الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 127، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش تحريم الأعياد والمواسم المبتدعة لسببين: مشابهة الكفار والبدعة، ويستشهد بالأحاديث النبوية التي تنهى عن البدع والمحدثات. كما يحذر من تقليد أهل الكتاب والأعاجم في أعيادهم وعاداتهم.
يناقش تحريم التقليد في أمور الدين ويستدل بآيات القرآن وأحاديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم. كما يتناول انتقاد الله للمشركين لعبادتهم الأصنام وتحريمهم أشياء لم يحرمها الله.
يشرح أن الأصل في العادات أنها حلال أو مباح حتى يأتي دليل على تحريمها، وهذه القاعدة تعتبر أساسا في فهم الأحكام الشرعية المتعلقة بالعادات اليومية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد، فإن شاء الله تعالى، نقرأ ما قد وقفنا عنده من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في «اقتضاء الصراط المستقيم»، فقال رحمه الله: «فصل: ومن المنكرات في هذا الباب سائر الأعياد والمواسم المبتدعة، فإنها من المنكرات المكروهات، سواء بلغت الكراهة التحريم أو لم تبلغه. وذلك أن أعياد أهل الكتاب والأعاجم نهي عنها لسببين، فإن هذه الأعياد التي يقيمها أهل البدع وغيرهم، إن لم تكن شركا، فهي من المبتدعات. أو أراد شيخنا أن يشمل الجميع، فهي أعياد مبتدعة، ومن المنكرات المكروهات، سواء بلغت الكراهة التحريم أو لم تبلغه». وعلى ما تقدم تفصيله في كلامه رحمه الله من كلام الأئمة في بعض فعل بعض العبادات في أعياد المشركين، في صوم يوم السبت وغيرها. وتكلم الشيخ رحمه الله في صيام يوم السبت على أنه أقل ما يكون فيه الكراهة، والذي يكره هو إفراده. هذا على صحة الحديث، وقد عرّج بعد ذلك إلى بعض أعياد المشركين، وما يقوم به بعض المسلمين من الاحتفال بها، كيوم النيروز والمهرجان، وهي من أعياد الفرس. وذكر عن أحمد مذهب بالتحريم، أي بتحريم صيام هذه الأيام، ومذهب بكراهته؛ لأن العيد لا يصام. لكن هل يخالفون على أعياد فيصام؟ فقال: إن أحمد كره ذلك. ثم قال في آخر شيء: «قد يقال: يكره صوم يوم النيروز والمهرجان ونحوهما من الأيام التي لا تعرف بحساب العرب، بخلاف ما جاء في الحديث من يوم السبت والأحد؛ لأنه إذا قصد صوم مثل هذه الأيام العجمية أو الجاهلية، كان ذريعة إلى إقامة شعار هذه الأيام وإحياء أمرها. أن هذه الأيام ليست في حساب المسلمين، وإنما في حساب الفرس. فلهذا: ليس في صومها مفسدة، فيكون استحباب صوم أعيادهم المعروفة بالحساب العربي مع كراهة الأعياد المعروفة بالحساب الجاهلي والعجمي». قال: «ومن المنكرات في هذا الباب سائر الأعياد والمواسم المبتدعة، فإنها من المنكرات المكروهات، سواء بلغت الكراهة التحريم أو لم تبلغه. وذلك أن أعياد أهل الكتاب والأعاجم نهي عنها لسببين: السبب الأول: أن فيها مشابهة الكفار، فلا يجوز أن يشابه الكفار في أعيادهم. والثاني: أنها من البدع؛ لأن هناك أناسا من المسلمين يتشبهون بهؤلاء الكفار، فيحتفلون معهم في أيام احتفالهم. قد ذكر الشيخ رحمه الله عدة أمثلة منها: أعياد الأربعاء في بعض الأشهر، وغيرها من الأعياد التي كان يفعلها أهل دمشق تقليدا للكفار، وهي ليست من أعياد المسلمين. فقال: إن النهي عن أعياد هؤلاء لأمرين أو لسببين: أولا: مشابهة، ثم أنها من البدع. قال: «فما أحدث من المواسم والأعياد هو منكر، وإن لم يكن فيها مشابهة للكتاب، لوجهين: أحدهما: أن ذلك داخل في مسمى البدع والمحدثات، فيدخل