الاقبال على الله 23

الدرس في الاقبال على الله 23، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهداف الشيطان ووسائله لإبعاد الإنسان عن طاعة الله

يهدف الشيطان لإدخال الناس إلى نار جهنم وإيقاعهم في الشرك والمعاصي، ويحاول إفساد طاعاتهم خاصة الصلاة. يستخدم الشيطان الوسوسة والتضليل لتحقيق أهدافه.

وسوسة الشيطان في الصلاة وعلاجها

يوسوس الشيطان للمصلي أثناء الصلاة، مما يسبب التشتيت ويُفسد خشوعه وأجره، ويمكن علاج ذلك بالاستعاذة بالله والتفل عن اليسار ثلاث مرات. النبي قدم حلولاً عملية للتعامل مع هذه الوسوسة.

التأثير الشيطاني على الصلاة والوضوء والتعامل مع الوسوسة

يحاول الشيطان إفساد صلاة المسلمين ووضوئهم بوسوسته، وينبغي عدم الاكتراث لهذه الوساوس وطلب العصمة من الله. يُحث على عدم السماح للشيطان بإفساد العبادات والاستمرار فيها حتى تزول الوسوسة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، أخذنا فيما مضى من الكلام على العارض الأول، وهو الشيطان الذي يعترض ابن آدم في طريقه إلى الله، وفي إقباله على الله عز وجل. وذكرنا أشياء مما ينبغي أن يعرفه المسلم عن هذا الشيطان، ومن ذلك أيضا أهدافه. ذكرنا أن له هدفا عاما، وهو إدخال الناس إلى نار جهنم، والعياذ بالله. وهناك أيضا ذكرنا أهدافا له قريبة أو أهدافا خاصة ذكرت في الكتاب والسنة، منها إيقاع الناس في الشرك وعبادة غير الله جل وعلا. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن تعبدوني هذا صراط مستقيم﴾. فمن عبد غير الله فقد عبد الشيطان، من عبد غير الله فقد عبد الشيطان. لهذا قال الله عز وجل على لسان نبي إبراهيم، نبي الله إبراهيم، قال لما كان يخاطب أباه: «يا أبتي لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا». فهو يعبد الأصنام، لكن قال له إبراهيم: لا تعبد الشيطان. فالذي يعبد الحجر والشجر ويعبد الميت وغيره فهو يعبد الشيطان، فكل ما عبد من دون الله عز وجل فهو الشيطان، لأن العامر بالعبادة هو الشيطان، العامر بعبادة غير الله هو الشيطان أيضا. كذلك من أهدافه أنه يوقع الناس في المعاصي والكبائر وغيرها. وقد ذكرنا ذلك، وقد قال الله عز وجل: ﴿إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾. جماعة الشرق كله يأمر به الشيطان، ﴿إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾. وقال في آية المائدة: ﴿ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة﴾. فهو أيضا من أهدافه أنه يصد عن طاعة الله جل وعلا، يصد الناس عن الطاعة. فإن لم يستطع أن يجعلهم في المعاصي يصدهم عن طاعات، يصدهم عن الطاعات. وكذلك أيضا إن لم يستطع ذلك، معناه يحاول في الإنسان، إن لم يستطع أن يصده عن طاعة الله عز وجل ويلقيه في المهالك والمعاصي، يحاول أن يفسد عليه الطاعات، يفسد عليه الطاعات. أنه يوسوس له في الطاعة، وكذا. وأعظم شيء وأعظم عبادة وطاعة هي الصلاة، التي هي صلة بين العبد وربه. ولهذا الشيطان حريص على أن يصرف الناس عن الصلاة، ﴿ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة﴾. فإن لم يستطع فإنه يفسد على الإنسان عبادته، يحاول أن يفسد على الإنسان صلاته. ولهذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في