الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 126، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش حكم صيام يوم السبت وتعظيم اليهود له، مع التركيز على حديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي ينهى عن صيام يوم السبت إلا فيما افترض عليكم. يُذكر أيضًا اضطراب في سند الحديث وإنكار بعض العلماء له.
يتناول اختلاف العلماء في حكم صيام يوم السبت منفردا واستدلال الإمام أحمد بجوازه، مع شرح تفسير الحديث النبوي 'لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم' وتوضيح ضعف الحديث وآراء العلماء حوله.
يشرح حكم صيام يوم السبت ويبين ضعف الحديث الوارد في النهي عن صيامه، مع توضيح آراء الفقهاء حول كراهة صيامه وحده وكيفية زوال الكراهة إذا كان الصوم فرضًا أو إذا ضُمَّ يوم السبت إلى غيره.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فإن شاء الله تعالى نقرأ في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم. وهذا الكتاب غالبه في الأعياد وصومها والعبادات فيها، وكذلك أيضًا عدم التشبه بأعداء الله عز وجل في الأعياد. قال رحمه الله تعالى: فصل، فأما صوم عيد أعياد الكفار مفردًا بالصوم كصوم يوم النيروز والمهرجان، وهما يومان يعظمهما الفرس، فقد اختلف [فيهما] لأجل أن المخالفة تحصل بالصوم أو بترك تخصيصه بعمل أصلا. هذا في الفصل، هذا يذكر شيخ الإسلام مشابهة الكفار في صيام وإفراد أيام العيد عندهم. هناك أعياد للكفار، سواء وأي كان الكفار هؤلاء، سواء كان اليهود أو النصارى أو الفرس أو غيرهم من الكفار، فقد تكون عندهم هناك أيام يصومون فيها، مثلًا بعض الذين مثل الفرس كانوا يصومون يوم النيروز والمهرجان. أنا عندهم يوم يسمى النيروز، ويوم يسمى المهرجان يحتفلون فيهما. والنصارى أيضًا كما تقدم، عندهم أيضًا أعياد يحتفلون فيها، ومنها رأس السنة كما يسمونه. فلهذا يذكر شيخ الإسلام هنا كلام العلم في مسألة صيام يوم متشبهًا بالكفار، هل له أن يصوم أو لا يصوم؟ قال: فنذكر صوم يوم السبت أولًا. أنا يوم السبت معلوم أن ممكن مثلًا يكون يوم السبت في هذه الأعياد، قد يكون يوم عرفة أو السبت هذا قد يكون ثاني أو أول أيام العيد، أو ثاني أيام أقصد ثاني أول أيام العشر أو ثاني أيام العشر. وكذلك السبت الآخر ممكن يكون يوم عرفة. فلهذا هل يصام يوم السبت؟ وتجد كثيرًا أن الناس يسألون عن هذا: هل صيام السبت يصام؟ معلوم أن السبت تعظمه اليهود. النبي عليه الصلاة والسلام قال: «نحن السابقون الأولون يوم القيامة» أو قال: «نحن الآخرون الأولون يوم القيامة». وجاء في الرواية: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة». عن كيف نحن الآخرون؟ أي من الأمم، آخر أمة من الأمم هي هذه الأمة، لكنها أول الأمم تدخل الجنة، أول الأمم تدخل الجنة هي هذه الأمة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة»، بيد أنهم -أي بيد أن الذين أوتوا الكتاب- «عرضت عليهم الجمعة، فاختارت اليهود السبت، واختارت النصارى الأحد، واختارت هذه الأمة -أو قال النبي عليه الصلاة والسلام- فهدى الله الذين آمنوا لمختلف فيه من الحق بإذنه». أي هدى الله عز وجل هذه الأمة الجمعة، فهم مقدمون عن اليهود والنصارى. وكذلك أيضًا يكونون يوم القيامة، فأول أمة تدخل الجنة هي هذه الأمة، ثم بعد ذلك تدخل الأمة -أي ممن أسلم منهم وممن وحد الله عز