فيما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبدالله، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: «صبحكم ومساكم»، أنا المنذر. ويقول: «بعثت أنا والساعة كهاتين». ويقول: «أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة». وفي رواية النسائي: «وكل ضلالة في النار». وفي الصحيحين، من حديث أبي هريرة: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد». وفي صحيح مسلم، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا، فهو رد». هذا لفظ مسلم. والحديث من رواية محمد بن القاسم، عن عائشة، عن عمتها. وقال صلى الله عليه وسلم: «إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة». هذا لفظ أبي داود. وجاء في بعض الروايات: «وكل محدثة بدعة». وهذه قاعدة قد دلت عليها السنة، مع ما في كتاب الله من الدلالة عليها أيضا. قال الله عز وجل: «أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله». فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله، أو أوجبه بقوله أو فعله، من غير أن يشرعه الله، فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله. ومن اتبعه في ذلك، فقد اتخذه شريكا لله. شرع من الدين ما لم يأذن به الله. قال: «نعم، قد يكون متأولا في هذا التشريع، فيغفر له لأجل تأويله، إذا كان مجتهدا. والاجتهاد الذي يعفى معه عن المخطئ، ويُثاب أيضا على اجتهاده. لكن لا يجوز اتباعه في ذلك، كما لا يجوز اتباع سائر من قال أو عمل قولا أو عملا، قد علم الصواب في خلافه. وإن كان القائل أو الفاعل مأجورا أو معذورا. وهذا يدلك على أن التقليد لا يجوز. فمن عرف الصواب من الخطأ، لا يجوز أن يقلد غيره في الخطأ، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله: «من استبانت له سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يدعها لقول أحد من الناس». كائنا من كان. فمن عمل بالصواب، أو من رأى صوابا، وهو متأكد أن هذا الصواب، فلا ينبغي له أن يرجع إلى من قوله خطأ، ولو كان أكبر منه. ثم يقول به، وهو يعلم أنه ليس صحيحا، بل خلافه هو الصحيح. وخاصة إذا كان الأمر فيه التحريم أو عدمه، أو الوجوب أو عدمه، وهو يعلم أن هذا واجب، فيقول: «لا بأس». أو يعلم أنه محرم، فيقول: «لا بأس بفعله، أو لا حرج في ذلك». فهذا لا يجوز؛ لأنه تحليل ما حرم الله. فمن علم أنه يحل ما حرم الله، أو يحرم ما أحل الله، ثم يتبعه في ذلك، فقد اتخذه ربا. وهذا معنى الآية: «اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم». قال: «قد يكون المجتهد معذورا، لكن من يتبعه، وهو يعلم أنه مخطئ، فليس بمعذور». ثم ساق رحمه الله تعالى، جملة من الآيات، ثم قال: «قال عدي بن حاتم للنبي صلى الله عليه وسلم: «يا رسول الله، ما عبدوهم». فقال: «وما عبدوهم؟ ولكن أحلوا لهم الحرام، فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال، فأطاعوهم». وهذا الحديث قد مر معنا، وقلنا: إنه فيه مقطوع، شبيب بن شيبة، لم يسمع من عدي. لكن الحديث يفسر الآية، وهو تفسير صحيح؛ لأن ظاهر الآية: «اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله»؛ لأنهم أحلوا لهم الحرام، فاتبعوهم لذلك. مثل ما قال الله عز وجل: «يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله». قد ذكر الله عز وجل عنهم أنهم يقولون: «هو من عند الله»، وما هو من عند الله. ويقولون على الله الكذب، وهم يعلمون. فهم يغيرون دين الله، ويحرفون دين الله. وتجد أن أناسا يعلمون