المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 17

المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 17

الدرس في المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 17، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

فترة التيه وأحداثها في حياة موسى عليه السلام

يتحدث هذا الفصل عن الأحداث التي وقعت في فترة التيه لبني إسرائيل، بما في ذلك استقرارهم في سيناء وحج موسى عليه السلام وموت هارون عليه السلام. كما يشرح تفاصيل مواجهة موسى لملك الموت وطلب موسى من الله أن يدفن قرب بيت المقدس.

يوشع بن نون وفتح بيت المقدس بعد موسى عليه السلام

بعد وفاة موسى عليه السلام، تولى يوشع بن نون القيادة وبدأ في تنفيذ مهمة فتح بيت المقدس، حيث واجه مقاومة من الكنعانيين واستطاع تحقيق النصر بعد معركة حاسمة يوم الجمعة. تمكن يوشع من إكمال المعركة بعد أن حُبسَت الشمس.

دخول بيت المقدس تحت قيادة يوشع بن نون ومخالفة بني إسرائيل لأمره

قاد يوشع بن نون بني إسرائيل في معركة ضد الكنعانيين واستطاعوا دخول بيت المقدس، لكن بعضهم خالف أمر يوشع بدخول الباب سجدًا وقول حطة، فعاقبهم الله بالطاعون أو القتل نتيجة لاستخفافهم بالأمر.

عهد القضاء وبني إسرائيل بعد يوشع بن نون

بعد وفاة يوشع بن نون، استمر بنو إسرائيل في عهد القضاء لمدة مئة سنة، حيث نشبت بينهم مشاكل وخلافات حول الحكم والملك، مما أدى إلى ضعفهم وتمكن الكنعانيون من استرجاع بيت المقدس وتهجير بني إسرائيل.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في أحداث أمس التي ذكرناها في حياة نبي الله موسى عليه السلام، ما كان من قضية دخول بني إسرائيل في التيه، وذلك حين امتنعوا عن دخول الشام، عن دخول بيت المقدس، عن دخول الأرض المباركة التي أمر الله أن يدخلوها، فكانت العقوبة أن الله حرمها عليهم، ثم دخلوا في التيه، فتاهوا أربعين سنة، ما استطاعوا أن يخرجوا من صحراء سيناء. وكان في تواجدهم في هذه البقعة، وفي هذه الفترة، حصلت بعض الأمور، ومن ذلك ما كان من استقرارهم في هذه الأراضي، فاستغلت حقول ومزارع وبساتين، يزرعون فيها البصل والعدس والثوم، فاستقروا في هذه الأرض. ومن ذلك أيضًا ما كان من أحداث التيه، فبرأه الله مما قالوا، وكان عند الله وجيهًا. وهكذا ما كان من رحلة موسى عليه السلام إلى الخضر في القصة الشهيرة، وهكذا ما كان من قتيل بني إسرائيل التي حصلت في هذه الفترة، في مسألة في فترة التيه. وأيضًا مما يذكر ويضاف من الأحداث والحوادث التي وقعت في فترة التيه، ما كان من حج موسى عليه السلام. قد أشرنا في مرحلة التيه أن التيه قد ضرب على بني إسرائيل، إلا أن موسى كان بإمكانه أن يدخل وأن يخرج، فكان من خروجه من سيناء أن توجه إلى جهة مكة، أن توجه إلى جهة مكة، وهناك حج. ويؤيد هذا المعنى ما جاء من قوله عليه الصلاة والسلام حينما كان بين مكة والمدينة، فسأل عن هذا الوادي أي وادي هذا؟ فقالوا: إنه الوادي الأزرق. قال: كأني أنظر إلى موسى عليه السلام وهو يلبي. ويكأني أنظر إلى موسى عليه السلام وهو يلبي. فمكن الله عز وجل موسى من الذهاب إلى حرم الله لكي يؤدي الحجة. وكذلك مما يذكر من الحوادث التي وقعت في فترة التيه، ما كان من موت هارون عليه السلام. فقد كان ذلك في هذه الفترة، ولهذا قال ابن كثير رحمه الله تعالى، كما في البداية والنهاية: قال رحمه الله تعالى، والذي عليه الجمهور أن هارون توفي بالتيه، توفي بالتيه، أي في فترة التيه. أين كانت؟ في سيناء، في صحراء سيناء. قال: والذي عليه الجمهور أن هارون توفي بالتيه قبل موسى بنحو من سنتين. فهذا الذي عليه أكثر العلماء من المؤرخين. طبعًا يتداول بعضهم قصة حول كيفية قبض روح هارون عليه السلام، ولسنا نحن بصددها؛ لأنها تحتاج إلى نظر، وفيها الكثير من المبالغات، فالله أعلم. كذلك من الحوادث المهمة، ولعل من أعظمها أن رجلا أتى إلى موسى عليه السلام، فسلم عليه، ورحب به موسى، فسأله موسى: من أنت؟ أو من الذي جاء بك؟ فقال معرفًا عن نفسه: أنا ملك الموت. قال: من الذي جاء بك؟ قال: جئت لقبض روحك. حينها ما كان من موسى عليه السلام إلا أن سك ملك الموت سكة شديدة، حتى أنه أخرج عينه من قوة الصكة. حينها رجع ملك الموت من حيث رجع إلى الله جل وعلا. لماذا فعل موسى هذا؟ طبعًا موسى عليه السلام إنما ضرب ملك الموت عندما كان بصورة البشر، لم يكن ملكًا، إنما بصورة بشر، فلطم هذه الصورة الآدمية التي أمامه. وأما سبب غضبه، موسى عليه السلام؛ لأن موسى في هذه المرحلة، وقد ذكرنا أن موسى قد وصل إلى مرحلة من التعب، وهو الآن في فترة التيه، ينتظر أن تمر المدة، فيأتي بهؤلاء، بشعبه من بني إسرائيل، ويحقق فيهم مراد الله. ما مراد الله الذي وعد الله به موسى؟ أن الله عز وجل سيمكن لهم الأرض المباركة، سيمكن لهم بيت المقدس، أن الله عز وجل سيجعل لهم الغلبة، سيجعل الله عز وجل فيهم الأنبياء، سيجعلهم الله ملوكًا في الأرض، سيخلفهم الله من بعد الاستضعاف القوة والتمكين. موسى يتطلع لهذه الأشياء، من سيقود الأمة إلا هو؟ ويرى هذا، فلما يأتيه ملك الموت الآن، ستموت، كف وإيش هؤلاء؟ فرد فعل شديد من موسى، يعني كما يقال: هذه الأحلام التي ينتظرها موسى بفارغ الصبر تبددت أمامه. فما كان من غضبه إلا أن لطم ملك الموت هذه اللطمة. ملك الموت رجع إلى الله، قال: يا رب، إنك أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت. فأمر الله جل وعلا ملك الموت أن يرجع إلى موسى، وأن يسأله: الحياة تريد؟ لأن كما قلنا من سنة الله في الأنبياء أنه عند قبض الأرواح يخيرون بين الحياة والموت، يخير أي نبي. فالله عز وجل قال للملك الموت: ارجع وقل له: الحياة تريد؟ فضع يدك على متن ثور، فإن لك في كل شعر سنة. فرجع ملك الموت بهذا إلى موسى، وأخبره بخبر الله عز وجل: أن الله يقول: إن أردت الحياة فخذ ما شئت من الحياة، ضع يدك على متن ثور، فلك في كل شعر سنة. فرجع ملك الموت بهذا إلى موسى، وأخبره بخبر الله عز وجل. ثم قال موسى: وماذا بعد ذلك؟ قال: بعد ذلك سأتيك الموت. فقال موسى: الآن إذا كان هذا ما له فرار، الآن اقبض روحي. لكن موسى عليه السلام طلب طلبًا، طلب أمرًا من الله، وكان موسى عند الله وجيهًا. ما الذي طلب موسى من ربه؟ طلبه أن يقربه من بيت المقدس رمية حجر، يعني مقدار ما يرمي حجر، هذه المسافة، يعني لو أننا نرجع عند بيت المقدس، ثم رمى حجر، مسافة رمي الحجر، هذا المكان أريد أن أكون فيه، أدفن فيه، إن كان ولابد من موت ودفن. فاستجاب الله جل وعلا لطلب موسى أن يكون هذا محل دفنه بالقرب من بيت المقدس. ثم قام موسى عليه السلام، واستدعى يوشع بن نون، وأوصاه خيرًا ببني إسرائيل، قد حانت منيته، وقد أديت الذي علي، الباقي عليه، فأخبره وأوصاه، وعهد إليه بما ينبغي أن يقوم به مع بني إسرائيل. وأعطاه العصى، عصى موسى، أعطاها ليوشع بن نون. ثم جاءت الملائكة؛ لأن كيف سينتقل؟ عن طريق الملائكة، أخذت الملائكة موسى عليه السلام إلى أين؟ إلى قرب بيت المقدس. فلما كان هنالك، قبضت روحه، ودفنته الملائكة في هذا المقام. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام، وهو يتحدث عن هذه الحادثة: لو كنت ثم لأريتكم قبر موسى عند الكثيب الأحمر. فدفنه. وقد جاء مثل هذا أيضًا في حديث الإسراء: أن موسى كان هناك، بالقرب من بيت المقدس. إذن بهذا قبض موسى عليه السلام، انتقل الأمر إلى من؟ إلى يوشع بن نون عليه السلام، والذي أصبح نبيًا على بني إسرائيل. يوشع بن نون من أعماله الذي قام بها، أول ما قام به أن أتى بعصى موسى، فأين وضعها؟ دعا بتابوت، أتى بتابوت، وضع فيه عصى موسى، دعا بالألواح الأصلية، الألواح الأصلية الذي أخذها موسى من ربه، والذي كتبها الله بيده سبحانه؛ لأن هناك التوراة قد نسخت في أيديهم. أتى بالنسخة الأصلية من التوراة، فجعلها في التابوت. وهكذا جاء بعض الأبقايا من المن والسلوى، وحفظه كله في هذا التابوت. هذا التابوت يعد التابوت، رغم كم كان متابعًا معنا، فيك تابوت قد مر معنا، أو ما يشبه التابوت، التابوت الذي كان فيه جثة يوسف عليه السلام. أصبح يوشع بن نون هو النبي، ثم تأتي المرحلة الفاصلة، وهي بعد مرور مرحلة التيه، مرت أربعون سنة، بعد مرور تيه، إذن سيخرج سيخرج بني إسرائيل من الصحراء سيناء، سيخرجون؛ لأن الله حرمها فقط أربعين سنة يتيهون، بعد هذا الأمر كانت القيادة والريادة والسيادة لنبي الله يوشع عليه السلام. فكان يوشع أول نبي لبني إسرائيل بعد موسى، أول نبي عليه السلام. ثم تتابع الأنبياء تتابع الأنبياء في بني إسرائيل، ما ينقطعون، ما ينقطعون. وهذا وعد الله جل وعلا: وجعل فيكم أنبياء، فيكم أنبياء ما ينقطع. وقد جاء ذلك مصرحًا، قال عليه الصلاة والسلام: إن بني إسرائيل كانت تسوسهم أنبياؤهم، كلما مات نبي خلفه نبي، ما ينقطع. بل كان لربما في الزمن الواحد كان النبي وعنده نبي ونبي آخر، يعني ما ينتظر أن يأتي بنبي، لا، النبي قد وجدوا، وجدوا، لربما في الزمن الواحد أكثر من نبي. أو إذا مات مباشرة النبي ويخلفه، فاستمر الأمر على هذا. وأما الكتاب الذي يسار عليه، فالكلمة متفقة على التوراة، الكتاب المقدس، العمل عليه سارت على هذه، على هذه الشريعة العظيمة، شريعة التوراة. أمم وأجيال من بعد موسى، كلما تأتي أم، كلما يأتي نبي معه التوراة. وجاء عيسى، وكما قلنا: مجيء عيسى لن ينسخ التوراة، بل يستمر العمل عليها؛ لأنه فيه أحكام وشرائع، وإنما كان فيه بعض التعديلات. حتى في زمن رسول الله عليه الصلاة والسلام، لا زال الناس في تلك الأزمان يعملون بالتوراة. قال الله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ ما كان إلا موسى وكتابه المقدس التوراة. حتى في زمن رسول الله، وكانت هذه الأمم ما تعرف إلا التوراة، فكانت الشريعة التوراتية هي الشريعة التي كانت سائدة، وهي المعمول بها بين الأمم، بين الإنس وبين الجن، لعظيم ما قد مر ذلك معنا، ما يتعلق بعظمة هذا الكتاب المقدس التوراة. لكن جاء ما هو أعظم منه القرآن، ما هو أعظم منه وهو القرآن. هنا عندما انتهت فترة التيه، ورفع الحصر والحصار عن بني إسرائيل، أين الوجهة؟ الوجهة الآن التوجه إلى بيت المقدس. قد رأيتم يا بني إسرائيل من الذي صار عندما اعتردتم أيام موسى: ادخلوا ادخلوا الباب، ادخلوا، امتنعتم، صار الذي صار. الآن الكرة في ملعبكم، سندخل إلى بيت المقدس الآن، تغيرت الأحوال، الأحوال تغيرت جدًا. ما الذي تغير؟ تغير هذا الجيل الذي ولد في سيناء، ما كان هناك أفكار دخيلة، ما كان هناك شىء، وإنما كان الذي الآمر والناهي موسى عليه السلام، هارون عليه السلام، يوشع بن نون، هم الذين كان يربون بأيديهم هذا الشعب. ولهذا أنجز هذا أشياء كثيرة، فخرج مع يوشع بن نون أناس على مستوى راق من الإيمان والتوحيد والعقيدة والصلاح والصفاء وقوة الاعتقاد، كانوا على خير حال، تربوا على أيدي الأنبياء والرسل، بخلاف غيرهم، بخلاف غيرهم من كانوا من الأوائل. فحين أمر يوشع بن نون عليه السلام من معه من بني إسرائيل التوجه إلى بيت المقدس، وهناك بدأوا، وكما قلنا: وقد أصبح بيت المقدس تحت أيدي الكنعانيين الأشاوس، فبدأت المقاتلة، وبدأت الحروب، وبدأت المعارك بين يوشع بن نون عليه السلام مع بني إسرائيل مع أولئك الذين أخذوا بيت المقدس. ولا زال القتال والقتال مستمر على قدم وساق، حتى جاءت المعركة الحاسمة والمعركة التي كان بها النصر والظفر، وهي متى كانت؟ يوم الجمعة، كانت هذه الغزوة المعركة يوم الجمعة. ما الذي صار في يوم الجمعة؟ يوشع بن نون عليه السلام، والحديث في البخاري ومسلم: يوشع بن نون عليه السلام عندما كان يقاتل الكنعانيين، أوشكت الشمس أن تغرب، أن تغرب، وغروبها سيكون يوم الجمعة. قد يقول قائل: وما الذي يضر؟ لا يضرهم. ما الذي يضرهم؟ يضرهم أن في التوراة، وهذا هو حكم الله للبني إسرائيل في التوراة، عندهم: إذا غربت شمس الجمعة، فإن هذا الشعب ينقطع، ويقف، لا عمل، لا قتال، لا شيء، وإنما يتفرغون للعبادة إلى متى؟ الآن تخيل مثلًا الآن اليوم الجمعة، غربت الشمس، هؤلاء يقفون عن الأعمال والأشغال وكل شيء، ينقطعون للعبادة والتعبد، قراءة وتلاوة وذكر وصلاة إلى أن تغرب شمس يوم السبت. يعني يصبحون يوم السبت وهم ماذا؟ يتفرغون للعبادة. ولازال هذا معمولًا، تعرفون: نحن نقول يوم السبت إجازة عند اليهود، والأحد إجازة عند من؟ عند النصارى، والمسلمون يوم الجمعة، يوم الجمعة هذا لأهل الإسلام، لا أقول إجازة، لكن يوم المقدس، اليوم المعظم، عيدنا أهل الإسلام يوم الجمعة. وعند اليهود السبت، فكان يوشع بن نون يعلم بهذا، فكان يخشى أن الشمس إن غربت هذا اليوم يوم الجمعة، سيضعون السلاح، وإذا وضعوا السلاح، حين لن يرحموا، لن يرحموا، سيقتلون على يد الكنعانيين. فماذا فعل يوشع عليه السلام؟ نظر إلى الشمس، وقال: يا أيتها الشمس، إنك مأمورة، وأنا مأمور، إنك مأمورة أي الأمر الكوني بأنك تسير في فلاكك. إنك مأمورة، وأنا كذلك مأمور، لكن الأمر الشرعي، أمرني الله بقتل الكفار، وأن أدخل إلى بيت المقدس. قال: أيتها الشمس، إنك مأمورة، وأنا مأمور، اللهم حبسها علينا. فقال عليه الصلاة والسلام: فحبست الشمس. اختلف العلماء في تحبيس الشمس ليوشع بن نون على ثلاثة أقوال. قيل: أن حبس الشمس بمعنى أنها توقفت جامدة في مكانها. القول الثاني: حبست الشمس أنها رجعت الوراء، رجعت وراء، رجعت الخلف. القول الثالث: أنها مشت لكن ببطء، ببطء شديد، بدل ما يستغرق الوقت من العصر إلى الغروب ثلاث ساعات، أصبحت قل أضعاف أضعاف هذا العدد، هذا العدد من الساعات. وهذا الأخير الذي رجحه جماعة من الحفاظ، كالحافظ بن حجر رحمه الله: أن الشمس مشت لكن تمشي ببطء. وهذه الظاهرة أن الشمس حبست ليوشع بن نون، هذه كرامة وآية عظيمة؛ لأنها ما وقعت لأحد قط إلا ليوشع، ما وقعت لأحد أن تقف الشمس لأجله إلا ليوشع. وفي ذلك إشارة إلى عظيم منزلته، فكان من عباد الله من الأنبياء الأتقياء الأصفياء لله جل في علاه. هذا هو يوشع بن نون. فقال: اللهم حبسها علينا، فحبست، ثم واصل القتال، واصل القتال حتى هزموهم، هزموا الكنعانيين، واستطاعوا أن يدخلوا إلى بيت المقدس. طبعًا القصة لها يعني شان، أنه بعد ذلك لما دخل يوشع عليه السلام إلى البيت المقدس، أخرج الناس الغنائم، وكان من طبيعة الغنائم أن الله عز وجل إذا رضي عنهم، فإن صاعقة من السماء تنزل، فتأكل الغنيمة، وأكل الغنيمة إشارة إلى أن الله قد قبلها. إلا أن ذلك من اليوم عندما جمعت الغنائم في صعيد، لم تأتي النار، فعلم يوشع أن في الأمر شيء، فأوحى الله إليه: أن في قومك غلولًا، أن في قومك غلولًا، أن هناك من أخذ من الغنيمة. ويتراجع القصة هذه في الصحيحين، لتعرفون مفادها. لكن يهمنا في هذا المقام إخواني في الله: أن الله عز وجل أقر يوشع بن نون ومن معه من بني إسرائيل بالنصر والظفر على الكنعانيين، فهزموهم، ودخلوا إلى بيت المقدس. ورجعة الأمور، وكان هذا تحقيق لوعد الله جل وعلا: أن الله قد وعدهم فلو فعلوا هذا في المرة الأولى في زمن موسى لكان ذلك. لكن العناد الذي أصاب الآباء والأجداد، بخلاف هذا الجيل الذي نهض مع نبيه، فقاتلوا، وقاتلوا حتى فتح الله عز وجل البيت المقدس أمامهم. لما فتح بيت المقدس، أمرهم نبيهم يوشع بن نون بإظهار الحمد والشكر والامتنان لله جل في علا الذي يسر لهم هذا الأمر. فماذا أمرهم؟ أمرهم نبيهم، قال سبحانه وتعالى: ﴿أُدْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ أمرهم يوشع عليه السلام أنكم أدخلوا القرية، وعلى مذهب أكثر العلماء: على أنه بيت المقدس، على هذا تفهم الآية، هو بيت المقدس، المقصود. قالوا: بالأبواب؛ لأن كما قلنا: كان بيت عبارة عن حصون، هذا الباب أدخلوا، فعند دخولكم إلى هذا الباب، أدخلوا على هذه الصورة: أن تدخلوا سجدًا. أدخلوا، والمقصود والمقصود بالسجود ها هنا ليس بوضع الجبهة على الأرض، لا، وإنما السجود هنا بمعنى الانحناء، الانحناء قد يصل إلى حد الركوع أو أرفع. فالانحناء يعد سجودًا، كما قال العلماء: فلا يُعقل أن السجود أنهم سجدوا بجباههم على الأرض، هم يمشون، هذا لا يمكن، ولا قال أحد بهذا. وإنما السجود هاهنا هو الانحناء، أي اخضعوا برؤوسكم ورقابكم لمن لله؛ لأن هذا هو فضل من الله، وهذا من الذي فعله نبينا صلى الله عليه وسلم عندما من الله عليه بفتح مكة بعد سنوات وحروب سجال بينه وبين كفار قريش حتى فتح الله على يديه مكة. فدخلها نبينا وهو متأطئ برأسه، حتى أن لحيته كانت تصل إلى رحله، لماذا؟ من شدة تواضعه لله، ما هناك كبر ولا فخر ولا خيلاء، بل التواضع لله. فأمر يوشع بن نون قومه إذا دخلوا يفعلون هذا سجدًا، وقولوا: حطة، حطة بمعنى حط عنا من خطايانا، الحط الحط بمعنى الإزالة، وهي بمعنى المغفرة، أي اغفر لنا، حط عنا من أوزارنا، اغفر لنا يا ربنا. فأنتم تدخلون على هاتين الصفتين، صفة فعلية وهي الانحناء، مع صفة قولية وهي الدعاء والتبتل والتضرع لله. أمرهم نبيهم بهذا، كل ذلك في إظهار الشكر لله عز وجل. لكن ما الذي حصل؟ قال ربنا: فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم. أصبح هنا مشاكسة، المشاكسة في الأمر القولي، والأمر الفعلي. أمرهم نبيهم بأن يدخلوا سجدًا، فماذا دخلوا؟ قال جماعة من العلماء: أنهم دخلوا بظهورهم. بل أن يدخلوا هكذا بوجوههم لعاندوا ورجعوا هكذا، كما يقال: رؤوس، يعني جعلوا ظهورًا، ودخلوا بيت المقدس. لكن في رواية أصح، ويحسنها جماعة من أهل العلم: أنهم دخلوا يزحفون، ماذا؟ على أدبارهم، جلسوا في الأرض، ويمشون يمشون ماذا؟ وهم جلوس بآساتهم على أدبارهم، كمة في العناد، هذا مقابل تقول: سجود سجدًا، لا، سنَدخل بأدبارنا، جلسوا وأخذوا يزحفون زحفًا بآساتهم حتى يصلوا إلى الباب. هذا الفعل يقابله فعل، والقول يقابله قول. نقول: حطة، نعم، ذهب جماعة من العلماء: ويكأن الله تعبدهم باللفظة، قولوا: حطة؛ لأن الحطة بمعنى المغفرة، مغفرة يا رب، مغفرة يا رب، مغفرة يا رب، يقول هذا الكلام: حطة يا رب، حطة، حطة، يعني حط عنا معروف العبارة عندهم معروفة، أي حطة عننا، حطة أوزار عننا. فماذا؟ هذه اللفظة غيروها، فماذا قالوا؟ بل ما يقول حطة، قالوا: حب في حمطة، بعد الحطة حب في حمطة. طبعًا هذا الاستخفاف قد بلغ مبلغًا لا يسكت عنه، حتى أن جماعة من المؤرخين كان يخرج أن هؤلاء لا يمكن يصدر منهم الفعل، وهم قد تربوا على أيدي الأنبياء. ولهذا بعضهم يرى أن هؤلاء إنما ممن لحق بهم من بقايا أهل مصر، ممن لحق بهم من بقايا أهل مصر، فالله أعلم. أو أنهم من أهل الشقاء، ما من مجتمع إلا وفيه الأراذل وفيه أهل الفجور والمجون وأهل النفاق والعناد، لا يخل المجتمع، فهؤلاء فعلوا هذه الفعلة. فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم، فأنزلنا على الذين ظلموا رجزًا من السماء، هنا العقوبة، نزلت، لكن هنا العقوبة أنزلها الله في حق من؟ في حق الظلمة فقط، بخلاف ما وقع في مسألة التيه، في مسألة التيه لما قيل لهم: أدخلوا الأرض المقدسة، امتنعوا، طبعًا لم يمتنع الجميع، الأكثر نعم، الأكثر امتنع، لكن العقوبة شملت الجميع. فدخلوا في التيه جميعًا، كلهم دخلوا، لكن في هذه المسألة لا، ما عاقب الله الجميع، وإنما كانت العقوبة تنزلت فقط على الذي بدل ما عقوبته، فأنزل الله عليهم رجزًا من السماء، الرجز بمعنى القتل، أماتهم الله، حصدهم الموت حصدًا لهذا الاستخفاف والجرىء على الله، مقابل أنعم الله عليكم بالنعم والشكر يقابل بهذا. ورأى جماعة من العلماء أن صورة الرجز القتل الذي أصيبوا به عن طريق مرض الطاعون، أصيبوا بالطاعون، فماتوا، الواحد تلو الآخر، فقط الذين فعلوا هذه الفعلة. وأما البقية، وهم الأكثر، ما فعلوها، فما عاقبهم ربنا عز وجل. إذن هذه المرحلة إخواني في الله، دخل يوشع بن نون عليه السلام إلى أرض فلسطين، واستقر، واستقر الأمر بهم. وكان يوشع بن نون كما ذكرنا: أول نبي حكم بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام. فبدأ يوشع بن نون بأول أموره، ما الذي فعل؟ دخلوا أرض جديدة، أصبح يقسم الأراضي، يقسم الأراضي على هذه الأمم والشعوب والأسباط. يا بني يوسف أين أنتم؟ هذه أرضكم، تحب لكم، حدد هذه أرضكم. وأين بنيامين؟ أين ذرية بنيامين؟ قالوا: نعم، تجمعوا، هذه أراضيكم، خذوها. يعطيه مساحات، يعطيه مساحات، كل مساحة يأخذها، هذه أمم من أمم تشتغل فيها، كانت بلاد رغب، بلاد مباركة، الأرض المقدسة، بلد مبارك، فيه العيش الهنيء الرغيد. ومع هذا الأمر، مع توزيع الأراضي على هذه الأمم، كان يوشع بن نون عليه السلام يجعل لكل قبيلة وعشيرة ماذا؟ يجعل عليهم عالما من علماء بني إسرائيل. مثلًا عطى بن يوسف أرض كبيرة، هم والذرية والأحفاد، قد يصل إلى مئات الألوف، عشرات الآلاف، ويجعل عليهم يأتي بعالم من علماء بني إسرائيل، ممن عنده علم التوراة. يقول: وأنتم يا بني يوسف، هذا سيكون عندكم القاضي، عندكم المفتي، عندكم العالم، هو المرجع، هو المرجع، خذوا. ويا أهل بنيامين أين أنتم؟ قال: وأبحث عن ممن يعلمهم من علماء بني إسرائيل، أنت تذهب إلى هؤلاء، خذوا، فلان معكم، هذا هو القاضي، هذا هو المرجع. وهكذا لكل أمة يجعل لها قاضيًا، هذه الفترة عرفت فيما بعد، ولا زالت تذكر في كتب التاريخ عند بني إسرائيل بعهد القضاء، بعهد القضاء، لم يكن هناك ملك، ما كان هناك حاكم يحكم، وإنما مرجع مرجع ديني لكل أمة من الأمم. مات يوشع بن نون عليه السلام، مات يوشع بن نون، وبنوا إسرائيل على هذه الحالة، أمم، وكل أمة عندها عالم مرجع يرجع إليهم. هذه الحقبة الزمنية، وهي حقبة ما يسمى بعهد القضاء، كم استمرت؟ استمرت مئة سنة بعد يوشع بن نون عليه السلام، بعد موته استمرت مئة سنة. وبنوا إسرائيل على هذا، ليس عندهم حاكم، ما هناك ما يسمى بالسلطة السياسية، فقط سلطة دينية. اليهود الآن اليهود يعرفون هذا التاريخ، لكنهم يرون أن الفترة الزمنية لعهد القضاء استمرت ثلاثمائة سنة. اليهود يقولون: أن هذه الحقبة استمرت لأجدادنا مدة ثلاثمائة سنة، لكن هذا ليس بصحيح، والذي عليه أجمع علماء التاريخ من أهل الإسلام: أن هذه ما زادت عن مئة سنة، لم تزد عن مئة سنة. خلال هذه المدة مئة سنة، كان الاستقرار والدين كما قلنا: قوي، الدين قوي، الحفاظ على دينهم، صلاتهم، تعبدهم، إحدانيتهم لله. لكن جاءت مشكلة من وجه آخر، وهو الفراغ السياسي، هنا جاءت مطالبات، ما هي المطالبة؟ بالحكم والملك، تنازع بني إسرائيل في هذه الخصلة: من هو له الأولوية في أن يتولى زمام حكم بني إسرائيل؟ نهض بن يوسف، قال: نحن أولى بالحكم والملك. وقامت أسرة يهوذة، وقامت أسرة شمعون، وآل بن لاوي الذي كان أكبر حجة من قالوا: ماذا قالوا؟ موسى منا. لما كما قد أشرنا: أن في نسب موسى عليه السلام يعود إلى بن لاوي، فقام آل بن لاوي، وطالبوا أن يكون الملك والحاكم الفعلي لبني إسرائيل منا وإلينا. هنا دب النزاع، دب النزاع بين بني إسرائيل في هذه المسألة. وهنا بدأ بينهم شيء من الشقاق، فبينما هم كذلك ابتلاهم الله جل وعلا ببلية عظيمة، هي بلية، لكن بعد هذه البلية كان فيها نوع من الفرج والقوة لهم. مثل ماذا؟ مثل ما وقع في قضية التيه، قضية التيه، نعم، كانت كما يسمع العلماء: كانت محنة، لكن انقلبت بعد ذلك إلى منحة، دخلوا، وكانوا على سوء في دينهم، لكن خرجوا بماذا؟ بدين وعقيدة، تربوا. وهذه المحنة، وهذه المحنة الحادثة التي سأذكرها لكم، وقعت بلية شديدة على بني إسرائيل. ما الذي صار؟ الكنعانيون الذين أخرجوا على يد يوشع بن نون عليه السلام، أعادوا الكرة إلى ماذا؟ إلى أن يسترجعوا بيت المقدس، هذه المرة على يد ملك من ملوكهم، اسمه جالوت، اسمه جالوت. فجاء جالوت بجيشه وجنوده، وأراد أن يسترجع بيت المقدس، فوجد أن بني إسرائيل قد دب بينهم النزاع. فاستطاع أن يسلط أمة تلو أمة، حتى أسقط بيت المقدس كله. وكان من أثر ذلك أنه استولى على بيت المقدس، فقام بإجلاء، وإجلاء، وإخراج بني إسرائيل من أرض فلسطين. وهذا الذي يعبر عنه بالخروج الأول، هذا يعبر عنه بالخروج الأول، أجلاهم، ذهبوا إلى أين؟ اجتمعوا، ذكر العلماء: أنهم اجتمعوا إلى جهة الأردن، ذهبوا جنوبًا إلى جهة الأردن، تمركز هناك. لم يكتفي جالوت بهذا الذي فعل، استولى على ديارهم، أسار أبناءهم، أخذ الأبناء أسرى عنده، أجلا، وأخذ البيوت، وأسر الأبناء، ورابعًا: أخذ التابوت، وهو ما كان يعد الكيان المعظم عند بني إسرائيل، كما أشرنا: التابوت كان لهم مزية، فيه عصى موسى، فيه الألواح المقدسة. لكن قوة أجلاهم، فأصبح هؤلاء أصبح بني إسرائيل بلا مأوى. وحينها اجتمع الأعيان، اجتمع الوجهاء الكبرى من بني إسرائيل، وأرادوا حلًا لهذه المهزلة التي قد أصبحوا فيها بعد عز ومنعة. فاجتمعوا على أمر، وهذا الأمر قد ذكره ربنا عز وجل في القرآن. وما هي الآيات؟ في قوله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وهذا الزمن من بعد موسى، أي بعد موت موسى. ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى، إذ قالوا لنبي لهم: ابعث لنا ملكًا. من هذا النبي؟ في كتب أهل الكتاب عندهم قد سمي هذا النبي، واسمه شمويل أو شمويل، كما قلنا: العلماء يتساهلون في الألفاظ الأعجمية، طبعًا هذا ليس عندنا من المصادر الإسلامية، لكن موجود عندهم، ولا بأس في التعامل مع الإسرائيليات إذا كانت لا تخالف شيء من ديننا، فلا بأس أن نأخذ به. شمويل هذا كان هو النبي، وقاله مذكور في التوراة عندهم. اجتمع الملأ من بني إسرائيل، وأعيان، وطالبوا من هذا الطلب، ما طلبهم؟ نريد ملك، ما عندهم ملك، كما قلنا: كانوا عبارة عن عهد القضاء، اندثر بعد ما صار من جالوت. قالوا: نريد ملك، تتحد الكلمة عليه، وكما قلنا: هذه الفتنة جلبت عليهم خير، أن اتحدوا على أنه لابد من إيجاد ملك يحكمهم، يقاتلون تحت رايته. هذا النبي شمويل يعرف طبيعة قومه، فقال لهم: يعني يأمرهم بالصبر على ما هم عليه، فقال لهم: لو أنكم، قال: هل عسيتم أنتم يا من تطالبون بملك، حتى تقاتلون تحت رايته، هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا؟ قال: على نخشى هذا، تأتوا بالدعاوى الذي ما تستطيعون على القيام بها، ابقوا على هذا الحال، خلاص، استسلموا للأمر الواقع. قال: وما لنا أن لا نقاتل؟ كيف ما نقاتل؟ دواعي القتال موجودة الآن، وقد أخرجنا من ديارنا، وأبناؤنا قد أخذوا أسرى، وأخذت علينا الديار، وأخذ علينا الأبناء. قال: إذن إذا كنتم ولابد