الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 148، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المحبة في الله من أوثق عرى الإيمان وتعود بالثواب العظيم في الدنيا والآخرة. بينما المحبة لأغراض دنيوية تنقلب عداوة يوم القيامة.
ينبغي للمسلم أن يحب في الله ويبغض في الله وفقًا لطاعة الشخص واستقامته. هذا المبدأ يخالف الحزبية المقيتة التي تجعل الولاء والبراء مرتبطين بالانتماء الحزبي أو الشخصي.
يناقش كيفية التعامل مع الأخوة في الله ويقدم نصائح لتجنب الفرقة والبغضاء بينهم. يشير إلى أهمية حسن الظن وعدم إفساح المجال للعداوة والشحناء بين الإخوة.
المقطع يختتم بالتأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم، مما يشير إلى نهاية مناقشة أو توضيح لمسألة معينة مع الاعتراف بأن العلم الكامل عند الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتاب الأذب المفرد: حدثنا يحيى بن بشر، قال: حدثنا قبيصة، قال: حدثنا سفيان، عن رباح، عن أبي عبيد الله، عن مجاهد، قال: لقيني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ بمنكبي من ورائي، فقال: أما إني أحبك. قال: أحبك الله الذي أحببتني له. قال: لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أحب الرجل الرجل فليخبره أنه أحبه، ما أخبرتك. ثم أخذ يعرض علي الخطبة، قال: أما إن عندنا جارية، أما إنها عوراء. وهذا الأثر صحيح، وغصاه الشيخ الألباني رحمه الله في الصحيحة. وفي هذا الأثر يخبر مجاهد رحمه الله، وهو مجاهد بن جبر، تلميذ عبد الله بن عباس، يقول: لقيني رجل من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وأخذ بمنكبي من ورائي، وقال: إني أحبك. قال: أحبك الله الذي أحببتني له، يعني أخبره بأنه يحبه في الله، أي هذا الصحابي، فقال له مجاهد: أحبك الله الذي أحببتني له. وهكذا ينبغي أن يقول من أحب شخصا في الله سبحانه وتعالى أن يخبره بذلك، تقول له: إني أحبك في الله. فإذا أخبرته بذلك، فإنه يرد عليك بقوله: أحبك الله الذي أحببتني له، كما أخبر بذلك النبي عليه الصلاة والسلام. فقال: لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أحب الرجل الرجل فليخبره أنه أحبه، ما أخبرتك، يعني لولا النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بذلك، أنه إذا أحب الرجل الرجل فليخبره بذلك، لما أخبرتك بذلك، يعني أني أحبك في الله. وهذا كما قلنا في أمر أنه من السنة ومستحب أن يخبر الرجل أخاه بذلك إذا أحبه في الله، أنه يخبره أنه يحبه في الله. لكن هذه المحبة كما قلنا ينبغي أن تكون محبة في الله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: أوثق الإيمان الحب في الله والبغض في الله. فإذا أحببت شخصا في الله، فإنك تخبره بذلك. وهذه المحبة ينتفع بها الأشخاص في الدنيا وفي الآخرة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: المتحابون في جلالي على منابر من نور، يغبطهم النبيون والشهداء. المتحابون في جلالي، يعني المتحابون لأجل الله سبحانه وتعالى، على منابر من نور، يعني يوم القيامة، يغبطهم النبيون والشهداء، يعني يحسدونهم حسد غبطة، ويتمنون أن يكون لهم مثل ما لهم في ذلك الموضع. يغبطهم النبيون والشهداء ثواب عظيم وأجر عظيم من الله سبحانه وتعالى، هذا لمن كانت محبته في الله. أما من كانت محبته لمصالح ولمقاصد ولأغراض، فهذه محبة مذمومة، ومحبة تعود على صاحبها بالندم والخسارة، وتنقلب يوم القيامة عداوة. الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين، يعني إلا من كانت محبتهم لله، فهذه تبقى محبتهم يوم القيامة. أما من كانت محبتهم لغير ذلك، فإنها تنقلب يوم القيامة عداوة وشحناء وبغضاء. فلذلك يحرص المرء إن أحب شخصا أن يحبه في الله، ويحبه لله، لطاعته والاستقامة، ولحرصه على الخير، إلى آخر ذلك مما يكون فيه من الخير، فيحبه لذلك. وإذا كان عنده معاصي وعنده ذنوب، فإنه يبغضه بقدر ما عنده من معاصي وذنوب. هذه المحبة في الله والبغض في الله الذي ينبغي أن يحققه العبد في قلبه، يبغض في الله ويحب في الله. ما يجعل المحبة والبغضاء تابعة لفكرتك التي تحملها في عقلك، أو لمنهجك الذي تنهجه، أو لحزبك الذي تنتمي إليه. من كان معك أحببته، لو كان من الفسقة، ومن لم يكن معك أبغضته، لو كان من أهل العلم ومن أهل الدين ومن أهل الاستقامة ومن أهل الخير. هذه هي الحزبية المقيتة، الولاء والبراء الضيق. وهذا خلاف ما أمر الله سبحانه وتعالى به، وأمر به النبي عليه الصلاة والسلام. بل الواجب أن تحب في الله وأن تبغض في الله. قال: ثم أخذ يعرض علي الخطبة، قال: أما إن عندنا جارية، أما إنها عوراء، يعني عرض عليه النكاح. وبهذا جواز عرض الخطبة، أن يعرض الرجل وليته على من يرى فيه الخير، فيعرض عليه نكاحها وزواجها. وهذا مشروع، ليس بعيب أبدا. ليس بعيب أن يعرض الرجل وليته، ابنته أو أخته، يعرضها على من يرى فيه الخير والصلاح. هل لك في الزواج؟ فقد فعل ذلك الصحابة رضي الله تعالى عنهم. بل فعل في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، وأقره عليه الصلاة والسلام. كما فعل عمر حين تأيمت ابنته حفصة، فعرضها على عثمان، فقال: لا حاجة لي في النكاح. ثم عرضها على أبي بكر، فسكت. ثم خطبها النبي عليه الصلاة والسلام. ثم بعد ذلك سأل أبو بكر النبي عليه الصلاة والسلام، أو أخبره أبو بكر، قال: لعلك وجدت في نفسك إذ لم أرد لك خبرا؟ قال: نعم. قال: علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكرها، وما كنت لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالشاهد أن هذا الأمر جائز. وإذا كان فيها عيب، فإنه يبين هذا العيب. إذا كان في هذه المرأة عيب، فإنه يبينه. وليس من الأمانة أنه يعرض عليه المرأة وفيها عيب العيوب فيكتمه. ليس هذا من الأمانة ومن الصدق والبيان. بل الواجب عليه أن يبين، إذا كانت مثلا عرجاء فيخبره أنها عرجاء، أو عمياء أو عوراء فيخبره بذلك، أن فيها هذا العيب. وهذا من الصدق الذي ينبغي أن يكون في جميع العقود، ليس فقط في البيع والشراء، بل حتى في النكاح. قال: حدثنا موسى، قال: حدثنا مبارك، قال: حدثنا ثابت، عن أنس، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما تحاب الرجلان إلا كان أفضلهما أشدهما حبا لصاحبه. والحديث أيضا صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. فقول مجاهد: لقيني رجل من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، هذا رجل مجهول. فهل يضر هذا بالحديث؟ لماذا؟ نعم، لأنه صحابي. والصحابة كلهم عدول. الصحابة كلهم عدول. فإذا كان في الحديث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فهو صحيح. لا يضر جهالة هذا الصحابي، لأن الصحابة كلهم عدول. في حديث أنس، قال النبي عليه الصلاة والسلام: ما تحاب الرجلان إلا كان أفضلهما أشدهما حبا لصاحبه، يعني كلما كانت محبة الأخ لأخيه أكثر وأشد، إلا وكان أفضل من صاحبه، إلا وكان أفضل من صاحبه، بقدر زيادة المحبة وكثرة المحبة. قال: باب إذا أحب رجلا فلا يماره ولا يسأل عنه. قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية، أن أبا الزاهرية حدثه، عن جبير بن نفير، عن معاذ بن جبل، أنه قال: إذا أحببت أخا فلا تماره، ولا تشاره، ولا تسأل عنه. فعسى أن توافي له عدوا فيخبرك بما ليس فيه، فيفرق بينك وبينه. وهذا الأثر صحيح موقوف على معاذ. قال: إذا أحببت أخا فلا تماره، يعني لا تنازعه وتجادله، تكون معه في نزاع وفي جدال، لأن هذا يؤثر ويجعل بينك وبينه الشحناء والبغضاء. ولا تشاره، ومعنى تشاره، يعني من المشارة، وهي المضادة، وهي مفاعلة من الشر، أي لا تعامله بالشر، فيعاملك بمثل ذلك. يعني لا تكن معه شريرا، لا تكن معه شرير، سواء كان في الأقوال أو الأفعال. كانت تتكلم عليه أو تذكره بسوء، أو تحاول أن توقعه في مواقع التهم، أو كذلك أيضا تعامله المعاملة السيئة، أو غير ذلك من أعمال الشر. لا تشاره، يعني لا تعامله بالشر، فيعاملك بذلك في موضع أنت ربما تحتاج أن ينفعك فيه. قال: ولا تسأل عنه، فعسى أن توافي له عدوا فيخبرك بما ليس فيه، يعني لا تذهب وتبحث من خلفه كيف فلان؟ وتسأل عنه، ما دام أنه لم يظهر منه سوء، فينبغي أن تحسن به الظن. ينبغي أن تحسن به الظن، ولا تسيء به الظن. إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث. فربما تذهب تسأل، فتصادف عدوا، يعني له لصاحبك بينه وبينه عداوة وشحناء، أو حاسد له، فتسأله عنه، فيجدها فرصة في الطعن فيه، فيقول: فلان فيه كذا، وفيه كذا. ويجد متى يطعن فيه، فيجعل ذلك سببا لفراقك ولتركك له، وحصول البغضاء بينكما. فيخبرك بما ليس فيه، فيفرق بينك وبينه، بسبب العداوة التي بينه وبين صاحبك. فليس هذا مما ينبغي أن يكون بين المتحابين، وبين الإخوة فيما بينهم. نعم، إن ظهر منه سوء، وظهر منه ما تكره، فلا بأس أن تسأل، من باب التثبت. وإن كان الأفضل أن تسأله مباشرة، اجعل العلاقة بينك وبينه. ربما يتدخل بعض من يريد الشر بينك وبينه. اجعل التواصل بينك وبينه. اسأله: هل حصل كذا؟ هل فعل كذا؟ هل قال كذا؟ لا بأس. هذا أفضل، حتى تقطع سبل الشر. فإن احتجت بعد ذلك أن تسأل، فاسأل من تثق فيه، وتعلم أنه ليس بينه وبينه عداوة أو شحناء أو بغضاء، فتسأله عنه. أما ما لم يظهر منه سوء، فلا تفتح باب الشر، لا تفتح باب الشر بينك وبينه. والله تعالى أعلم.