ذلك، ويتبعونهم على هذا التحريف، وعلى هذا التغيير. فلهذا ذكر الله عز وجل أنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله؛ جعلوهم من الأرباب الذين يعبدون من دون الله، ويطاعون من دون الله. والمراد بالرب هنا: من أطيع فيما حرم الله عز وجل، أو حل ما حرم الله، فأطيع فيه. مثل ما قال الله عز وجل في الميتة: «ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه، وإنه لفسق. وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم، وإن أطعتموهم إنكم لمشركون». هذه الآية أخذها بعض الخوارج وبعض السرورية، فقال: «من أطاع الحاكم، ولو طاعة مجردة، يعتبر مشركا». وهذا كلام باطل، لم يقل به أحد من أهل السنة. وإنما هذه الآية نزلت في تحليل الميتة. لما قال بعض المشركين لبعض المسلمين: «كيف تأكلون ما ذبحتم، وما قتلتم، ولا تأكلون ما قتل الله؟». هذه شبهة أرادوا أن يضعوها على المسلمين، حتى إن بعض المسلمين صدقهم في ذلك. فأنزل الله عز وجل هذه الآية: «ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه؛ لأن المشركين يذكرون أسماء أخرى. وكذلك اليهود والنصارى يذكرون أسماء أخرى، أو غيرهم. فقال: «ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه، وإنه لفسق. وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم، وإن أطعتموهم إنكم لمشركون». فالطاعة هنا، واتباع الأحبار والرهبان، هو طاعتهم في التحليل والتحريم. ولهذا قال شيخ الإسلام: «أجمع المسلمون أن من حرم حلالا مجمع عليه، أو أحل حراما مجمع عليه، فهو كافر». شيء مجمع عليه، وهو يقول: «حلال»، وهو يعلم أنه حرام. وكذلك أيضا من اتبع غيره في تحليل الحرام الذي هو حرام، لا شك فيه. أما إن كان مثلا متشككا ومترددا، ولم يستبن له، فهذا شيء آخر. قال: «فمن طاع أحدا في دين الله لم يأذن به الله، في تحليل أو تحريم، أو استحباب أو إيجاب، فقد لحقه من هذا الذنب نصيب، كما يلحق الآمر الناهي أيضا نصيب. ثم قد يكون كل منهما معفوا عنه لاجتهاده، ومثابا أيضا على الاجتهاد، فيتخلف عنه الذنب لفوات شرطه، أو لوجود مانعه. وإن كان المقتضي له قائما. ويلحق الذنب من تبين له الحق فتركه، أو من قصر في طلبه حتى لم يتبين له، أو أعرض عن طلب معرفته لهوى أو لكسل أو نحو ذلك». وأيضا فإن الله تعالى عاب على المشركين شيئين: أحدهما: أنهم أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا. والثاني: تحريمهم ما لم يحرمه عليهم. حرموا أشياء لم يحرمها الله عز وجل عليهم. فعابهم على المشركين، كما سيأتي في الآيات. فالله عز وجل أنكر عليهم أنهم أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، وما ليس لهم به علم، فجعلوا هناك أصناما، جعلوا أشياء يعبدونها من دون الله. والله عز وجل ما نزلها عليهم، وما أمرهم بعبادتهم. وأيضا الأمر الثاني: أنه حرم أو نهى أو أنكر عليهم تحريمهم أشياء لم يحرمها عليهم. قال: «وبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فيما رواه مسلم عن عياض بن حمار المجاشعي، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «قال الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا». وهذا الحديث في صحيح مسلم: «إني خلقت عبادي حنفاء». جاء في رواية: «كلهم». «وإنهم أتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا». هذه شياطين الإنس أو من الجن، أو من الأحجار والأشجار التي يعبدونها من دون الله. مثل بعض أهل الديانات الأخرى، مثل القاديانية. القادياني