الدرس في شرح مسائل الجاهلية 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
دعا الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى توحيد الله وإنكار المخالفات للإسلام، وانتشرت دعوته بمساعدة الإمام محمد بن سعود. كانت دعوته شاملة للإصلاح الديني في الجزيرة العربية وخارجها.
يعتبر اتخاذ الوسائط بين العبد وربه في العبادة والدعاء شركًا بالله، حيث لا يملكون الشفاعة أو التأثير. استدل الشيخ بالآيات القرآنية على بطلان هذه الممارسة.
التوحيد يعني عبادة الله وحده دون إشراك أحد معه، وطلب الشفاعة من غير الله باطل. العبادة يجب أن تكون خالصة لله وحده، والمشركون يخطئون بطلب الشفاعة من الأموات أو الصالحين.
الله وحده هو القادر على تلبية الحاجات وتغيير الأحوال، وطلب هذه الأمور من غيره شرك. الآية الكريمة تسلط الضوء على قدرة الله في الاستجابة للدعاء وكشف الضر.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فإن شاء الله تعالى كما قلنا نبدأ في القراءة والتعليق على كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب. أنشد الإمام رحمه الله تعالى. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: ومن يعرف متى ولد الشيخ، في أي سنة ولد؟ تذكرون ألف ومائة وخمسة عشر للهجرة، وتوفي ألف ومائتين وستة، فعاش إحدى وتسعين سنة رحمه الله. وكان في جهاد، طلب العلم في نجد، وطلب العلم في العراق، وتفقه فيها، ثم رجع إلى بلده ودعا الناس إلى توحيد الله جل وعلا، وأنكر أمورًا كان يراها عندهم مخالفة للإسلام، مخالفة للتوحيد، فأنكرها رحمه الله تعالى، واجتهد في ذلك. ويسر الله عز وجل له الإمام محمد بن سعود رحمه الله عليه، فقام معه وآزره، وقام معه بسيف، حاربه جماعات من القبائل التي هي مخالفة للتوحيد، لكن نصر الله عز وجل هذه الدعوة حتى انتشرت في الجزيرة كلها، وانتشرت أيضًا في خارجها. قال رحمه الله: وأثر هذه الدعوة إلى الآن، أثر هذه الدعوة إلى الآن، فانتشرت انتشارًا عظيمًا. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: هذه أمور، قال: فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عليها للجاهلية والكتابيين والأميين مما لا غنى للمسلم عن معرفتها. إما أنه لم يعمل بها كما قلنا، وإما أنه أنكرها، أو نزل القرآن بإنكارها. قال: فالضد يظهر حسنه، وبضده تتبين الأشياء. وكما قال الشاعر: عرفت الشر لا للشر، لكن لتوقيه، ومن لا يعرف الشر من الخير يقع فيه. قال حذيفة: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني. فهذه مسائل كلها مما يكون من الشر، ومن الأمور التي خالفت الإسلام، فذكرها الشيخ رحمه الله لأجل أن يبين أنها ليست من سبيل أهل الإيمان، وأن ضدها هو الحسن، وبضدها تتبين الأشياء. قال: فأهم ما فيها، وأشدها خطرًا، عدم إيمان القلب بما جاء به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإن انضاف إلى ذلك استحسان ما عليه أهل الجاهلية، تمت الخسارة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ﴾. أن يقول الشيخ: إن أعظم هذه وأشدها خطرًا عدم إيمان القلب بما جاء به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن الذي لا يؤمن بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم معنى ذلك أنه باق على أمر الجاهلية، باق على أمر الجاهلية من إنكار نبوة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولا شك أنه إذا أنكر النبوة سيقع في هذه الأشياء كلها، ومنها عبادة غير الله جل وعلا. فإن العبد إن لم يخضع لله فإنه سيخضع لغيره ولابد، كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله عليه: إن العبد إذا لم يخضع قلبه لله فإنه سيخضع لغير الله ولابد، وسيعبد غير الله، ولو أنه يعبد الشيطان، يتسلط عليه الشيطان، يتسلط على أفكاره. ثم شرع رحمه الله في هذه المسائل، وبعضها أطال فيها، وبعضها ذكرها فقط. فأول مسألة من هذه المسائل قال: أنهم يتعبدون بإشراك الصالحين في دعاء الله وعبادته، يريدون شفاعتهم عند الله، لظنهم أن الله يحب ذلك، وأن الصالحين