وجل منهم-. فاختارت اليهود السبت، اختارت النصارى الأحد، وهدى الله عز وجل هذه الأمة ليوم الجمعة، وهو أعظم الأيام، أعظم أيام الأسبوع هو يوم الجمعة، وهو عيد المسلمين. فإذا أراد الإنسان أن يصوم يوم السبت على أنه عيد من عيد اليهود، هنا أراد رحمه الله أن يتكلم في هذا. قال: وذلك أنه روى ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الله بن بسر السلمي -عن الصحابي عبد الله بن بسر السلمي-، والسلمي نسبة إلى بني سلمة، وهم قبائل من القبائل القريبة من المدينة. وعبد الله بن بسر عداده في أهل الشام. معنى عداده: معنى أنه عاش في الشام ومات فيها. ولما يقول علماء: عداده في مكة أو في المكيين أو في المدنيين، معنى أنه جلس في المدينة أو جلس في مكة أو جلس في هذه المنطقة التي يذكرونها. فالإنسان ينسب إلى تلك البلد التي جلس فيها. كان الناس قديمًا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وما قبله ينتسبون إلى القبائل، ما ينتسبون إلى البلدان، ما يقال: فلان المكي أو فلان المدني، لا ينتسبون إلى القبائل. هذا قرشي أيضًا، القرشي ينتسب، هذا هاشمي، هذا مخزومي، هذا أسدي، هذا هدلي، وغيرهم، كلهم من قريش. وكذلك أيضًا غيرها من القبائل. فتجد عندما نسبت الصحابة غالبًا ينتسبون إلى القبائل. فهذا عبد الله بن بسر سلمي؛ لأن قبيلته بنو سلمة، فنسب إلى إليها. ولما دخل الناس واختلطوا -معنى اختلطوا بالأمم الأخرى-، معنى: بعدما جاءت الفتوحات، وصارت المنطقة كلها تحت الإسلام، جاءوا ناس من الشام، وجاءوا ناس من العراق، وجاءوا ناس أيضًا من أبعد من هذه الأماكن، واختلطت أناس، وذهب أيضًا ناس من المدينة ومن مكة ومن غيرها إلى بلاد أخرى. فلما اختلط الناس، فتجد أن تعريفهم كان بالمنطقة التي هم فيها، فيقولون: فلان المكي، فلان المدني، فلان كذا. قال: عن عبد الله بن بسر السلمي عن أخته الصماء -أخت عبد الله بن بسر السلمي رضي الله تعالى عنه، أخته الصماء رضي الله تعالى عنها، صماء بنت بسر-، قال: عن أخته الصماء: «أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، وإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنب أو عود شجرة -وفي لفظ: إلا عود عنب أو لحاء شجرة- فليمضغه». قال: رواه أهل السنن الأربعة. معنى: الترمذي وأبي داود -معنى: موجود في سنن الترمذي، وفي سنن أبي داود، والنسائي وابن ماجه-. لكن هنا المعلق يقول: أنه لم يجده في سنن النسائي، فلعله في الكبرى، وهو موجود في السنن الكبرى. قال: رواه أهل السنن الأربعة، وقال الترمذي: حديث حسن. النسبة إذا قيل: رواه النسائي، فالنسبة إنما تكون إلى السنن الصغرى. أنا إذا قيل: رواه النسائي، فنسبته إلى السنن الصغرى. فإذا أراد أن ينسب الإنسان إلى السنن الكبرى، يقول: رواه النسائي في الكبرى. أما إذا قال: رواه النسائي وسكت، فمعنى ذلك أنه رواه في الصغرى. أن النسائي ألف كتاب السنن الكبرى، ثم أن أمير خراسان طلب منه أن يختصر له هذا الكتاب، فاختصر له هذا الكتاب في السنن الصغرى. وقيل: أن الذي اختصر السنن الصغرى هو ابن السني، وهذا كلام غير صحيح. هذا الكلام غير صحيح، بل أن سنن النسائي -أو الصغرى- هي للنسائي الذي سماها: «المجتبى»، السنن الصغرى تسمى: «المجتبى». قال: وقال الترمذي: حديث حسن. وقد رواه النسائي من وجوه أخرى عن خالد وعبد الله بن بسر، ورواه أيضًا عن الصماء عن عائشة -عن النسائي