جاء لهم بأشياء لم يأت بها الرب جل وعلا، ولم يشرعها الله عز وجل، فاتبعوه وجعلوها دينا يدان به. ولم يشرعها الله عز وجل عليهم. وهكذا الأديان الأخرى. أو حتى الروافض، الروافض جاءوا بأشياء ليست في دين الله، وتعبدوا الله عز وجل عليها، وجعلوا أشياء من المحرمات جعلوها واجب، مثل نكاح المتعة، جعلوه واجبا، وهو محرم. وكذلك أيضا جعلوا تعظيم الأئمة وعصمتهم جعلوه واجبا على كل من دان بدينهم. وهذا الدين لم ينزله الله عز وجل أبدا. لم يأت في دين الله عز وجل عصمة أناس معينين من غير الأنبياء والمرسلين. وأيضا كذلك صرف لهم العبادات، أنها تصرف لهم، كصرفها لله عز وجل. وهذا كله يدل على أنهم من المشركين. فالرافضة كفار، ودينهم ليس هو دين الإسلام. وأما الباطنية، فرق الباطنية، فلا شك في كفرهم. بل قال شيخ الإسلام: «إنهم أكفر من اليهود والنصارى». قال سبحانه: «سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء». فجمعوا بين الشرك والتحريم. والشرك يدخل فيه كل عبادة ما لم يأذن الله عز وجل بها، فإن المشركين يزعمون أن عبادتهم إما واجبة، وإما مستحبة، وأن فعلها خير من تركها. وهذا ليس فقط عند المشركين العصليين، بل حتى عند من أشرك من هذه الأمة. فعندهم الشرك يعتبر واجبا. وهذا تعظيم للأولياء، حتى عند القبوريين، عندهم أن هذا الشرك يعتبر تعظيما للأولياء، وعدم الشرك عندهم تنقصا على الأولياء، وازدراء لهم، وعدم معرفة مرتبتهم وقدرهم، وغيرها من هذه الأشياء التي يأتون بها. ويعتبرون أيضا معادا لأولياء الله إذا لم يشرك العبد، أو أنكر هذا الشرك، يعتبر عندهم معادا لأولياء الله. وهذا هو دين المشركين أصلا. وهؤلاء إنما يقلدون أهل الشرك، فجعلوا عبادة القبور دين إدان به. من لم يفعل، ومن لم يأت بعبادات يجعلها لهؤلاء المقبورين، أو يستغيث بهم، أو غيرها، فإنه لم يعبد الله عبادة صحيحة، بل عنده نقص في العبادة؛ لأنه لم يعظم أولياء الله. فجعلوا الشرك واجبا. قال: «ثم منهم من عبد غير الله ليتقرب بعبادته إلى الله. ومنهم من ابتدع دينا عبدوا به الله في زعمهم، كما ابتدعته النصارى من أنواع العبادات المحدثة». عن الآن ارتكبوا الأمرين: أولا: عبدوا، أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا. والأمر الثاني: أنهم حرموا أشياء لم يحرمها الله عز وجل. وإنما اتباع لأسيادهم ولأولياء فجعلوا أشياء واجبة، وهي محرمة في الأصل، بل شرك بالله، فجعلوه واجبة. قال: «وأصل الضلال في أهل الأرض إنما نشأ من هذين: إما اتخاذ دين لم يشرعه الله، أو تحريم ما لم يحرمه الله. ولهذا كان الأصل الذي بنى الإمام أحمد وغيره من العلماء عليه مذاهبهم: أن أعمال الخلق تنقسم إلى عبادات يتخذونها دينا ينتفعون بها في الآخرة، أو في الدنيا والآخرة. وإلى عادات ينتفعون بها في معايشهم. فالأصل في العبادات: أن لا يشرع منها إلا ما شرعه الله. والأصل في العادات: أن لا يحظر منها إلا ما حظره الله». هذا الأصل، وسيأتي إن شاء الله تعالى معنا تفصيل هذه الأمور. فالشيخ يقول: إن مبنى الخلق ومذاهبهم عند الإمام أحمد على أساسين: إما عبادات اتخذوها دينا، فهذا إن كانت شرعها الله عز وجل، ينتفعون بها في الآخرة، أو في الدنيا والآخرة. أو عادات. إما عبادات، وإما عادات. فالأصل في العبادات التوقيف، أن لا يكون إلا على الكتاب والسنة. والأصل في العادات عدم الحظر، الإباحة، كما يقولون، أو الحل. الأصل في العادات الحل أو الإباحة، حتى يأتي ما يدل على تحريمها. والله تعالى أعلم. نكتفي بهذا.