كتاب الزكاة 7

كتاب الزكاة 7

الدرس في كتاب الزكاة 7، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

أحكام الركاز ومصرف الخمس فيه والخلاف الفقهي حوله

يوضح المحور معنى الركاز بأنه دفين الجاهلية وحكمه بأن فيه الخمس دون اشتراط نصاب. يستعرض خلاف العلماء في مصرف هذا الخمس بين صرفه في مصارف الزكاة الثمانية أو في مصرف الفيء أو جعله للإمام يضعه في مصالح المسلمين مع ذكر الفروق بين الزكاة والركاز.

الركاز وحديث منع الزكاة وأسباب غزوة حنين

يبيّن المحور أن الركاز فيء تجب فيه الخمس دون نصاب ثم يستعرض حديث عمر في جمع الصدقة ومنع ابن جميل وخالد والعباس مع توضيح دلالات أقوال النبي فيهم. ويختتم بذكر أسباب غزوة حنين وسنة ثمان وخطة مالك بن عوف ونزول الآية في إعجاب المسلمين بكثرتهم.

غزوة حنين: ثبات النبي وتوزيع الغنائم ومعالجة خواطر الأنصار

يصف المحور موقف النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين حيث ثبت ودعا الصحابة للعودة للقتال ثم قسم الغنائم على المؤلفة قلوبهم. يوضح كيف وجد الأنصار في أنفسهم فخطبهم النبي مذكراً بفضائلهم ومؤكداً أنهم شعاره وخاصته وواعداً إياهم بالصبر حتى الحوض.

أصناف الزكاة الثمانية وبيان حكم المؤلفة قلوبهم

يشرح المحور الأصناف الثمانية المستحقة للزكاة المذكورة في آية الصدقات مع تفصيل الفرق بين الفقير والمسكين وتعريف الغارمين وابن السبيل وفي سبيل الله. يناقش إشكال إيراد حديث إعطاء النبي المؤلفة قلوبهم من الفيء في كتاب الزكاة مبيناً جواز إعطائهم من الزكاة حتى بعد قوة الإسلام.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فمرحبًا بكم مرة أخرى معنا في الدرس الماضي ضمن دروس كتاب الزكاة من «عمدة الأحكام» للإمام أبي محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي، رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. مر معنا حديثان، وكلاهما لأبي هريرة الدوسي اليماني، رضي الله تعالى عنه، وهو حافظ الصحابة، وأكثر الصحابة رواية للحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. والمكثرون في رواية الأثر: أبو هريرة، يليه ابن عمر. الحديث الأول: يتعلق بالركاز. وسبق معنا أن الركاز هو دفين الجاهلية، المال المكنوز الذي يكون مدفونًا، وهناك علامات تدل على أنه دفن قبل الإسلام. قال عليه الصلاة والسلام: «العجماء جبار». ومعنى «جبار»: أي هدر، لا شيء فيه. إنسان يمشي في طريق، لقي بعيرًا، فلما اقترب من البعير ركض البعير الرجل ركضة فمات الرجل. هل نقول: يا صاحب البعير، أعطِ دية البعير؟ بعيرك لا، لأن صاحب البعير لم يتسبب ولم يفرط أيضًا. إذن: العجماء جبار، أي هدر لا شيء فيه. «والبئر جبار»: حفر شخص بئرًا، الناس كلها ترى في النهار عنده عمال يحفرون، أو تلك الآلة تحفر، فأتى شخص في الليل وسقط في البئر. هل نقول: يا صاحب البئر، أنت السبب، ادفع دية؟ قال: «والبئر جبار»، أي هدر لا شيء فيه. «والمعدن جبار»: أيضًا مر معنا أن المعدن المراد به ما يكون في المناجم وغيرها، يعمل العمال ويستخرج المعادن من باطن الأرض، تحصل اختناقات، ويحصل انهيارات، يموت بسببه لربما العشرات بسبب ذلك. فهل نقول: يا صاحب المنجم، أنت المسؤول؟ هذا إذا كان هناك تفريط، يقال له: يا فلان، الأرض غير قوية وبدأت تنهار شيئًا فشيئًا، والناس يشتغلون تحت، تقلق الناس، سينهار عليهم. قال: لا، لا، ما سينهار. فما فاجأهم إلا وانهار. نقول: أنت السبب، أنت مهمل مقصر، تتحمل دية هؤلاء الذين ماتوا بسبب ذلك. أما مع عدم التفريط وعدم التقصير فالمعدن جبار. قال: «وفي الركاز الخمس». ركاز: ماذا؟ فعال بمعنى مفعول، أي مركوز، مدفون الجاهلية، مدفون الجاهلية. ومر معنا الكلام حول بعض المسائل المتعلقة بالركاز، ومنها: أن الركاز لا يختص بالذهب والفضة، وإنما يشمل غيرها من المعادن التي لها قيمة، وهذا الذي عليه الجمهور من أهل العلم لعموم الحديث. وخالف في هذا بعضهم، فذهبوا إلى أن الركاز يختص بالذهب والفضة، وهذا هو المشهور عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. أيضًا مسألة أخرى: قلنا، هل يشترط في الركاز الذي يستخرج من الأرض أن يبلغ النصاب؟ الجواب الصحيح: أنه لا يشترط. فلو استخرج قليلا أو كثيرًا، نصابًا أو دون النصاب، فيخرج منه الخمس. وهذا الذي عليه كذلك الجمهور من أهل العلم. كذلك من مسائل الركاز: قلنا، أين يصرف الركاز؟ شخص وجد ركازًا، حفر بئرًا فوجد صندوقًا قديمًا، ففتحه، نظر فيه، وجد سبائك ذهب، وكذلك قوالب فضة، ومكتوب عليها رسوم أو تواريخ تدل على ما قبل الإسلام. الآن سيخرج الخمس، أين يذهب بهذا الخمس؟ ما هو مصرفه؟ يا أبا الفاروق، استحضرت المسألة... تم وجود معنا... إعادة الحديث... طيب، لا، بس الركاز فيه الخمس، يعني يقسم خمسة أجزاء، هذا الجزء الخامس يكون ماذا؟ يخرج... طيب، إلى من يعطى؟ إلى عامل الزكاة، يعني الذي يذهب ويجمع الزكاة، يوضع من هذا... طيب، لا، بس يا بتميم، معنا... تفضل... أين يصرف؟ السؤال واضح... طيب، تفضل... أنت حفرت في إندونيسيا بئرًا، فوجدت فيها كنزًا، نظرت في هذا الكنز، وإذا به له منذ أن دفن، مثلا 1600 سنة... 1600 سنة... طيب، أخرجت هذا المال وقسمته أخماسًا، الخمس، أو أحد هذه الأخماس، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وفي الركاز الخمس»، يعني أربعة أسهم لك، والسهم الخامس أين تذهب؟ بيت المال... أحسنت. ممن عنده إضافة؟ نعم، يا إبراهيم... ماذا يسمى هذا؟ الأصناف الثمانية التي تصرف لها الزكاة... هكذا قلنا، هذا هو قول الإمام الشافعي: أن الركاز يصرف على مصارف الزكاة، وهم الأصناف الثمانية. طيب، نعم، يا بلحسن... أحسنت، أحسنت. وذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن مصرف الركاز هو مصرف الفيء. ما هو مصرف الفيء؟ يا عبد العزيز... ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾... لله وللرسول، أي أنه يصرف في مصالح المسلمين. طيب، أيضًا: «ولذي القرب»، من المقصود بذوي القرب؟ يا خان... أبا هريرة... منهم ذوو القرب... طيب، أحسنت، يا أبا طاهر، معنا... ذوو القرب منهم... أحسنت، أقارب النبي صلى الله عليه وسلم، وهم بنو هاشم، ومن معهم مع بني هاشم. من مع بني هاشم؟ بنو عبد مناف. قلنا: أربعة: هاشم، والمطلب، ونوفل، وعبد شمس. بنو هاشم، من معهم أيضًا؟ طيب، أحسنت، عندك يا خان... عكاشة... ها، هؤلاء كلهم يعطون: بنو هاشم، وبنو المطلب، وبنو عبد شمس... طيب، وإخوانهم بنو نوفل لا يعطون شيئًا... طيب، أحسنت، سالم، معنا... ها، بنو هاشم، أقارب النبي صلى الله عليه وسلم، يعطون من الفيء، ومعهم من؟ أحسنت، بنو المطلب... طيب، بنو نوفل، وبنو عبد شمس لا يعطون شيئًا... نعم، ما هو السبب؟ أحسنت، لم يشاركوا معهم في ماذا؟ في شعب أبي طالب... أحسنت. قلنا: لما فرضت قريش الحصار والمقاطعة على النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه، حاز بنو هاشم، ولم يستثنَ إلا قليل منهم، وذهب مع بني هاشم بنو المطلب، وأما عبد شمس ونوفل فكانوا مع قريش في ظلمهم وعدوانهم. فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ماذا أخبر؟ أن بني المطلب مع بني هاشم في الخمس، في الخمس، وأخبر عليه الصلاة والسلام أنهم لم يفارقوه في جاهلية ولا إسلام، ولا إسلام. «واليتامى والمساكين وابن السبيل»: هذا على الصحيح أن مصرف الفيء يكون، أو ماذا؟ مصرف الركاز يكون ماذا؟ هو مصرف الفيء، وعليه الجمهور، ورجحه العلامة العثيمين وغيره من أهل العلم. بعض العلماء يقولون: الخمس هذا يعطى إلى الإمام، والإمام هو الذي يضعه في مصالح المسلمين. وهذا اختاره الإمام أبو عبيد صاحب كتاب «الأموال»، ورجحه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. ومر معنا فائدة ذكرها البسام في «تيسير العلام»: فوارق بين الزكاة وبين الركاز. وهذا يجرنا إلى مسألة: ألا وهي الركاز، هل هو زكاة؟ أم في الركاز... هل هو زكاة؟ كما يشعر إلى هذا صنيع المؤلف، إذ أورد هذا الحديث ضمن أحاديث... حديث الزكاة، أحاديث الزكاة. فهل الركاز، والخمس الذي يخرج منه، هل هذا الخمس زكاة، أم أنه ليس بزكاة؟ يا أبا نصر... يعني زكاة... طيب. قلنا: البسام ذكر خمس فروق بين الزكاة وبين الركاز، كما تجده في «تيسير العلام». وهذا فيه إشارة إلى أن الركاز... زكاة، أو ليس بزكاة؟ ليس بزكاة... أحسنت. وهذا هو الصحيح، والله تعالى أعلم: أن الركاز ليس زكاة، ليس زكاة، وإنما هو أقرب ما يكون إلى أن يكون من باب الفيء ونحوه. ولهذا فيه الخمس، وليس هناك في الزكاة خمس. أيضًا يجب في القليل والكثير، يجب في القليل والكثير، والزكاة لا تجب إلا إذا بلغت النصاب، إلى غيرها من الفروق التي تجدها هناك، التي تجدها هناك. حديث أبي هريرة الآخر: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر على الصدقة» أي يجمعها، «فقيل: منع ابن جميل، وخالد بن الوليد، والعباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم». فهنا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قال: ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرًا فأغناه الله». وقوله: «ما ينقم»، أي: ما ينكر. نسي حالته الأولى، قبل فترة كان فقيرًا، واليوم حين أن أغناه الله عز وجل يمنع. «ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرًا فأغناه الله». وهذا الأسلوب، قلنا يا إخوان، أسلوب مدح أو ذم؟ هذا الأسلوب: أسلوب مدح أو ذم؟ أو ذم، يا إخوان، أبا زهير... «ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرًا فأغناه الله»: مدح أو ذم؟ طيب، أحسنت، نعم عندك... مدح أو ذم... مدح، يعني ثنى عليه بأمر طيب... هكذا الثناء والمدح يكون على فعل الجميل والطيب، والذم يكون على فعل القبيح. هذا الآن فعل قبيح أو فعل جميل؟ فعل ابن جميل هذا ماذا فعل؟ منع... منع الزكاة... أحسنت. طيب، منع الزكاة هذا فعل جميل أو قبيح؟ قبيح. إذن هذا مدح أو ذم؟ ذم... أحسنت. فهذا الأسلوب هو أسلوب ذم، أسلوب ذم. وكما ذكر العلماء، علماء العربية وأهل البلاغة، أن فيه تأكيد الذم، لكن بأسلوب يشبه المدح، بأسلوب يشبه المدح. ولهذا قالوا: هذا يعتبر من لطيف الكلام، من لطيف الكلام. قال: «وأما خالد، فإنكم تظلمون خالدا». من خالد هذا؟ يا خان... علي... من خالد بن... من... نعم، ابن الوليد، أبو... من... خالد بن الوليد، أبو... من... أبو سليمان... أبو سلمة... أحسنت، أبو سلمة... أبو... أبو سليمان... ما لقبه؟ ما لقبه عندك أنت؟ نعم، ما لقبه؟ نعم، يا باشرف... سيف الله المسلول... سيف الله المسلول، مات على فراشه، وليس في جسمه موضع إلا وفيه جراح، إما رمية سهم، وطعنة برمح، أو ضرب بسيف. انظر، خاض المعارك، وكان في المقدمة، يخترق الصفوف، ومع هذا لم يقتل في معركة، لم يقتل في المعركة. طيب، وهو سيف الله، سله الله على المشركين، لم يهزم، رضي الله تعالى عنه. قال: «فقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله». ما معنى هذا؟ ما معنى هذا؟ وقفا. «وأما خالد، فإنكم تظلمون خالدا»: يعني تظنون أن خالدًا أجر هذه الدروع والركاب ومعدات القتال، أجرها للمسلمين، ويتقاضى أجرًا على ذلك؟ أبدًا، خالد أوقفها، وقفًا في سبيل الله عز وجل. «فإنكم تظلمون خالدا». قال: «وأما العباس، قال: فهي علي ومثلها ومثلها». قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم استلف منه زكاة عامين، زكاة عامين. وهذا على قول من يقول بجواز تعجيل الزكاة، تعجيل الزكاة، وهذا هو الصحيح. ولهذا قال النووي رحمه الله: «قال: والصواب أن معناها تعجيلها منه، وقد جاء في حديث آخر في غير مسلم: إن تعجلنا منه صدقة عامين». انتهى كلام النووي. لكن أشار العلامة البسام رحمه الله تعالى إلى أن هذا الحديث الذي هو في غير مسلم، من حديث ابن مسعود، وفي إسناده ضعف، وفي إسناده ضعف. ثم ختم رحمه الله تعالى هذا الباب بحديث عبد الله بن زيد بن عاصم. قال رحمه الله تعالى: «قال: وعن عبد الله بن زيد بن عاصم، قال: لما أفاء الله على رسوله يوم حنين...». يوم حنين، وغزوة حنين، يا إخوان، من الغزوات المشهورة، وكانت في السنة الثامنة من الهجرة، في شهر شوال، يعني بعد غزوة فتح مكة. وحنين واد يقع بين الطائف وبين مكة، وفي هذا الوادي وقعت تلك الغزوة، غزوة حنين. ﴿يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾. ما سببها؟ سبب هذه الغزوة: قالوا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح الله عليه مكة، وهزم المشركون، وأصبحت مكة دار إسلام ودار توحيد، هنا رغبت قبائل ثقيف وهوازن أن تأخذ مكانة قريش، مكانة قريش بين قبائل العرب، بين قبائل العرب. كيف ذلك؟ بأن يقضوا على المسلمين، ويحلوا بمكة، فتكون لهم الريادة والسيادة والزعامة، لأن قريشًا... أو لأن مكة هي قبلة العرب ووجهتهم الدينية. هنا جمعت تلك القبائل أعدادًا كبيرة، بلغت نحوًا من عشرين ألف مقاتل، وأمروا عليهم رجلًا يقال له: مالك بن عوف النصري. ومالك هذا عمل خطة، ما هي هذه الخطة؟ قال: نخرج مع كل مقاتل أهله وماله. اخرج إلى المعركة، تخرج أنت وزوجتك وأولادك، ومالك، ذه عند غنم، إبل، يلا، أخرجها معك إلى المعركة. لماذا؟ لكي لا يفر المقاتلون، إذا علم أنه إن فر سيأخذ زوجته وأولاده وأمواله. إذا... إذا ما سيفر أحد. هذه خطته. لما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم أن مالك بن عوف أخرج مع كل مقاتل أهله وماله، قال: «تلك غنيمة المسلمين غدًا إن شاء الله». كان في جيش المشركين رجل يقال له: دريد بن الصمة، رجل كبير في السن، أعمى، خرج ليس للقتال، كبير في السن ولا يرى، لكن من أجل أن يستفيدوا من خبرته وتجاربه. فبينما هو في الناس، سمع صياح أطفال، أطفال صغار، صيحون، وصوت شياه غنم. قال: ما هذا؟ قال: هذا مالك بن عوف أخرج مع كل رجل أهله وماله. قال: «راعي غنم، راعي غنم»، يعني هذا ما يصلح أن يرعى جيش، هذا يذهب يرعى له غنم. قال: «وهل يرد المنهزم شيء؟ الذي يرى الموت أمامه، هل يرده شيء؟» فاستدعى مالكًا وأنكر عليه هذه الفعلة، وقال له: «إنك إن كانت لك لم ينفعك إلا فارس برمحه وسيفه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك». فأصر على هذه الخطة، وأحضر سيفًا، ووضع قبضته على الأرض، وحده بين ثدييه، قال: «إن لم تطعني هوازن على ذلك لأتكئن عليه». قال: «لا، لا، خليك على ما أنت عليه، لا تتكأ ولا شيء». وحصل ما حصل في تلك المعركة التي كانت في الغلس، أي بداية الفجر، واستغل ذلك المشركون، فعملوا كمينًا، وكان فيه تأديب من الله عز وجل: ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾. بلغ المسلمون اثني عشر... مقاتلا، لم يبلغوا هذا العدد قبل ذلك، عشر آلاف أتوا لفتح مكة، وألفان ممن أسلم من مسلمة الفتح. قال بعض المسلمين، حديث عهد: «لن نهزم اليوم من قلة، نحن اليوم كثير». ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾. فاستقبلهم هوازن بالنبال، وكانوا أهل رماية، فهنا فر من فر من المسلمين، ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾. انظروا يا إخوان، لم يبقَ عند النبي صلى الله عليه وسلم إلا القليل، وهنا ظهرت شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم، الناس يفرون، وهو يركض بغلته إلى أين؟ إلى جهة العدو، إلى جهة العدو، ويقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب». أهل الطائف ما يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم، يقول لهم: «أنا محمد، أنا محمد». إذن شجاع بالفعل، وشجاع بالقول. والعباس عمه، وأبو سفيان بن الحارث بن عمه، وليس أبو سفيان صخر بن حرب، ابن عمه، أحدهما آخذ بلجام البغلة، والآخر آخذ برحلها، الذي يجلس عليه الراكب، لألا تسرع من نبي صلى الله عليه وسلم إلى جهة العدو. ثم أمر العباس أن ينادي، وكان جهوري الصوت، نادى: «يا بني فلان» في الأنصار، نادى: «يا أصحاب السمرة». فهنا يا إخوان، ماذا؟ عطفوا ورجعوا. طيب، لماذا نادى أصحاب السمرة؟ ما هي المناسبة؟ ما هي المناسبة في... نعم، بايعوه عليه الصلاة والسلام على ماذا؟ على... نعم، بايعوه على القتال، فلماذا لم تقاتلوا الآن؟ أيضًا بايعوه على عدم الفرار، ألا يفروا. طيب، لماذا فررتم الآن؟ بايعوه على الموت، على الموت. فلما سمعوا النداء رجعوا، والتحموا ببيئة المشركين. لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه التحموا ببيئة المشركين، قال: «الآن حمي الوطيس»، وأخذ حفنًا من تراب، ورمى بها في وجوه القوم، وكان النصر للمسلمين. وعندها، وعندها، وعندها... ماذا؟ هرب من هرب من هوازن، ودخلوا حصون الطائف، وفر من فر منهم. الصحابة قسموا إلى ثلاثة: فرقة تجمع الغنائم، في نساء، في أطفال، في ذهب، إبل، غنم، وفرقة أخرى تطارد المشركين، وفرقة ثالثة تحاصر الحصون بالطائف، بيئة الطائف. فغنائم عظيمة جدًا، أو في كبير تحصل عليه المسلمون في هذه الغزوة، أو في هذه الغزوة. قال: «لما أفاء الله على رسوله يوم حنين». طيب، ما هو الفرق بين الفيء وبين الغنيمة؟ ما هو الفرق بين الفيء وبين الغنيمة؟ نعم، الغنيمة: ما يتحصل عليه المسلمون من أموال المشركين بقتال، والفيء: بدون قتال، بدون قتال. طيب، وسبب ذلك أن المشركين فروا وتركوا الأموال، وتركوا ماذا؟ النساء والأطفال، والذهب، وكذلك الإبل والغنم وغيرها. قال: «قسم في الناس، وفي المؤلفة قلوبهم، ولم يعطِ الأنصار شيئًا». المؤلفة قلوبهم: هم أناس أسلموا، لكن لم يتمكن الإسلام في قلوبهم. ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. هؤلاء يعطون من هذا الفيء لكي يتمكن الإيمان في قلوبهم. يعطون أيضًا من الزكاة. والمؤلفة قلوبهم أيضًا: أدخل جماعة من أهل العلم بعض الكفار الذين يرجى منهم الإسلام، إنسان كافر لكن مسالم للمسلمين، فيعطى من الزكاة لأجل أن يسلم، لأجل أن يسلم، أو يكف أذيته عن المسلمين، عن المسلمين. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم أعطى بعض أشراف العرب، كالأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، وأبو سفيان صخر بن حرب بن عبد شمس، وغيرهم، أعطى من مئة ناقة، مئة من الإبل، أبو سفيان أعطاه مئة، قال ابن يزيد: قال مئة، وهكذا، أعطى عطاء عظيمًا. قال: «ولم يعطِ الأنصار شيئًا»، الأوس والخزرج، لم يعطهم شيئًا. قال: «فكأنهم وجدوا في أنفسهم»، يعني قالوا: الآن كيف هذا؟ أول غزوة بعد أن فتح الله عليه مكة، كيف يعني سيتركنا ويجلس في مكة، ويعطي أقاربه وبعض العرب، وما أعطانا شيئًا؟ هل انتهى دورنا؟ وجدوا في أنفسهم شيئًا. قال: ﴿إِذْ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَ النَّاسَ﴾، أي: ما أعطى الناس. قال: «فخطبهم»، استدعى كبارهم، كسعد بن عبادة، وكذلك أيضًا غيرهم، فذكروا له ما وجده الناس. قال: «اجمع لي أصحابك»، فجمعوا، وأتى النبي صلى الله عليه وسلم وخطبهم، فكان مما قاله ما في هذا الحديث. قال: «يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألف الله بي، أو فألفكم الله بي، وعالة يعني فقراء، فأغناكم الله بي». قال: كل ما قال شيئًا، قال: «الله ورسوله أمن»، يعني: يمن علينا بما شاء، يمن علينا بما شاء، أمن. قال: «ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله؟» قالوا: «الله ورسوله أمن»، يعني: بماذا نجيبك؟ المنّ لله ولرسوله، الله ورسوله أمن. قال: «لو شئتم لقلتم: جئتنا كذا وكذا»، في بعض الروايات: «جئتنا طريدا فآويناك، ومستضعفا فنصرناك»، إلى آخره، إلى آخره. قال: «لو شئتم لقلتم: جئتنا كذا وكذا، ألا ترضون؟». انظروا يا إخوان، مسألة تطييب الخواطر ومراعاة المشاعر، وهذا يا إخوان من الأصول العظيمة في هذا الدين، في هذا الدين، ينبغي على المسلم أن يراعي مشاعر الآخرين. مثلا: كان في ثلاثة جلوس، ذهب وأتى بثلاثة عصير، حين أن ذهب جاء واحد، جاء واحد، فجاء صاحبنا وأعطى الثلاثة، الواحد قد يجد في نفسه، تقول: يا أخي، معذرة، جزاك الله خير، ما كنت أعرف أنك موجود، العفو منك، فيحصل شيء من تطييب الخواطر. مررت على شخص ما رأيته، قال: يا أبا فلان، ألا تسلم علينا؟ تقول: لي أخي، معذرة، ما رأيتك، فيحصل تطييب خواطر ومراعاة مشاعر. وهذا الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم مع الأنصار. قال: «ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم؟» هذا معه ميت ناقة، وذاك معه خمس مئة غنيمة، طيب، وأنتم ترجعون إلى المدينة معكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا يا إخوان مما يدل على فضل الأنصار وقوة إيمانهم ويقينهم. قال: «وترجعون» أو «تذهبون» أو «تذهبون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم». «لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس واديا أو شعبا، لسلكت وادي الأنصار وشعبها». الأنصار شعار، والناس دثار. عندك يا بناب... الأنصار إيش؟ الأنصار شعار، والناس... والناس دثار. طيب، ها، عندك، ما الفرق بين الشعار والدثار؟ طيب، أحسنت، يا أبا عبد الرحمن، عندك: الأنصار شعار، والناس دثار، ما الفرق بين الشعار والدثار؟ الشعار: هو من الثياب ما يلي الجسد مباشرة، يلي الجسد، والدثار: نعم، ما يكون بعد ذلك. وهذا يدل على أن الأنصار ألصق الناس به، ألصق الناس به، بينما غيرهم يبعدون عنهم، بينما غيرهم يبعدون عنهم. وهذا يا إخوان كما سبق فيه فضيلة الأنصار. قال: «إنكم ستلقون بعدي أثرة»، يعني استئثار بالأموال والمناصب وغير ذلك، يأتي أناس يأخذون هذه الأشياء ولا يعطونكم شيئًا. قال: «فاصبروا حتى تلقوني على الحوض»، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض، أي حوضه عليه الصلاة والسلام، وهذا فيه إثبات الحوض، وأن المسلمين يريدون هذا الحوض، يريدون هذا الحوض. طيب، نختم هذا المجلس، وخاتمة هذا الباب، بما هي المناسبة التي لأجلها... التي لأجلها أورد المقدسي رحمه الله تعالى هذا الحديث؟ هذا يا إخوان مما استشكله الشراح، ما هي المناسبة؟ ولهذا ذكر الإمام ابن الملق رحمه الله تعالى في «الإعلام»: قال: «هذا الحديث لا مدخل له في الزكاة، إلا أن يقاس إعطاء المؤلفة قلوبهم منها على إعطائهم من الفيء والخمس». المؤلفة قلوبهم أحد أصناف الزكاة الثمانية، لكن هنا قال: «لما أفاء»، يعني: فيء، وليس زكاة، وليس زكاة، واضح. قال: «قال: إلا أن يقاس إعطاء المؤلفة قلوبهم من الفيء ومن الركاز... آه، ماذا؟ مثل ما أنهم يعطون في الزكاة، والمؤلفة قلوبهم». قال البسام في «تيسير العلام»: «قال: لم يظهر لي مناسبة واضحة لإيراد المؤلف هذا الحديث في كتاب الزكاة، قال: ولعل ذلك متابع لمسلم، حيث أخرجه في الزكاة من صحيحه، من صحيحه، ولعله أراد أن يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم في آخر أيام رسالته، وبعدما أعز الله الإسلام وقواه، أعطى المؤلفة قلوبهم من الغنيمة، خلافا يا إخوان لمن ذهب من أهل العلم إلى أنه بعد أن قوي الإسلام وأعز الله المسلمين لا يعطى المؤلفة قلوبهم شيء من الزكاة. قال: لا، هذا الرسول في آخر حياته وهو يعطي المؤلفة قلوبهم، وبعد أن قويت شوكة المسلمين، وأعز الله أهل الإيمان، وأعز الله أهل الإيمان، وماذا؟ فلعل المناسبة من هذا الباب: ذكر المؤلفة قلوبهم، وهم أحد أصناف الثمانية الذين تصرف لهم الزكاة، ويعطون من الزكاة، فأوردها هنا من أجل ماذا؟ ذكر هذا الصنف من أصناف الزكاة». وأصناف الزكاة كما سبق في الآية: ثمانية: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾. وذكر الفقراء والمساكين يدل على تغاير بينهم، لكن هذا إذا اجتمعوا، أما إذا تفرقوا في الذكر فقد يشمل أحد المعنيين الآخر، المعنيين الآخر، كالإسلام والإيمان: إذا اجتمعوا أي في الذكر افترقوا في المعنى، وإذا افترقوا في الذكر اجتمعوا في المعنى. وأيهما أحسن حالا: الفقير أو المسكين؟ من أحسن حالا؟ من أحسن حالا؟ الفقير أحسن حالا من المسكين... أحسنت، العكس، وهو أن المسكين أحسن حالا... الفقير، يا إخوان، قد يكون معدمًا، ليس عنده شيء، بينما المسكين قد يكون عنده شيء لكن لا يكفيه. «وأما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر»، قيل: أنهم يملكونها، وقيل: أجراء وعمال فيها. قال: «والمساكين، والمؤلفة قلوبهم»: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾. من العاملين عليها؟ الذين يقومون بجمع الزكاة، أيضًا حفظها، أيضًا توزيعها، كل هؤلاء يطلق عليهم أنهم عاملون فيها. قال: «والمؤلفة قلوبهم»، كما سبق، «والغارمين». من هم الغارمون؟ من هم الغارمون؟ يا أبا معاوية... الغارمون: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ بالله من المأثم والمغرم، فلما سئل عن ذلك قال: «إن الشخص إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف». فمن هم الغارمون؟ نعم، من هم الغارمون؟ عندك يا أخانا أبا حنيفة... الغارمون... يا أبا عبد الله... من فقد كل شيء... كيف بس يعني خسر أو فقد ما له؟ فقد... طيب، أحسنت. نعم، من يزيد؟ يا أبا زلفاء... من خلفك يا أبا حذيفة... نعم، من هم الغارمون؟ نعم، أصحاب الديون... أصحاب الديون، والغارمون. «وفي سبيل الله، وابن السبيل». وابن السبيل، وفي سبيل الله: أي في الجهاد والقتال. وابن السبيل: الذي انقطعت به النفقة، وماذا؟ ويحتاج ما يوصله إلى بلده، ويكمل به سفره، ويكمل به سفره. طيب، بهذا نكون قد انتهينا من هذا الباب، ويأتي معنا في الدرس القادم إن شاء الله الكلام حول زكاة الفطر. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكرًا لكم، شكرًا لكم، شكرًا لكم، شكرًا لكم.