في السنن الكبرى-. ذكر الاضطراب في هذا الحديث، ذكر الاضطراب الذي حصل في هذا الحديث. فأحيانًا رواه خالد بن معدان عن عبد الله بن بسر، وأحيانًا يرويه عن الصماء، وأحيانًا عن عبد الله بن بسر عن الصماء، وأحيانًا عن خالد بن معدان عن الصماء عن عائشة. ففيه شيء من الاضطراب في هذا الحديث. والظاهر أنه من ثور بن يزيد أو من غيره. وأنكر كثير من العلم هذا الحديث كما سيأتي إن شاء الله تعالى. قال: قال: وقد رواه النسائي من وجوه أخرى عن خالد وعبد الله بن بسر، ورواه أيضًا عن الصماء عن عائشة. قال: وقد اختلف الأصحاب وسائر العلماء فيه. قال أبو بكر الأثرم: وسمعت أبا عبد الله يسأل. من هو أبو عبد الله؟ هذا من أبو عبد الله؟ ما لك؟ قال: إمام أحمد. الأثرم إذا سمعت الأثرم أو المروزي أو المرودي يقول: «قال أبو عبد الله»، فالمراد به الإمام أحمد. وخاصة شيخ الإسلام دائمًا يذكر أقوال أحمد في كتبه. قال: وقال أبو بكر الأثرم: وسمعت أبا عبد الله يسأل عن صيام يوم السبت يفرد به -يعني ينفرد به، يجعل صيام السبت فقط-، فقال: «أما صيام يوم السبت يتفرد به، فقد جاء في ذلك الحديث حديث الصماء» -يعني حديث ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الله بن بسر عن أخته الصماء عن النبي عليه الصلاة والسلام-: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم». قال أبو عبد الله: وكان يحيى بن سعيد يتقيه، وأبى أن يحدثني به. قال: وقد كان سمعه من ثور. قال: فسمعته من أبي عاصم -معنى: يقول لنا محمد: أن هذا الحديث لما سئل عنه، كان يحيى بن سعيد -شيخه- يتقيه، معنى: يتقي التحديث به، ما يحدث به. وقد سمعه من ثور بن يزيد هذا، لكن قال: فسمعته من أبي عاصم -أي الضحاك، الضحاك- بالملحم. قال الأثرم: وحجة عبد الله في الرخصة في صوم يوم السبت: أن الحديث كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بسر. الآن يقول: أن صيام يوم السبت، الإمام أحمد يقول: جائز أن ينفرد به. وحديث الصماء مخالف للأحاديث، وذكر الأثرم أي حديث هذه فيخالفها حديث الصماء. قال: منها حديث أم سلمة: «حين سئلت: أي الأيام كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أكثر صيامًا لها؟ قالت: السبت والأحد». قالت: السبت والأحد. وهذا الحديث إسناده لا بأس به، إسناده أحسن من إسناد حديث عبد الله بن بسر. ففيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم السبت مع الأحد. قالوا: ومنها: حديث جويرية. جويرية بنت الحارث المصطلقية، وهي من خزاعة، وهي من أبرك النساء -كما قالت عائشة رضي الله عنها- على قومها من أبرك النساء لقومها. وكانت في سهم -لما أغار النبي صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق- أغار -معنى: أنه فاجأهم- فاجأهم بجيش، فأغار عليهم. وبنو المصطلق: المصطلق: قبيلة من قبائل خزاعة، وكانوا في ماء يسمى المريسيع، ماء يسمى المريسيع. فتجمعوا في عند الماء ذلك، الماء تجمع هؤلاء بنو المصطلق؛ لأجل أن يدخلوا المدينة أو أن يقتلوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فسمع النبي عليه الصلاة والسلام باجتماعهم، فسمع النبي عليه الصلاة والسلام باجتماعهم، فغار عليهم -عن فاجأهم- قبل أن يفعلوا شيئًا، فسبى منهم أناسًا من النساء والولدان. وممن سباهم: جويرية بنت الحارث المصطلقية. وكان الحارث هذا هو سيد قومه، فصارت هذه جويرية لثابت بن قيس. صارت جويرية لثابت بن قيس، فجاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام. قالت عائشة: «فلما رأيتها خشيت أن يكون لها شأنًا لشدة جمالها وشدة فصاحتها في الكلام». فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت: «يا رسول الله، أنا ابنة سيد قومي الحارث من بني المصطلق، وإني سبيت، وأريدك أن تعينني على الفداء» -معنى: تريد النبي صلى الله عليه وسلم أن يعينها على الفداء-. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «أو أدلك على خير من ذلك؟ قالت: بلى، قال: أشتريك وأعتقك وأتزوجك، قالت: رضيت، قالت: رضيت». فرضيت، فاشتراها النبي صلى الله عليه وسلم من ثابت بن قيس، وأعتقها وتزوجها. فلما تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «من كان معه السبي من بني المصطلق أصحار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتركوهم -أو أعتقوهم- وتحرروا، وجعلوهم أحرارًا، فكانت بركة لقومها، وأسلم أكثر بني المصطلق». فهذه الجويرية. قال: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: لا، يوم الجمعة أصمت أمس؟» -هي صائمة يوم الجمعة-، فقال لها: «صمت أمس؟» -أي الخميس-، قالت: لا. قال: «تريدين أن تصومي غدًا؟» -وأنا دخل عليها وهي صائمة-، قال لها: «تريدين أن تصومي غدًا؟ وغدًا هو سبت؟» قالت: لا. فقال: «فافطري إذن». فقال: «فافطري إذن». قال شيخ الإسلام: فالغد هو يوم السبت، فالغد هو يوم السبت. فلهذا دل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز أن يصام يوم السبت، أن يصام يوم السبت. قال: وحديث أبي هريرة: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الجمعة إلا بيوم قبله أو يوم بعده». قال: فاليوم الذي بعده هو يوم السبت. معنى: هذه الأحاديث كلها يخالفها حديث الصماء هذا، كلها في جواز يوم السبت. لو قال: قال: النهي إنما عن الإفراد. يقال: أن ظاهر الحديث ليس فيه إفراد، ظاهر الحديث قال: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم». أنا إلا فيما يكون فرض -مثلا رمضان أو كفارة أو نذر-، أما ما لم يكن واجبًا فلا يصام، هذا معنى الحديث. لكن لم يذهب إلى هذا المعنى أحد معروف من العلماء إلا ما كان من الشيخ الألباني رحمه الله عليه. وإلا ما ذكر عن أحد من السلف أنه قال بظاهر هذا الحديث، وأن يوم السبت لا يصام أبدًا إلا إذا كان في الفرض. وإنما حمله -كما قال المنذري- حمله العلماء على الإفراد، حمله العلماء على أنه لا يفرد يوم السبت يصوم يوم السبت فقط؛ لأجل السبت، هذا خطأ. لماذا؟ لأنه عيد اليهود، هذا إذا صح هذا الحديث. لكن كما قلنا: أن هذا الحديث -قال محمد- أنه تخالف لحديث، قالوا: منها: أنه كان يصوم شعبان كله، وفيه يوم السبت. كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم أكثر شعبان، وفيه يوم السبت. قالوا: منها: أنه أمر بصوم المحرم، وفيه يوم السبت -معنى: أمر بصوم يوم المحرم-، لما سئل: «أي الصوم أفضل بعد رمضان؟ قال: شهر الله المحرم». وفيه لا شك أن شهر المحرم فيه أيام السبت، أربعة سبات أو خمسة. قال: وأمر بصيام البيض، وقد يكون فيها السبت. وأيضًا كذلك صيام يوم وإفطار يوم -عن ما سينتظم هذا سيام يوم وإفطار يوم- إلا إذا صام يوم السبت. لو مثلًا إنسان قال: «أنا أعتقد أن صيام يوم السبت لا يجوز»، كيف سيصوم يوم ويفطر يوم؟ ما سيستطيع، ما سيصوم إلا أيام نفسها سيكررها. فعنى: إذا جاء يوم السبت يفطر ويصوم يوم الأحد، فسيصوم الأحد والثلاثاء والخميس. إذا جاء يوم السبت إما أنه يصوم الجمعة، وإما أنه يتخلف عن الجمعة والسبت ويصوم يوم الأحد. فسيتكرر البرنامج -معنى: أنه سيصوم ثلاثة أيام في الأسبوع الأحد والثلاثاء والخميس- أو أنه سيصوم الجمعة والأحد والثلاثاء أيضًا والخميس أو الأربعاء، المهم أنه سيختلط عليه صيام يوم بعد يوم، ما سيتفق، وما سينتظم صيام يوم بعد يوم إذا كان مثلًا يعتقد أنه لا يجوز صيام يوم السبت. قال: فهذا الأثر: فهم من كلام يبي عبد الله: أنه توقف عن الأخذ بالحديث، وأنه رخص في صومه. حيث ذكر الحديث الذي يحتج به في الكراهة، وذكر أن الإمام في الحديث -يحيى بن سعيد- كان يتقيه، وأبى أن يحدث به، فهذا تضعيف للحديث. يقول شيخ الإسلام: أن كلام أحمد يعتبر تضعيف لهذا الحديث، حديث صيام يوم السبت. وانتبهوا لهذا الكلام؛ لأن الآن سيأتي هذا الكلام كثيرًا، خاصة إذا كان يوم السبت عرفة، وأيضًا في أيام عشر ذي الحجة: هل يصام أو لا يصام؟ قال: واحتج بآثار بما دل من النصوص المتواترة على صوم يوم السبت. ولا يقال: يحمل النهي على إفراده؛ لأن نفيه «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم»، ما يقول الآن شيخ الإسلام: أنه لا يحمل هذا الحديث على الإفراد. فالذي حمله على الإفراد خطأ. لماذا؟ لأن ظاهر الحديث ما فيه إفراد، ظاهر الحديث «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم»، إما أن يصوم فرض أو لا يصوم، إما أن يصوم فرض أو لا يصوم، هذا معنى الحديث. فلهذا قال: من حمل النهي على الإفراد فهو مخطئ. قال: ولا يقال: يحمل النهي على إفراده؛ لأن نفيه «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم». والاستثناء دليل التناول -دليل التناول-، معنى: أنه إذا استثنى شيئًا فهو أراد هذا الاستثناء، فقوله: «إلا فيما افترض عليكم»، أي إلا الفرض، فلكم أن تصوموا. قال: وهذا يقتضي الحديث عما صومه على كل وجه. وإلا لو أريد إفراده لما دخل الصوم المفروض في الاستثناء؛ فإنه لا إفراد فيه، فاستثناءه دليل على دخول غيره. بخلاف يوم الجمعة؛ فإنه بين أنه إنما نهى عن إفراده؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تخص يوم الجمعة ولا ليلة الجمعة بصيام ولا قيام إلا صومًا كان يصومه أحد». هذا واضح أنه أراد الإفراد. أنا لا يخصص الإنسان يوم الجمعة بالصيام، أو ليلة الجمعة بالصيام بقيام -مثلًا- لو قال قائل: «أنا كل ليلة أو كل الصباح أذهب إلى العمل، وعملي شاق، كذا ما أستطيع أقوم الليل، لكن يوم ليلة الخميس أو ليلة الجمعة؛ لأن الجمعة مثلًا إجازة، فأقوم الليل»، فهل هذا يعتبر بدعة؟ لا. أو يعتبر داخل في النهي؟ لا. وهو الآن خص ليلة الجمعة، لكن لم يخصها لأجل أنها ليلة الجمعة، وإنما خص؛ لأنها لأجل أنه في تلك الليلة صباحها غير مشغول. كذلك أيضًا لو قال الإنسان مثلًا: «أنا أصوم الجمعة؛ لأنه ما عندي عمل»، أصوم الجمعة؛ لأنه ما عندي عمل، فأصوم الجمعة، وبقية الأيام عندي عمل، فنقول له: هل معنى نقول له: جائز؟ نعم، جائز يصوم، فهو لم يفرد الجمعة -معنى: لم يخص الجمعة بالصيام-، وإنما لأن هذا اليوم عنده إجازة فيصومه. قال: وعلى هذا فيكون الحديث إما شاذًا غير محفوظ، وإما منسوخًا. وهذه طريقة قدماء أصحاب أحمد الذين صحبوه -كالأثرم وأبي داود- أن ضعفوا الحديث، قالوا: الحديث لا يصح -مثل ما قال الإمام أحمد-، وهذا كلام الأثرم، وكلام أبي داود. قال أبو داود: هذا حديث منسوخ، هذا حديث منسوخ. والمراد منسوخ: أي نسخته تلك الأحاديث، فهو مخالف للأحاديث -كما قال الإمام أحمد رحمه الله-. قال: وذكر أبو داود -أي صاحب السنن- بإسنادي عن ابن شهاب: «أنه كان إذا ذكر له أنه نهي عن صيام يوم السبت، يقول ابن شهاب: هذا حديث حمصي، هذا حديث حمصي». فأنا يريد أن أهل حمص لم يروا هذا الحديث، أهل حمص لم يحفظوا هذا الحديث صحيحًا. قال: عن الأوزاعي، قال: «ما زلت له كاتمًا حتى رأيت انتشر بعده». الأوزاعي يعتبر من أهل الشام، وهذا الحديث من حديث أهل الشام، من حديث أهل حمص. فلهذا لم يروه الأوزاعي؛ لأنه وجد أنه مخالف للأحاديث، وجد أنه مخالف للأحاديث. قال أبو داود: وقال مالك: «هذا كذب» -هذا كذب-، معنى: خطأ، ليس حديثًا صحيحًا. الآن وأكثر: وهل العلم على عدم الكراهة؟ الآن اجتمع لنا: أن كثيرًا من العلماء يقولون: أن هذا الحديث ليس صحيحًا. فهذا الزهري، والأوزاعي، وكذلك أحمد بن حنبل، وقبله مالك بن أنس. وأصحاب أحمد -كالأثرم وأبي داود-، وكذلك النسائي، النسائي قال: أنه حديث مضطرب. وهؤلاء كلهم تكلموا في هذا الحديث، تكلموا في هذا الحديث. ثم قال الشيخ: وأما أكثر أصحابنا -من أصحابه-، قوله: وأما أكثر أصحابنا -من أصحاب شيخ الإسلام ابن تيمية الحنابلة-. وليس أن شيخ الإسلام كان متعصبًا للحنابلة، وإنما درس على مذهبهم، أخذ الفقه على مذهب الحنابلة. لكن كان يقول: بالدليل، وأن ما كان تعصب لشيء من المذاهب، وإنما إذا رأى الدليل تبع الدليل -معنى: أنه يأخذ كلام الأئمة من باب المعرفة فقط-، معنى: ما يزيدهم إلا إذا رأى أن أقوالهم بعيدة عن الدليل، بعيدة عن الدليل، فيأخذ بقول أو يأتي بقول أحيانًا لا يكون أحد قال به منهم. قال: من كلام أحمد: الأخذ بالحديث وحمله على الإفراد؛ فإنه سئل عن عين الحكم، فأجاب بالحديث. وجواب بالحديث يقتضي اتباعه. يقول: أكثر صحابنا: فهم من كلام أحمد: أن هذا الحديث يحمل على الإفراد، يقول: أنه يخالف الأحاديث التي جاءت. ومعنى ذلك: أنه لا يخص السبت بالصيام. قالوا: ما ذكروا عنه: إنما هو بيان ما وقع فيه من الشبهة. وهؤلاء يكرهون إفراده بالصوم عملًا بهذا الحديث؛ لجودة إسناده، وذلك موجب للعمل به، وحملوه على الإفراد كيوم الجمعة. قال: وقد روى أحمد في المسند من حديث ابن لهيعة -ابن لهيعة هو عبد الله بن لهيعة الحضرمي المصري-، أنا كان حافظًا، لكنه عنده شروح. أنا يحفظ حديثًا كثيرة، لكنه بسبب كثرة الأحاديث حصل له شيء من الاضطراب، حصل له شيء من الاضطراب. وقيل: إنما أصيب في رأسه، وقيل: إنما احترقت كتبه، فأصابه شيء من النسيان. لكن الظاهر: أن حديثه كله لا يصح. قال: حدثنا موسى بن وردان -وموسى بن وردان هو قريش، شيء عامري، وفي حديثه ضعف أو في حفظه شيء من الضعف-، قال: عن عبيد العرج -عبيد العرج هو مجهول، معناه: يعتبر مجهول-، قال: حدثتني جدتي -يعني الصماء- أنها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم السبت، وهو يتغدى. فقال: «تعالي تغدي». ومعنى: ومعنى تغدي: أي كلي في الصباح. الغداء هو الأكل في الصباح، من الغدو، وليس في الظهر. عندنا نحن نقول: الغداء في الظهر، لكن الصحيح: أن الغداء هو عند أو بعد الفجر، فقوله في الآية: «آتنا غداء» أي بعد الفجر في وقت الغدو. وأما العشاء: فالظهر