يحبونه، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. فهذه مسألة اتخاذ واسطة بين العبد وربه في دعائه وعبادته. فهؤلاء اتخذوا أناسًا من الصالحين، قد يظنونهم هكذا، وقد يكونوا غير صالحين أصلًا، لكن حتى ولو كانوا من الصالحين فإنهم أيضًا يدخلون في هذا الباب. قال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾، أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب، ويرجون رحمته ويخافون عذابه، إن عذاب ربك كان محذورًا. أي: هؤلاء الذين تدعونهم أنتم، هم يدعون الله ويستغيثون بالله ويطلبون من الله. وكيف أنتم تطلبون منهم وتدعونهم من دون الله؟ وذكر الشيخ رحمه الله الآيات التي تبين أن هؤلاء اتخذوا هذه الآلهة شفعاء، يظنون أنهم شفعاء عند الله، سيشفعون لهم يوم القيامة. وهذه الشفاعة التي نفاها الله عز وجل يوم القيامة عن المشركين، وأنهم لا يشفعون لهم، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، ولا يشفعون إلا بإذنه. قال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَلَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾، أولًا أنهم ما يملكون شيء من مخلوقات الله حتى الذرة، الشيء اليسير ما يملكونه، فلا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، وما لهم فيهما من شرك، أي: ليسوا شركاء أيضًا، وما لهم فيهما من شرك، وما لهم منهم من ظهير، أي: ليس هناك أيضًا من يعاون الله عز وجل منهم، أو يستفيد الله عز وجل منهم، أو يطلب منه الإعانة، وما لهم فيهما من ظهير. ولا يملكون الشفاعة عنده إلا لمن أذن له، أيضًا حتى الشفاعة لا يملكونها أبدًا إلا من أذن الله عز وجل له بالشفاعة يوم القيامة. فلهذا فطلب الشفاعة من أولئك لا تغني عنهم. قال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، بدل ما يصرفون العبادة لله يصرفونها لغير الله. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وهذا هو الذي حصل عند المشركين في زماننا، يظنون أن هؤلاء المقبورين أنهم سيشفعون لهم يوم القيامة، وأنهم سيقربونهم إلى الله يوم القيامة. فلهذا يصرفون لهم العبادات، يستغيثون بهم. قال رحمه الله: كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، قالوا: أن لا يقبل من الأعمال إلا الخالص. وأخبر: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، ونفى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾، قالوا: أن لا يقبل من الأعمال إلا الخالص. وأخبر أن من فعل ما استحسنوا فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. قالوا: هذه المسألة التي تفرق الناس لأجلها بين مسلم وكافر، قالوا: هذا سبب الصراع. هذه المسألة هي سبب الصراع بين الرسل وأقوامهم، وهي أيضًا مسألة التفريق بين أهل الإسلام وأهل الكفر. فرق الله عز وجل بين هؤلاء بهذه المسألة العظيمة. لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فرق بين الناس»، فرق بين أهل الباطل وأهل الحق، لتوحيد الله جل وعلا. قالوا: عندها وقعت العداوة، ولأجلها شرع الجهاد، كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، يعني ليس لأحد شيء، الدين يكون خالصًا لله جل وعلا. فهذه من أعظم المسائل، وبدأ بها، وهو توحيد الله جل وعلا، وعدم الإشراك به سبحانه وتعالى. فهذه من أعظم المسائل التي خالف فيها أهل الجاهلية، أو خالف رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهل الجاهلية، بل أنكر عليهم الشرك، أنكر عليهم الشرك ودعاء الصالحين أو غيرهم، فكل ذلك من دعاء غير الله جل وعلا والعبادة والاستغاثة، كله باطل. وقد أكثر الله عز وجل في القرآن من إبطال هذا الباب، بل هناك آيات كثيرة في إنكار هذا الأمر العظيم، وهو دعاء غير الله أو استغاثة بغير الله جل وعلا. وكما قال الله عز وجل: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾، هل هناك إله يفعل هذه الأمور، يكشف الضر ويحول هذا الضر من شيء إلى آخر، ويحول العافية إلى غيرها؟ ليس هناك إلا الله عز وجل، فمن طلبها من غير الله فهو مشرك، ويعتقد أن هناك من يملك هذه الأمور. فإن شاء الله تعالى نكتب بهذا.