من آيات الله عجب، أخبره كيف أن هذا الحوت خرج من المكتل وذهب إلى البحر، فقال موسى: «قال هذا الذي نبغي، هذا الذي نريده نبغي»، بمعنى نريده، «هذا ما نبغي». فارتد، ارتد، أي رجع، رجع من المكان الذي أتوا منه. فارتد على آثارهما قصصًا، قصصًا، أي يقصون الآثار، لماذا يقصون الآثار؟ أي ما أرادوا أن يتجاوزوا هذه المعالم، لأن خروج الحوت من المكتل، هذه العلامة التي هنا سيجدون الخضر، اللقاء بالخضر سيكون عند هذه الأمارة: «أنكم إذا افتقدتم الحوت ستجدون الخضر». فلما علم موسى بقصة، قال: «هذا ما نبغي، هذا الذي نريده»، هذه العلامة التي نبحث عنها. فرجع، فارتد على آثارهما قصصًا، أي قصان، حتى لا يبتعدان، وخشت أن تذهب عليهم الآثار، تذهب عليهم الآثار. فلما رجع، وجد الخضر عليه السلام، فحينها ارتقى به موسى، ورحب به، وسلم، وتعرف كل منهم على الآخر، ثم أخبر، واستأذن موسى الخضر في أنه سيصاحبه في هذه الرحلة، لكي يطلب منه العلم، وكي يستفيد منه. فأخبره الخضر بأمر، قال: «أنك لن تستطيع معي الصبر، أنت ستشاهد مني أشياء لن تجد لها التفسير، ولهذا لم تصبر عليها». فحينها قال: «لا»، موسى قال: «ستجدني إن شاء الله من الصابرين». فأمره الخضر بطلب: «أنك لا تسألني إن رأيت شيء من هذه الأمور، لا تسألني عن شيء، حتى أنا، أنا أحدث لك منه ذكرًا، أنا إذا أخبرتك، هذا مني، لكن أنا ما أخبرتك بشيء، لا تسألني، لا تسألني». فوافق موسى عليه السلام على هذا القيام. فتحرك، فكانت أول ما كان من أمرهما أمر السفينة، لما كانوا على الساحل، وجدوا سفينة، وأهل السفينة كان يعرفون الخضر، قال: «تركب معنا يا خضر؟» قال: «أركب». فركب، فبينما هم في البحر، كان تناول الخضر فأسًا، إذ به يكسر لوح من على السفينة، خلعه. فهنا استغرب موسى من هذا الفعل، يعني أناس أخذوهم من غير أجر، من غير نول، من غير قيمة، إنما معرفة وإحسان، تجازيهم بأن تخلع اللوح عليهم. حينها ذكره الخضر: «يا موسى، لا تسألني عن شيء». قال: «لقد نسيت»، هذه نسيان، نسيت، اعذرني، لا تآخذني على نسياني. ثم مشى، فنزل من السفينة، ثم مشى. فبينهم وهم يمشيان، إذ مر بغلام، وهذا يطلق غلام على أنه ما ناهز الاحتلام، لا زال في صغره، إذ بالخضر يقتله. وجاء في الرواية في البخاري: «أنه قلع رأسه». هنا ذهل موسى، هنا ليست نسيان الآن، هذه ليست نسيان من موسى، وإنما ردت فعل عظيمة: «أقتلت نفسًا زكية بغير نفس؟ لا شهادة شيء». فضيع، قتل النفس بهذه الجرأة، ولمن؟ نفس صغير، بشر، ما فعل جرم حتى يتهم عليه. ذكره الخضر عليه السلام بالشرط: «تذكر، وعلم موسى أن هذا محسوب عليه». قال: «إن سألتك بعدها عن شيء فلا تصاحبني». فلما أصر أني يعني يعني أحرجك بعد هذا الإحراج، خلاص، بعدها إن سألتك، فمشى. فدخل على قرية، وقد بلغ بهم الجوع، فأخذ يستطعما أهلها، أخذ ينادون: «يا جماعة، يا أخوان، حد معا لقوة؟ حد معا مأوى؟ حد معا أكل؟ حد معا شراب؟» ينادون، فإذا بأهل القرية من الناس اللي آم، ما أكرم الأضياف. وتخيل من موسى كريم الرحمن، والخضر عليهما السلام، ما بالوا بهما، فما أكرموهما، ولا أعطاهم شيئًا. فبينما هم على مرور المدينة، وجد الخضر عليه السلام جدارًا كاد أن يسقط، فقام الخضر وتوقف عند هذا الجدار، وأخذ يشمر ويشتغل في الجدار، يشتغل، يعمل، يأتي بالخلطة، وهكذا، ويأتي باللبن، ويضع، وأقام. فموسى استغرب، قال: «عجيب، هذه القرية تفعل معنا خ