ممكن يسمى غداء، ليس غداء بالدال، لكن الغداء هو ما يؤكل في الغدو. قال: «تعالي تغدي» -في رواية قال: تعالي كلي-، قالت: «إني صائمة»، قالت: «إني صائمة». فقال لها: «صمت أمس؟» قالت: لا. قال: «كلي؛ فإن صيام يوم السبت لا لك ولا عليك». قال: «كلي؛ فإن صيام يوم السبت لا لك ولا عليك». قال: وهذا وإن كان بإسناده ضعيفًا، لكن يدل عليه سائر الأحاديث. هذا الحديث لا يصح؛ لأنه فيه عبيد العرج وهو مجهول، وموسى بن وردان أيضًا فيه ضعف، فالحديث ضعيف جدًا. لكن شيخ الإسلام يقول: أن معناه صحيح. قال: وهذا وإن كان بإسناده ضعيفًا، لكن يدل عليه سائر الأحاديث. وعلى هذا فيكون قول «لا تصوموا يوم السبت» -أي لا تقصد صومه بعينه إلا في الفرض-، فإن الرجل يقصد صومه بعينه، بحيث لو لم يجب عليه إلا صوم يوم السبت -كمن أسلم ولم يبق من الشهر إلا يوم السبت- فإنه يصومه وحده. معناه: مثلًا يقول: أشمعنا إلا فيما افترض عليكم -مثلا الإنسان أسلم في شهر رمضان، ولم يبق من شهر رمضان إلا يوم واحد وهو يوم السبت- له أن يصوم يوم السبت؛ لأنه صام فيما افترض عليه. قال: وأيضًا فقصده بعينه بالفرض لا يكره -بخلاف قصده بعينه في النفل فإنه يكره- أن يقصد السبت بالنفل. وأما الفرض لا يكره. معنا مثلًا إذا أراد أن يقضي يوم السبت، فالقضاء يعتبر قضاء فرض، أو مثلا عنده نذر نذر أن يصوم ثلاثة أيام، أو أول الثلاثة الأيام من هذا السبت، فكان أولها السبت، فهنا يجوز؛ لأنه نفل أو لأنه فرض. أقصد: فقال «لا تصوم إلا فيما افترض عليكم». قالوا: لا تزول الكراهة إلا بضم غيره إليه أو موافقته عادة. فالمزيل للكراهة في الفرض: مجرد كونه فرضًا، للمقارنة بينه وبين غيره. وأما في النفل فالمزيل للكراهة: ضم غيره إليه أو موافقته عادة -ونحو ذلك-، أنه إذا كان في النفل إما أنه لا يفرد السبت يصوم يومًا بعده ويومًا قبله. أو طيب قال: قال «إلا بضم غير إليه أو موافقته عادة». أنا مثلًا يصوم يوم بعد يوم، هذه موافقة عادة. أو يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، فوافق يوم السبت فيصوم وهكذا. قال: وقد يقال: الاستثناء أخرج بعض صور الرخصة، وأخرج الباقي بالدليل. قال: ثم اختلف هؤلاء في تعليل كراهة [صيامه]. فعللها ابن عقيل بأنه يوم تمسك فيه اليهود، ويخصونه بالإمساك، وهو ترك العمل فيه. أنا يقول الآن: إيش الحكمة والسبب في كراهة صيام السبت؟ وهذا بعدما بين أن صيام يوم السبت ليس محرمًا، وليس مكروهًا، والصحيح: أنه يجوز للإنسان أن يصوم يوم السبت إذا وافق صيامًا، وإذا لم يوافق صيامًا. معنى: إنسان مثلًا يريد أن يصوم يوم السبت تطوعًا، هل يصوم يوم السبت؟ فيقال: لا بأس بذلك. إذا قلنا: أن الحديث ضعيف، لكن الأولى لا يصوم. لكن إن أراد أن يصوم ليس لأجل أنه سبت، ليس لأجل أنه سبت، وإنما أراد أن يصوم لأجل التطوع، يريد أن يتطوع ويتنفل، فوجد أن المناسب له أن يصوم يوم السبت، فهذا جائز. فهنا قال: اختلفوا في تعليل الكراهة، لماذا يكره، لماذا يكره صيام يوم السبت؟ فقال ابن عقيل: أن هذا اليوم تصومه اليهود، تصومه اليهود. وقيل: أن المراد: أنهم يصومونه أو يمسكون فيه عن العمل، ما يعملون يوم السبت عندهم إجازة، يوم السبت عندهم إجازة؛ ليش؟ لأجل أن السبت عندهم عيد، يذهبون إلى الكنائس أو غيرها. قال: وهذه العلة منتفية في الأحد. وعلل طائفة من الأصحاب: أنه يوم عيد لأهل الكتاب يعظمونه. معناه: يقول: هذه العلة منتفية في الأحد -معناه: لو كانت هذه العلة لنهي أيضًا عن يوم الأحد-؛ لأن يوم الأحد يوم النصارى، السبت يوم اليهود، والأحد يوم النصارى. قال: وعلل طائفة من الأصحاب -أي من الحنابلة- أنه يوم عيد لأهل الكتاب يعظمونه، فقصده بالصوم دون غيره يكون تعظيمًا له، فكره ذلك. كما كره إفراد عاشوراء بالتعظيم؛ لما عظمه أهل الكتاب. أنا يقول: بعض الحنابلة: أنه لا يصام يوم السبت؛ لأن يوم السبت يعظمونه اليهود، فإفراده -معنى: أنه مشابهة لهم-. قال: وهذا التعليل يعارض بيوم الأحد. أنا أيضًا يوم الأحد يوم النصارى، فلماذا نهي عن صيام يوم السبت ولم ينه عن صيام يوم الأحد؟ قال: فإنه يوم عيد النصارى. فإنه صلى الله عليه وسلم قال: «اليوم لنا، وغدًا لليهود، وبعد غد للنصارى». قال: «اليوم لنا» -أي يوم الجمعة-، واليهود «غدًا» -أي سبت-، والنصارى «بعد غد». وجاء هذا الحديث في مسلم بلفظ: وجاء أيضًا كذلك في البخاري: «إن الله عز وجل كتب الجمعة على من كان قبلنا، فاختلفوا فيها». قال: «إن الله كتب الجمعة على من كان قبلنا، فاختلفوا فيها، فهدى الله -أو قال: فهدانا- فهدانا الله عز وجل لها، فالناس لنا تبع». فالناس لنا تبع -يعني نحن الجمعة، واليهود سبت، والنصارى... والنصارى-. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فالناس لنا تبع»، فاليهود غدًا، والنصارى بعد غد. فدل الحديث على أن هذه الأمة تتقدم تلك الأمم السابقة، وهذا من فضائلها. قال رحمه الله: وقد يقال: إذا كان يوم عيد، مخالفتهم فيه بالصوم لا بالفطر. ويدل على ذلك ما روي عن كريب -مولى ابن عباس-، قال: «أرسلني ابن عباس، وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أم سلمة أسألها: أي الأيام كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أكثرها صيامًا؟ قالت: كان يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر ما يصوم من الأيام، ويقول: إنهما يوم عيد للمشركين، فأنا أحب أن أخالفهم». رواه أحمد، والنسائي، وابن أبي عاصم، وصححه بعض الحفاظ. أنا يريد بعض الحفاظ -كابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم- وصحح هذا الحديث. قال: رواه النسائي، وابن أبي عاصم، وصححه بعض الحفاظ. وهذا نص في استحباب صوم يوم عيدهم؛ لأجل قصد مخالفتهم، فصام النبي صلى الله عليه وسلم السبت والأحد؛ لأجل مخالفة اليهود؛ لأنهم لا يصومون في تلك الأيام، وإنما يحتفلون بتلك الأيام، ويفطرون فيها. فصامها النبي صلى الله عليه وسلم مخالفة لهم. وهذا على صحة هذا الحديث. قال: وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس». رواه الترمذي، وقال: حديث حسن. قال: وقد روى ابن مهدي هذا الحديث عن سفيان، ولم يرفعه -عن سفيان الثوري-. قال: وقال: حديث: رواه الترمذي. قال: وقد روى ابن مهدي هذا الحديث عن سفيان، ولم يرفعه. وهذان الحديثان ليس بحجة على من كره يوم السبت وحده. وعلل ذلك بأنهم يتركون فيه العمل، والصوم ضده ذلك. فإنه إذا صام السبت ولا حد، زال الإفراد المكروه، وحصلت المخالفة بصوم يوم فطرهم. فالمهم: أن التعليل هذا -سواء كان هذا التعليل لأجل أنه يوم عيدهم أو غيره- فهو لا يصح. والصحيح: أنه كما قلنا: يجوز صيام يوم السبت. ومن تركه -مثلًا- أراد أن يترك يترك النوافل في يوم السبت. طيب إن شاء الله: أنا خلاصة الكلام: أن الحديث لا يصح. وإن صح الحديث فيحمل على الإ