التعليق على حلية طالب العلم 54

التعليق على حلية طالب العلم 54

الدرس في التعليق على حلية طالب العلم 54، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

آداب طالب العلم: الصبر والتقشف والتوازن بين الكتاب والسنة

يؤكد الدرس على ضرورة صبر طالب العلم على المشقة والجوع وتعب البدن، مستشهداً بأقوال السلف بأن العلم لا يُنال براحة الجسد. كما يبين وجوب العناية بالكتاب والسنة معاً، اتباع فهم السلف الصالح، وعدم مخالفة قول الجمهور إلا بعد تحقيق دقيق، مع إتقان آلات كل علم شرعي.

إتقان أدوات العلوم الشرعية شرط للتخصص والإتقان

يشير المقطع إلى أن الطالب لا يمكنه الإتقان في علم شرعي دون امتلاك أدواته المنهجية، مستشهداً بقصة الجمل وسم الخياط لبيان الفرق بين المبتدئ والمتخصص. ويختم بربط ذلك بآية التلاوة الحق التي تقتضي العمل بالعلم وإتقانه لا مجرد حمله.

خاتمة الدرس ودعوة للاشتراك في القناة

يختتم المتحدث بالثناء على الله والصلاة على النبي محمد، ثم يدعو المشاهدين للاشتراك في القناة لدعم المحتوى. وتكون هذه الخاتمة ختاماً للدروس السابقة مع تذكير بأهمية المتابعة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع آداب طالب العلم في حياته العلمية. ودائماً نكرر يا إخوان أهمية هذه الآداب التي يحتاجها طالب العلم أثناء طلبه للعلم. والإنسان في حياته كلها لا شك أنه يكون باحثاً عن العلم وطالباً له من المحبرة إلى المقبرة، كما قيل لبعض الأئمة وقد رُؤي يحمل أوراقاً ومحبرة، فقيل له: إلى متى وأنت تطلب العلم؟ فأجاب بجواب مختصر فقال: من المحبرة إلى المقبرة. وهكذا كان العلماء، كانوا مهتمين بتحصيل العلم إلى آخر ساعات ولحظات من حياتهم. لكن المقصود هنا في حياته العلمية أنه يكون لطالب العلم فترة يتفرغ فيها لطلب العلم ويجتهد فيها في أخذ العلم عن الآخرين، وهذه الفترة غالباً تكون في شبابه وبداية حياته العلمية. وفي هذه الفترة ينبغي أن يجتهد، وينبغي أن يُجد في أخذ العلم وحضور مجالس العلم وحفظ أبواب العلم. وهكذا أيضاً استغلال الأوقات في طلب العلم، وكما قيل: من كانت بدايته محرقة كانت نهايته مشرقة. فظن هؤلاء الأئمة والعلماء من السابقين أو من المتأخرين نالوا هذه العلوم وأتقنوا هذه الفنون بالنوم والكسل واللهو واللعب وتضييع الأوقات والأعمار فيما لا ينفع؟ الجواب: لا يا إخوان، وإنما كان عندهم من الجد والاجتهاد الشيء الكثير. صبروا على الجوع، وطالب العلم كثيراً ما يجوع فيصبر، وما الذي يعينه على الصبر؟ ثمرة العلم، تذكر الثمرة التي يجدها في المستقبل جزاء صبره، فيهون عليه التعب ويهون عليه الجوع. ومرة معنا أثر يحيى بن أبي كثير حين قال لابنه: اعلم أنه لا يستطاع العلم براحة الجسد، براحة الجسد. وكما قيل: خلق الله للعلم رجالاً، وخلق رجالاً لقصعة وثريدي. بعض الناس خلقوا للأكل، لا يصبرون على الجوع والتعب. خلق الله للعلم رجالاً أن يصبرون عليه ويتحملون المتاعب لأجله، وخلق رجالاً لقصعة وثريدي. والثريد: أي طعام لذيذ. طالب العلم يحتاج أن يصبر على المتاعب، يصبر على الحر. إذا كان أرباب الأعمال يشتغلون في الشمس مثلاً، وبعضهم يشتغل في مخبز، يعني حر الجو وحر العمل، النار التي تنبعث من المخبز، ومع هذا يصبر. شعر بحر شديد لا يستطيع أن يتحمله، خرج إلى خارج المحل يشم هواءً ويتنفس. طيب، فكيف بنا طلاب العلم ما نصبر ونحن نطلب شيئاً ثميناً وشيئاً عظيماً؟ إذا لا بد أن يصبر طالب العلم على المتاعب، على الفقر، على الجوع، يصبر على الطعام الناشف. يا إخوان، الطعام الناشف آذى فيه مصلحة لطالب العلم. لو كان كل يوم كبسات، كل يوم يوم لحم، يوم دجاج، يوم سمك، يعني جيد، الخبز يوم عسل، ويوم إلى غيرها، ما يستطيع أن يطلب طالب العلم العلم كما يطلبه من يعيش حياة متواضعة. حياة متواضعة، لا يستطاع العلم براحة الجسد، براحة الجسد. هذا الطعام يا إخوان الذي فيه شيء من التقشف وفيه شيء من النشافة والقلة هو الطعام الصحي لطالبي العلم. لكن لا بأس، لا بأس، بعض الأيام يتحسن الطعام، لا شك أن هذا يعتبر معيناً لطالب العلم، يعني يوم الجمعة يكون لحم أو دجاج أو صيد جيد، لا بأس في بعض الأحيان، لكن لا تجعله هذا هو الأصل. الأصل أن طالب العلم يرضى بالموجود. ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً قط، لاحظ: قط. إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه. ويعني من أدرك في بعض الفترات في مراكز ودور الحديث سيرى أن هذا الطعام يعتبر يعني جيداً بالنسبة لما كان عليه إخوانكم في دور الحديث ومراكز العلم. طيب. قال رحمه الله تعالى: قال طالب العلم يعيش بين الكتاب والسنة وعلومهما، وعلومها. طالب العلم يعيش بين الكتاب والسنة وعلومها. قال رحمه الله تعالى: قال فهما له كالجناحين للطائر. قال فهما له كالجناحين للطائر. قال: فاحذر أن تكون مهيض الجناح. مهيض الجناح، ومعنى مهيض الجناح: أي مكسور الجناح، مكسور الجناح. وهذا الكسر كما عبر بعض أهل العلم: كسر بعد جبر، بعد جبر، يعني قد جبر فكسر مرة أخرى، فقالوا: مهيض، أي مكسور بعد الجبر. كسر بعد جبر. وعبر بعضهم بأنه يكون ضعيفاً فاقد القوى. مهيض الجناح: أي ضعيفاً فاقد القوى. وهذا يا إخوان فيه أن طالب العلم يجعل اهتمامه بتعلم الكتاب والسنة، والسنة. تعلم الكتاب والسنة، ولا يهمل أحدهما على حساب الآخر. لا ينشغل بالقرآن ويترك الانشغال بالسنة، يقول: أنا حسبي القرآن فقط. لا، هذا مقصر. وهكذا العكس، ما يذهب ويهتم بالسنة، يحفظ الأحاديث والأسانيد ونحوها، ويهمل تعلم القرآن وحفظ القرآن والتفقه في القرآن. هذا كذلك أيضاً يعتبر مقصراً، هذا يعتبر مقصراً. وذكر الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى وغفر له أمراً ثالثاً، ذكر أمراً ثالثاً، ألا وهو أن يهتم طالب العلم بكلام العلماء وأقوال العلماء وفهم العلماء للكتاب والسنة. لا تذهب أنت وتصنع لنفسك فهماً، تقول: والله الآية هذه ممكن نستفيد منها كذا وكذا وكذا. طيب، من سبقك إلى هذا؟ من سبقك إلى هذا؟ وكما جاء عن بعض السلف أنه: إن استطاع الواحد ألا يحك ظهره إلا وله في ذلك سلف فليفعل. فلا يخترع قولا لم يقل ولم يذهب إليه أحد من أهل العلم. ونبه العلامة العثيمين رحمه الله تعالى إلى ما كان عليه العلماء الأجلاء المحققون، فبعضهم إذا ترجح عنده قول على سعة علمه يقول: إن كان أحد قال به وإلا فلا نقول به. إذا كان قال به أحد من السلف فهذا هو القول، أي الصحيح، وإذا لم يقل به أحد فلا عبرة به. ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كان كذلك، كان كذلك. ثم نبه الشيخ العثيمين على أمر، قال: أنت إذا رأيت أكثر العلماء على قول فلا تعدل عن قول أكثر العلماء إلا بعد التمحيص والتحقيق. يا إخوان، الجمهور وأكثر العلماء مخالفتهم تجعل في نفس الشخص هيبة، يهاب الواحد أن يترك قول أكثر العلماء وجمهورهم، إلا إذا كان هناك تحقيق في المسألة وتمحيص وأدلة صريحة تدل على خلاف ما ذهب إليه الجمهور. لكن مع قوة الخلاف ومع قوة الأدلة في الباب، فمخالفة الجمهور يعتبر من الأمور التي ينبغي أن لا يتساهل فيها طالب العلم. قال الشيخ العثيمين: قال لأنه من المستبعد أن يكون الأقل هم أهل العلم، يعني الأقل أن يكون معهم الصواب. هذا قد يكون نادراً أو قد يكون قليلاً، والغالب أن الصواب يكون مع الأكثر من أهل العلم، ولا سيما إذا كان معهم الدليل الصحيح الصريح الذي يقوي قولهم. والعبرة يا إخوان في الأول والأخير بماذا؟ بالدليل من الكتاب والسنة، العبرة بهذا. لكن طالب العلم لا يتسرع في مخالفة قول أكثر العلماء إلا بعد التمحيص والتحقيق كما ذكر العلامة العثيمين رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: أي في خاتمة هذا الفصل الخامس، ختمه بماذا؟ بهذا الأدب، قال: استكمال أدوات كل فن، أدوات كل فن. فما من فن يا إخوان يريد أن يدرسه طالب العلم إلا وهناك أدوات، هناك وسائل تعينك على إتقان ذلكم الفن، ذلكم الفن. على سبيل المثال: أراد أن يدرس في الفقه، ماذا يحتاج؟ يحتاج أن يتعرف على قواعد أصول الفقه، معرفة الأحكام الشرعية من الواجب والمستحب والمباح والمكروه والمحرم. يحتاج كذلك أيضاً أن يتعرف على أبواب من العام والخاص والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ ونحوها، ونحوها أيضاً يحتاج أن يتعرف على القواعد الفقهية. هناك قواعد أخذها العلماء من الأدلة الشرعية، تريد أن تبرز، تريد أن تتقن هذا الباب، لا بد يا إخوان من ماذا؟ من معرفة ودراسة تلكم القواعد الفقهية. وهكذا فيما يتعلق بعلم التفسير، يحتاج أن يتعرف على أصول التفسير، ما يتعلق بالمكي والمدني وأسباب النزول إلى غيرها. قال رحمه الله تعالى: قال لن تكون طالب علم متقناً متفنناً، قال: حتى يلج الجمل في سم الخياط، ما لم تستكمل أدوات ذلك الفن، أدوات ذلك الفن. ولاحظ قوله: لن تكون طالب علم، ليس أي طالب علم، لكن ماذا قال؟ متقناً متفنناً، حتى ماذا؟ حتى تستكمل أدوات ذلك الفن، إلا ماذا؟ إلا إذا ولج الجمل في سم الخياط. ما معنى ولوج الجمل في سم الخياط؟ نعم، ما معناه؟ أي: نعم، أذ، نعم، فضل عنده غير هذا أو ما سمعته؟ طهي، ما عندك هذا الجمل، ما المقصود به؟ ما هو الجمل؟ يعني البعير، دخل في ماذا؟ في الفتحة الصغيرة التي يدخل فيها الخيط. فالجمل يعني من أكبر ماذا؟ من أكبر الحيوانات، وفتحة الإبرة من أضيق الفتحات. فمتى ما دخل الجمل الكبير في هذه الفتحة الصغيرة هنا على قول الشيخ سيكون من ليس عنده أدوات هذا الفن ماذا؟ متقناً ومتفنناً. وربنا عز وجل قد ذكر في كتابه العزيز عن المشركين أنهم لن يدخلوا الجنة، لن يدخلوا الجنة إلا متى؟ إلا إذا دخل، حتى يلج الجمل في سم الخياط، في سم الخياط. ومعنى هذا أنه يستحيل أن يدخل أولئك المشركون الجنة، فإن الله عز وجل حرمها عليهم وجعل النار مثوى لهم. وبعضهم يقول: المقصود بالجمل يعني الحبل الذي تربط به السفينة، حبل تربط به السفينة. كيف هذا الحبل يعني دقيق أم عريض؟ الجواب: عريض. الحبل الذي تربط به السفن عريض. إذا دخل هذا الحبل في هذه الفتحة الصغيرة الضيقة فعندها سيدخل المشرك الجنة، الجنة، وأن له ذلك. وهكذا سيكون الطالب متقناً ومتفنناً في علم وليس عنده أدوات ذلك العلم، ذلك العلم. والمقصود من هذه العبارة يا إخوان ليس التأييس، وإنما المقصود هو أن يلفت انتباه طالب العلم إلى أنه يأخذ أدوات كل علم يريد أن يتعلمه، يريد أن يتعلمه. ثم جعل يبين في ذلك، فقال: ففي الفقه، أي إذا أراد أن يدرس الفقه، قال: ففي الفقه بين الفقه وأصوله. يريد أن يدرس الفقه، وليس شرطاً من البداية يدرس أصول الفقه، ممكن يأخذ له من الفقه ما يستعين به على العلم الواجب الضروري، كمعرفة أحكام الطهارة والصلاة وغيرها، ثم بعد ذلك يذهب ويدرس له في أصول الفقه والقواعد الفقهية إذا أراد أن يتخصص. لاحظوا يا إخوان: أراد أن يتخصص في علم من العلوم لا بد له من ماذا؟ من دراسة أدواته. وهذا معنى قوله: طالب علم متقناً متفنناً، يعني متخصص في الفقه لا بد أن يدرس أصول الفقه والقواعد الفقهية. وليس المقصود به ماذا؟ أن يطالب علم بدأ يدرس علماً. واضح يا إخوان؟ المقصود به من أراد أن يتخصص في علم لا بد أن يجتهد في معرفة أدوات هذا العلم. أما أن طالب علم فقد يدرس صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يدرس الأصول من علم الأصول، قد يدرس مثلاً عمدة الأحكام قبل أن يدرس كتاباً في أصول الفقه، ممكن. لكن مثل هذه الكتب المطولة لا بأس أنه إذا توغل في أبوابها وكتبها هنا هو سيتحمس ويتشجع لدراسة كتاب في القواعد الفقهية أو كتاب ولو كان ميسراً في أصول الفقه، وهكذا. قال: وفي الحديث، أي في علم الحديث، بين علمي الرواية والدراية. وهكذا علمي الرواية والدراية، أي أنه يجمع بين الأمرين، بين دراسة الأسانيد ومصطلح الحديث، وهكذا أيضاً بين الرواية، بين ما يتعلق بشروحات الأحاديث وفقه الحديث إلى غير ذلك. قال: وهكذا، أي فيما يتعلق باللغة، فيما يتعلق بالعقيدة، فيما يتعلق بغيرها من الأبواب الأخرى. قال: وإلا فلا تتعنى، أي لا تتعب نفسك. ويا إخوان، معرفة أدوات العلوم يسهل على طالبي العلم فهم مسائل وأبواب ذلكم العلم، ويجعل دراسته لذلكم العلم ماذا؟ دراسة فيها رغبة شديدة وعنده حرص شديد على أن يتعلم هذا الفن وهذا العلم. قال: قال الله تعالى: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته﴾، يتلونه حق تلاوته. لماذا يا إخوان استدل المصنف بهذه الآية؟ بين ذلك العلامة العثيمين رحمه الله تعالى، فقال: والمراد بالتلاوة هنا التلاوة اللفظية والتلاوة المعنوية والتلاوة العملية. قال: مأخوذة من تلاه إذا اتبعه، إذا اتبعه. قال: فالذين آتاهم الكتاب لا يمكن أن يوصفوا بأنهم أهل الكتاب حتى يتلوه حق تلاوته، حتى يتلوه أن يتبعونه حق الاتباع. ولهذا قال ربنا عز وجل: ﴿مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها﴾، أي لم يعملوا بها ولم يستفيدوا منها، قال: ﴿كمثل الحمار يحمل أسفاراً﴾. ما معنى الأسفار ها هنا؟ يحمل أسفاراً، نعم يا بازوهير، أي كتباً. أحسن. حمار تخيل حمار يحمل كتب، فماذا يستفيد الحمار من حمله لهذه الكتب إلا التعب والنصب؟ يحمل أسفاراً، يحمل أسفاراً. ﴿بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾. قال رحمه الله تعالى: قال فيستفادوا منها، أي من الآية، أن الطالب لا يترك علماً حتى يتقنه، حتى يتقنه. وبهذا نكون يا إخوان قد انتهينا من هذا الفصل الخامس، ويأتي معنا إن شاء الله عز وجل الفصل السادس في التحلي بالعمل. فالحمد لله أولاً وآخراً الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين. اشتركوا في القناة