الدرس في شرح مسائل الجاهلية 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح أهمية الاجتماع في الدين والدنيا وكيف أن الإسلام جاء ليجمع الناس على دين واحد. النبي صلى الله عليه وسلم عمل على تحقيق هذا الاجتماع بين المسلمين.
غضب النبي عليه الصلاة والسلام عند محاولة إثارة العصبية بين الأوس والخزرج، وشدد على أهمية الجماعة في الإسلام. الإسلام يحذر من دعوات الجاهلية والتفرق.
الإسلام نهى عن التفرق سواء في الدين أو الدنيا، وحث على الاجتماع والتعاون. الأحزاب الإسلامية تسببت في تفرقة المسلمين رغم اتحاد دينهم وعقيدتهم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: المسألة الثانية أنهم متفرقون في دينهم، كما قال تعالى: ﴿كل حزب بما لديهم فرحون﴾، وكذلك في دنياهم، ويرون أن ذلك هو الصواب. فأتى بالاجتماع في الدين بقوله: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾. وقال تعالى: ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء﴾، ونهانا عن مشابهتهم بقوله: ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات﴾. وقال: ﴿ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا﴾، وهذا في الآية التي ذكرها أولًا في آية الروم. قال: ونهانا عن التفرق في الدنيا بقوله: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا﴾. وهذا الأصل، وهو أصل الاجتماع، هو غائب عند أهل الجاهلية، فإنهم يحبون التفرق. ولهذا من قرأ في تاريخ أهل الجاهلية وجدهم طوائف متفرقة، وكل قبيلة تقاتل الأخرى. وأيضًا يعيشون في خوف، لا يستطيع الشخص أن يأمن على نفسه من تعدي غيره، وكذلك انتشار اللصوص وانتشار قطاع الطرق، وغير ذلك مما كان حاصلًا في الجاهلية. وقد جاء الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم حتى يجتمع الناس على دين الله جل وعلا، يجتمعون على شرعه، يجتمعون على عقيدة واحدة، ويجتمعون أيضًا على مبادئ وشرع واحد. فجمعهم الله عز وجل بهذا الدين العظيم: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾. ولهذا أول أصل فعله النبي عليه الصلاة والسلام لما جاء إلى المدينة، فإنه آخى بين المهاجرين والأنصار حتى تشتد رابطة الأخوة، وحتى اشتد الاجتماع. فقد كان الأوس والخزرج متفرقين، فرقهم اليهود. ولهذا تجد أن بعضهم أحلاف أو تحالفوا مع بعض قبائل اليهود، فالأوس كانوا مع بني قريظة، والخزرج كانوا حلفًا لبني قينقاع ولبني النضير، وهكذا؛ لأجل أن يفرقوا بين الناس. فجاء شرع الله عز وجل وجمعهم. ولهذا لما أراد بعض الناس أن يعيد هذه النعرات بين الأوس والخزرج، غضب النبي عليه الصلاة والسلام غضبًا شديدًا، حتى قال: «أبي دعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم، دعوها فإنها منتنة، دعوها فإنها منتنة». وشدد النبي عليه الصلاة والسلام فيمن يأتي بمثل هذه النعرات الجاهلية أو يقول بها أو يصيح بها. ولهذا جعل النبي عليه الصلاة والسلام أمر الجاهلية كله تحت قدمه. وقال عليه الصلاة والسلام، كما في حديث أبي هريرة: «من تعزى بعزى الجاهلية فعضوه بهن أبيه ولا تكنوه». أي لا تتوجس من هذا الكلام؛ لأن هذا جاء بشيء خبيث، جاء بهذه الدعوات الجاهلية. فقال: «فعضوه بهن أبيه»، معناه: يقال له اعضوه هن أبيك، المراد الهن هو الذكر. «فعضوه هن أبيك»؛ لأنه يأتي بمثل هذه النعرات الجاهلية. