الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 50، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح الشيخ الأبيات التي أنشدها رجل من الجن في مكة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، ممدحاً النبي وأبا بكر ومستعرضاً معجزة شاة أم معبد. وتبرز الأبيات ذم قريش على إخراج نبيهم وتأكيد هداية الأنصار وبركة اتباع الحق.
تروي أسماء بنت أبي بكر كيف أخفت مال أبيها عن جدها الأعمى بوضع حجارة مكانه، ثم تصف خروج الأنصار يومياً إلى الحَرَّة انتظاراً لقدوم النبي صلى الله عليه وسلم. ويذكر المقطع أن دخول النبي المدينة كان يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول.
وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد ثلاث عشرة سنة من البعثة، واستقبله الأنصار فرحين ونزل في قباء لدى بني عمرو بن عوف حيث أقام أربع عشرة ليلة. وأسس هناك مسجد قباء أول مسجد في الإسلام قبل انتقاله إلى المدينة.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: قال الشيخ الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم"، وفي سياق ذكره لحوادث الهجرة من مكة إلى المدينة: قال: وأصبح صوتٌ عالٍ بمكة يسمعونه ولا يرون القائل، وسيأتي أنه رجل من الجن ينشد هذه الأبيات، فيسمعه الناس في مكة ولا يرون أحدًا، وإنما يسمعون صوتًا بعد حادثة أم معبد أو قصة أم معبد. قال: يقول: جزى الله رب الناس خير جزائه **رفيقين حلَّا خيمتي أم معبد**. المراد بالرفيقين: أبو بكر وعمر. أبو بكر: الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، هما نزلا بالبر وارتحلا به، فأفلح من أمسى رفيق محمد. بالبر يعني: ما وقع من البركة من احتلاب تلك الشاة العازب. فيا لقصي ما زوى الله عنكم به من فخار لا يحاذى وسؤدد. وقد غادرت وهنًا لديها بحالب، يعني: أم معبد أتت بحالب لكنها ضعيفة، وهنًا من الضعف، يرد بها في مصدر ثم يورد. سلوا أختكم، سلوا أختكم عن شاتها وإنائها، فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد. يعني: سألوا هذه الشاة الضعيفة، وسألوا الإناء الذي عُلِب فيه اللبن، فلو كانت الشاة تنطق وسُئلت لشهدت أنه ما كان بها من لبن، فدرت عليهم باللبن. دعاها بشاةٍ حائلٍ فتحلَّبت له بصريحٍ له بصريحٍ له بصريحٍ ضرَّة الشاة مُزْبِدِي. يعني: دعا هذه الشاة ليحلبها، فحُلِبَت حتى أزبَد اللبن. **لَقَدْ خَابَ قَوْمٌ زَالَ عَنْهُمْ نَبِيُّهُمْ وَقُدِّسَ مَنْ يَسْرِي إِلَيْهِ وَيَغْتَدِي**. وهذا فيه ذم لقريش الذين أخرجوا نبيهم. **تَرَحَّلَ عَنْ قَوْمٍ فَزَالَتْ عُقُولُهُمْ** أي: قريش، **وَحَلَّ عَلَى قَوْمٍ بِنُورٍ مُجَدِّدٍ** يعني: الأنصار، هداهم به بعد الضلالة ربهم، وأرشدهم. **مَنْ يَتَّبِعِ الْحَقَّ يُرْشَدْ** أي: الأنصار هداهم الله بعد الضلالة وأرشدهم إلى طريق الهداية، ومن يتبع الحق فإنه يرشد. **وَقَدْ نَزَلَتْ مِنْهُ عَلَى أَهْلِ يَثْرِبَ رِكَابُ هُدًى حَلَّتْ عَلَيْهِمْ بِأَسْعَدِي**. يعني: النبي صلى الله عليه وسلم. **نَبِيٌّ يَرَى مَا لَا يَرَى النَّاسُ حَوْلَهُ وَيَتْلُو كِتَابَ اللهِ فِي كُلِّ مَشْهَدِ**. **وَإِنْ قَالَ فِي يَوْمٍ مَقَالَةَ غَائِبٍ** يعني: إذا أخبر عن أمرٍ غيبي، **فَتَصْدِيقُهَا فِي ضُحَى الْيَوْمِ أَوْ غَدِ** لأنها تأتي كما أخبر صدقًا، سواء كان في الضحى أو اليوم أو غدٍ. **لِيَهْنَأْ أَبَا بَكْرٍ سَعَادَةَ مَوْجِدِهِ بِصُحْبَتِهِ مَنْ يُسْعِدِ اللهُ يُسْعِدْ** يعني: من أسعده الله فإنه يسعد. **وَيَهْنَأْ بَنِي كَعْبٍ مَكَانَ فَتَاتِهِمْ وَيُقْعِدُهَا لِلْمُؤْمِنِينَ بِمُرْشِدِهِ**. وهذا في ثناء على أم معبد، فقوله: فتاتهم، يعني: هذه المرأة. قالت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها: مكثن ثلاثة ليالي لا ندري أين توجَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ أقبل رجلٌ من الجن من أسفل مكة يتغنَّى بأبيات غناء العرب، والناس يدفعونه ويسمعون منه ولا يرونه، حتى خرج من أعلى مكة، فعرفنا أين توجَّه رسول الله، أين توجَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: ولما خرج أبو بكرٍ احتمل معه ماله، وهذه الأبيات وهذه القصة الله أعلم بصحتها، فإن أهل السير يذكرونها، والله أعلم بذالك. قالت: ولما خرج أبو بكرٍ احتمل معه ماله، أي: كله، فدخل علينا جدي أبو قحافة، أبو أبي بكر رضي الله عنهما جميعًا، لأنه أسلم، أي: أبو قحافة. قالت: وقد ذهب بصره، أي: أبو قحافة، فقال: إني والله لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه، يعني: أن ابنه أبا بكر أخذ المال كله ولم يترك لكم شيئًا. قلت: كلا والله، قد ترك لنا خيرًا كثيرًا، وأخذت حجارة فوضعتها في كوة البيت، شِقَّة تكون في جدار البيت، وقلت: ضع يدك على المال، فوضعها، وليس مالًا إنما هو حجر، وقال: لا بأس، إن كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن، فظن أنه مال. قالت: والله ما ترك لنا شيئًا، وإنما أردت أن أسكت الشيخ، يعني: أن تسكت جدها. وهذه القصة كذلك أخرجها أحمد، وقال الهيثمي: إسناده رجال الصحيح، ومحمد بن إسحاق قد صرَّح بالسماع، ولكن ما يكفي هذا بتسعة الحديث، إن قد يكون الحديث معَلًّا أو نحو ذلك، الله أعلم بصحة ذلك. **دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة:** قال: ولما بلغ الأنصار مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، كانوا يخرجون كل يوم إلى الحَرَّة ينتظرونه، والحَرَّة هي موضع معروف في أطراف المدينة، ويقال للحَرَّة: المكان الذي به الحجار السود، أرض ذات حجر أسود، وقالوا لها حَرَّة. وكانوا يخرجون إلى هذه الحَرَّة ينتظرونه، وهذا من شدة حبّهم له وشوقهم إليه عليه الصلاة والسلام. ينتظرونه أول النهار، فإذا اشتد حرّ الشمس رجعوا إلى منازلهم، يعني: لم يأتِ، جلس فترة كما سيأتي معنا فترة الطريق وفترة المَقْوُث كذلك في قباء ونحو ذلك. قال: فلما كان يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول، أما دخوله عليه الصلاة والسلام المدينة في ربيع الأول فهذا ثابت، لكن هل في هذا اليوم الذي ذكر المصنف؟ لم يأتِ في ذلك شيء يصح، وإنما الذي جاء أنه في ثاني ربيع الأول، قال: على رأسه ثلاث عشرة سنة من لُبُوَّتِهِ، أنه مكث في مكة ثلاثة عشر سنة منذ بعثته، منذ بعثته. خرجوا على عادتهم، فلما حميت الشمس رجعوا كالعادة، فصعد رجل من اليهود على أطم من آطام المدينة، أو أطم من آطام المدينة، والأطم هو المكان المرتفع أو البناء المرتفع، قال: لبعض شأنه، يعني: ما صعد من أجل أن يتابع أو كذلك يشاهد مجيء النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما صعد لحاجته. قال: فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مُبَيِّضِينَ يَزُولُ بِهِ السَّرَابُ، يعني: أن حولهم الغبار من شدة المشي، من شدة المشي، فعرفهم، فصرخ بأعلى صوته: يا بني قيلة، هذا صاحبكم قد جاء، هذا جَدْبُكُمُ الَّذِي تَنْتَظِرُونَ. ومن هم بنو قيلة؟ هذا قد مر معنا قريبًا: من هم بنو قيلة؟ عند من؟ نعم: الأوس والخزرج، ولماذا يقال لهم ذلك؟ لماذا يقال لهم بنو قيلة؟ نعم: أمهم قيلة، قيلة من أهل اليمن، من أهل اليمن، فكلهم يجتمعون فيها، يجتمعون في هذه الأم، الأوس والخزرج، فيقال لهم بنو قيلة نسبة إلى هذه المرأة. فثار الأنصار إلى السلاح ليتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني: كالحراسة عليه، لأنهم قد بايعوا على أن يحموا النبي عليه الصلاة والسلام ويمنعونه بما يمنعون به أنفسهم وأهاليهم وأولادهم وأولادهم. قال: **وَسُمِعَتْ لِلْوَجْبَةِ وَالْوَجْبَةِ وَالْوَجْبَةِ** يعني: الصوت الواقع، الصوت الصاقط، يسقط، يقال لها وجبة، مثلاً: حَصَاةٌ عَلِيٌّ سقطت، فصوتها يقال له وجبة. قال: **وَسُمِعَتْ لِلْوَجْبَةِ وَالتَّكْبِيرُ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ مُكَبِّرَ الْمُسْلِمُونَ فَرَحًا بِقُدُومِهِ**. وهذا فيه أن عند الفرح يكبر الله عز وجل، وعند النعمة. قال: **وَخَرَجُوا لِلِقَائِهِ فَتَلَقَّوْهُ وَحَيَّوْهُ بِتَحِيَّةِ النُّبُوَّةِ** يعني: يا نبي الله، وأشْفَقُوا به مُطِيفِينَ حَوْلَهُ، ومعنى مُطِيفِينَ حَوْلَهُ: مُحَلِّقِينَ حَوْلَهُ، مُحَلِّقِينَ حَوْلَهُ. قال: فلما كان يوم الجمعة، قال: فلما أتى المدينة عدل ذات اليمين، يعني: اتجه ذات اليمين، لم يدخل مُبَاشَرَةً المدينة حتى نزل بقُبَاء في بني عمرو بن عوف، ونزل على كُلْثُومِ بْنِ الْهَدْمِ، الهدم، أو على سعد بن خيثمة، فأقام في بني عمرو بن عوف أربع عشرة ليلة، وأسس مسجد قُبَاء، هذا المسجد المشهور المعروف اليوم، وهو أول مسجد أُسِّس بعد النبوة. وهذا الحديث أصله في البخاري: نزول النبي عليه الصلاة والسلام في قُبَاء وبناء المسجد قبل دخول المدينة، هذا ثابت في صحيح البخاري، في صحيح البخاري. فهو لم يدخل المدينة مُبَاشَرَةً، فلما أَمِنَ عليه الصلاة والسلام ودخل بين أنصاره والمهاجرين كذلك ممن هاجر، مكث في قُبَاء هذه المدة أربع عشرة ليلة، ثم انتقل بعد ذلك إلى المدينة، وحدثت حوادث، إن شاء الله نؤجل ذلك إلى الدرس القادم. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.