صحيح مسلم في حديث يزيد بن عبد الله بن الشخير أن عثمان بن أبي العاص الثقفي رضي الله تعالى عنه حدثه، أنه جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «يا رسول الله، إن الشيطان حال بيني وبين صلاة، يلبسها علي، إن الشيطان حال بيني وبين صلاة يلبسها علي»، أن يشككه في الصلاة ويوسوس له في الصلاة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ذاك شيطان يقال له خنزب»، معنى المشهور في قراءة هذه الكلمة بكسر الخاء وسكون النون وفتح الزاي، وقيل أنها بفتح خنزب، لكن المشهور بكسرها. فقال عليه الصلاة والسلام: «ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فاتفل عن يسارك ثلاثا واستعذ بالله منه». قال عثمان: ففعلت ذلك، فأذهب الله عز وجل عني ما أجد. انظر إلى هذا الحديث يبين أن الشيطان يوسوس للإنسان في صلاته، يأتيه في الصلاة. جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط، أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع النداء». حتى لا يسمع النداء، يجعل هذا الصوت. قال: «فإذا سكت أتى، فإذا أقيمت الصلاة هرب، فإذا أقيمت الصلاة جاء ووسوس للإنسان»، أي هذا المصلي، ويقول له: «أذكر كذا أذكر كذا»، يذكره أشياء لم يذكرها، ولغوا. ولهذا تجد الآن الإنسان تجده يغفل عن أشياء ما يذكرها إلا في الصلاة، يذكرها في الصلاة لأن الشيطان يذكره: «أذكر كذا أذكر كذا»، حتى يلهيه عن الطاعة وحتى يشغله عن هذه الصلاة، لا يجد لذتها ولا يجد أيضا خشوعها، ولا يجد أيضا هذه الطاعة تكون طاعة معنى، أو هذه الصلاة ما يتحصل فيها على أجر إلا يسيرا. كما جاء في حديث ابن حبان، أقصد الذي أخرجه ابن حبان، حديث أبي هريرة وغيره، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الرجل ليصلي وليس له من صلاته إلا نصفها أو ثلثها أو ربعها أو خمسها أو سدسها»، إلى أن قال: «أو عشرها»، لا يتحصل شيء يسير من هذه الصلاة، يأتيه الشيطان ويوسوس له ويخرجه عن الصلاة. ولهذا لا يتحصل العبد على أجر صلاته إلا ما عقل منها، كما قال الإمام الشوكاني رحمه الله: «أجمع العلماء على أنه ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل»، أنه ليس للمرء أي ما يتحصل على أجر من صلاته إلا ما عقل هذه الصلاة، ما معنى كان يذكر ما يفعل، يذكر ما معنى يخشع في صلاته، أو أنه ذاكرا لصلاته. وأما من هام عن الصلاة، ما يدري هل هو في صلاة أو لا، فهذا لا يتحصل على أجر، ما هام فيه. فلهذا فليس له من صلاته إلا ما عقل. فلهذا الشيطان يأتي ويفسد ويفسد عبادة المرء خاصة، كما قلنا الصلاة أيضا، صيام، يوسوس له وفي الحج وفي غيرها، حتى يفسد عليه هذه العبادات أيضا. ومن إفساده للصلاة أن يفسد صلاته ويقطعها عليه، كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في الصحيحين، أن فتنة وأن شابا من بني مروان أراد أن يمر في المسجد، فمر بين يدي أبي سعيد الخدري وهو يصلي، فدفعه، فنظر الشاب يمينا ويسارا فلم يجد مكانا إلا هذا المكان، وكان ذلك في المسجد النبوي، فأراد أن يمر فدفعه، أي أبو سعيد فدفعه أشد، ثم أراد أن يمر فدفعه دفعة شديدة. فذهب هذا الشاب إلى مروان وأخبره بذلك، فاستدعى مروان - وكان في ذلك الوقت أمير المدينة من قبل معاوية - فقال: «يا أبا سعيد، ما لك ولابن أخيك؟» فقال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا صلى أحدكم فأراد أحد أن يمر بين يديه فليدفعه، ثم إن أراد أن يمر فليدفعه، فإن أراد أن يمر فليقاتله، فإنما هو شيطان، فإنما هو شيطان». وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا صلى أحدكم فليتخذ بين يديه مثل مؤخرة الرحل، لئلا يقطع الشيطان عليه صلاته»، لأن لا يقطع الشيطان عليه صلاته. أو قال - أقصد في حديث أبي حازم رضي الله عنه -: «إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها، إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها، لئلا يقطع الشيطان عليه صلاته». فهذا الذي يدفع الإنسان، إما أنه - كما قال العلماء - إما أنه هذا الذي يدفعه إلى ما بين صلاة المصلي وما بين السترة، أو أن يمر بين يديه. يدفعه الشيطان بذلك، تجد أنه ما يريد أن يمر إلا في هذا المكان، ممكن أنه يمر في مكان آخر بسهولة، لكن ما يريد إلا أن يمر في هذا المكان. فلهذا قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: «فليقاتله»، معنى فليقاتله أي يضربه بشدة، فإنما ذلك شيطان، فيريد أن يقطع على الإنسان صلاته، يقطعها. معنى ما أنه يجعله يفكر في هذا الذي مر وكذا من هذا. والنبي عليه الصلاة والسلام قال - كما في حديث أبي سعيد -: «إذا صلى أحدكم وكان بين يديه مثل مؤخرة الرحل فلا يدع أحدا يمر بين يديه». فلا يدع أحدا يمر بين يديه. فلهذا فهذا أيضا من قطع أو إفساد الشيطان على العبد صلاته. كذلك يأتي له في الوضوء، يوسوس له خاصة، هذا الوسواس الذي تعاني منه كثير من الناس، وخاصة أهل الطاعة والعبادة. تجد الشيطان إذا وجد الإنسان في طاعة وفي عبادة يأتي له من طريق الوسوسة، يقول له مثلا: هذه صلاتك ليست صحيحة، يقرأ الفاتحة مرة أخرى، يقرأ الفاتحة، يكبر عدة تكبيرات. عند الوضوء أيضا يأخذ فترة في مكان الوضوء، وهو يعيد أعضاء، وكلما غسل وجهه يقول: لعلي نسيت الوجه، فيغسل وجهه مرة أخرى. وهذا كله من الشيطان يلعب به. والواجب على المسلم أنه لا يجعل الشيطان يكيد عليه، فإذا حس بمثل هذه الأمور لا يبالي، ولا يرجع إلى الخلف، حتى ولو جاءه الشيطان وقال: صلاتك باطلة، ما في شيء، خلاص، تبطل مرة، مرتين، ولا ولا يجعلك هذا الشيطان بعد ذلك تترك الصلاة. فبعض الناس يستدرج، يستدرج مع الشيطان ويتبعه، فيقول له مثلا: أنت الآن ظاهر ما غسلت يدك، يغسل يده، لعل الرجل ما غسلها، وهكذا، يجلس في مكان الوضوء أكثر من خمس دقائق، بل عشر، بل بعضهم ساعة كاملة، بل بعضهم أكثر من هذا كله بسبب الوسواس. ثم إذا جاء إلى الصلاة أيضا حرب أخرى وصراع آخر. فلهذا من وجد مثل هذه الأشياء لا يرجع إلى الخلف، اعبد الله، لو جاءك الشيطان وقال: ما قرأت الفاتحة، لا تبالي، لو جاءك الشيطان وقال مثلا: ما ركعت، لا تبالي، اسجد وهكذا، حتى يذهب منك هذه الوسوسة، حتى تذهب منك هذه الوسوسة، لأنها من الشيطان. فلهذا كما قلنا الشيطان من أهدافه التي يسعى إليها هو إفساد العبادات وإفساد الطاعة على العبد. فنسأل الله عز وجل أن يجنبنا الشيطان الرجيم، ويعصمنا منه سبحانه وتعالى. والحمد لله.