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أو مثل من يأتي بهذه النعرات مثل الجعل الذي يدفع الخراء بأنفه». أن الجعل: هذه الحشرة السوداء، عندنا يسمونها جحمة، معناه في اللهجة المحلية يسمونها جحمة أو حمة، هذه الجعل السوداء هذه تدفع النتن. فمثل النبي عليه الصلاة والسلام هذا الذي يدعو بدعوة الجاهلية من التفرق، بمثل هذه الحشرة التي تدفع النتن وتجمعه، تدفعه وتجمعه في مكان واحد. فهذا الذي يدعو الناس إلى الجاهلية كأنه يأتي بالنتن والخبائث ويجمعها. فلهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ذروها فإنها منتنة، وادعوا عباد الله أو وادعوا بما سماكم الله المسلمين، عباد الله أو قال المسلمون المؤمنون، عباد الله». فلهذا أيضًا من الأصول العظيمة التي دعا إليها النبي عليه الصلاة والسلام لما ذكر وصية يحيى بن زكريا لقومه، قال: «وأنا أمركم بخمس»، وذكر منها الجماعة. فالجماعة أصل في دين الإسلام، ولا سنة ولا سنة إلا بجماعة، كما كان السلف يقولون: «لا سنة إلا بجماعة»، ما تكون سنة فيها التفرق، هذا ليس من السنة أبدًا. ولا دين يقوم إلا بجماعة، ولا دين يقوم إلا بجماعة. فلهذا يتمسك المؤمن بجماعة المسلمين وبجماعة السنة. ولهذا قيل لأهل السنة: «أهل السنة والجماعة»، أهل السنة والجماعة؛ لأنهم جمعوا بين السنة، وكذلك جمعوا الناس لأجل السنة: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾. وقال المؤلف رحمه الله: قال: ونهانا عن التفرق في الدنيا بقول: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا﴾. والمراد بالافتراق هنا افتراق الدين، وهو أعظم، وكذلك افتراق الدنيا. فجمعهم الله عز وجل وأمر بتجميعهم واجتماعهم لأجل الدين ولأجل الدنيا، والدين أعظم. فإن الخلاف في الدين كما سماه النبي صلى الله عليه وسلم هو الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين. فهذا المقاطعة والمدابرة والخلاف، فإنه كله يحلق الدين. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلكم على خير لكم من ذلك؟ أن إصلاح ذات البين؛ فإن إفساد ذات البين هي الحالقة». جاء في رواية أخرى: «لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين»، تحلق الدين. فهذا الباب شدد الشرع فيه، أي في التفرق، وإنما هو دين أهل الجاهلية، دين أهل الجاهلية. ولهذا تجد أعداء الله عز وجل يحرصون على تفرقة المسلمين. ولعل أكثرنا يقرأ وقد قرأ فيما حصل عندما جاء الاستعمار إلى الدول الإسلامية، الاستعمار سواء كان البريطاني أو الفرنسي أو غير ذلك من أهل التحالف الذين تحالفوا على المسلمين وضد المسلمين، فحاولوا أن يفرقوا المسلمين إلى دول صغيرة. أنا أنظر إلى حضرموت، حضرموت دولة واحدة فرقوها إلى عدة دول، وعزلوا منها شبوة، شبوة كانت هذه عاصمة حضرموت، فعزلوا شبوة من حضرموت. وأيضًا جعلوا حضرموت مقسمة، هذا للقعيطي وهذا للكثيري، وهذا تعمد حتى يتفرق أهل الإسلام. وفي كل مكان تجدهم يفعلون هذه الأمور، في كل الدول يفرقون بين الدول، ويفرقون أيضًا بين الشعب الواحد أو القبيلة الواحدة، أحيانًا يفرقون بينها، ويحاولون أن يحيوا النعرات الجاهلية؛ لأنهم بهذه النعرات يتفرق أهل الإسلام. فبهذا يقول الشيخ: إن هذه الصفة كانت عند أهل الجاهلية، والإسلام جاء بخلافها، وجاء بالاجتماع على دين الله جل وعلا، والاجتماع على الخير، وتعاون في الخير والبر، وعدم التعاون في الإثم، وعدم التفرق. ﴿ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا كل حزب بما لديهم فرحون﴾. ولهذا تجد أن العلماء يحرمون التحزب، يحرمون التحزب في شرع الله؛ لأنه يحيي الفرق بين المسلمين، ويحيي النعرات بين المسلمين. وانظروا إلى هذه ما تسمى بالأحزاب الإسلامية، فإنها فرقت بين المسلمين أيما تفرقة، فجعلت أهل الدين الواحد متفرقين، حتى أهل السنة كانوا على عقيدة واحدة وعلى دين واحد، حتى ظهرت فيهم هذه الأحزاب السياسية، ففرقت بين أهل الإسلام. فنكتفي بهذا.