شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 32

شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 32

الدرس في شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 32، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أقسام الناس في العبادة والاستعانة بالله وأفضلها

يذكر المقطع تقسيم الإمام المقريزي للناس إلى أربعة أقسام في العبادة والاستعانة مستنداً إلى ابن القيم، مبيناً أن أفضلهم من يعبدون الله ويستعينون به على عبادته. وتكون الاستعانة بالدعاء والتوكل، وأفضل الدعاء سؤال الله الإعانة على مرضاته لأن العبد إذا وكل إلى نفسه هلك.

أهمية الاستعانة بالله على الطاعة وخطر إجابة الدعاء على غير مرضاته

يؤكد المقطع أن أنفع الدعاء هو طلب العون من الله على طاعته وعبادته مستشهداً بحديث معاذ بن جبل. ويبين أن الله قد يستجيب لدعاء الكافر كإبليس لكن ذلك قد يكون زيادة في شقوته، لذا يجب سؤال الله أن يجعل العطايا عوناً على الطاعة لا سبباً للطغيان.

حقيقة الإكرام والإهانة: المال ابتلاء لا كرامة

يوضح المقطع أن المال نعمة وابتلاء قد تفضي إلى البطر والغفلة، فلا يدل اتساع الرزق على كرامة العبد ولا ضيقه على هوانه. والإكرام الحقيقي هو توفيق الله للعبد لمعرفته ومحبته وعبادته، والمعيار هو الصبر والشكر لا كثرة المال.

خاتمة القسم الثاني والإشارة إلى القسم القادم

يختتم المتحدث القسم الثاني من أنواع العبادة مع الاستعانة، ويعلن أن القسم الثالث سيتم تناوله في الدرس اللاحق إن شاء الله. ويشير إلى أن الترجمة من إنجاز نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال الإمام المقريزي رحمه الله في "تجريد التوحيد المفيد": "واعلم أن الناس في عبادة الله تعالى والاستعانة به على أربعة أقسام". قال: "انقسمون إلى أربعة أقسام، أحوالهم في العبادة والاستعانة: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}". وهذا كلام الإمام ابن القيم في "مدارج السالكين"، لكن الشيخ هنا يذكر كلام شيخ الإسلام ابن القيم لكن لا يسميه. قد يكون هذا لأجل ما حصل أيضًا لابن عزالدين الحنفي، فكان يذكر كلام شيخ الإسلام وكلام ابن القيم ولا يسميهم؛ لما كانت عندهم في ذلك الوقت الحملة الشرسة على أهل السنة، وخاصة على شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، فلذلك لم يذكروا أسماءهم. فقال: "واعلم أن الناس في عبادة الله تعالى والاستعانة به على أربعة أقسام: أجلها وأفضلها أهل العبادة والاستعانة بالله عليها". أي: يعملون ويعبدون الله عز وجل، وأيضًا يستعينون بالله على ذلك؛ يستعينون بالله عز وجل على عبادتهم. والاستعانة تكون بأشياء: إما بالدعاء، وإما كذلك بالتوكل على الله وإرجاع الأمر إليه، واللجوء والاستعاذة به والاعتصام به، وغير ذلك. هذه كلها تكون استعانة بالله عز وجل. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله». «احرص على ما ينفعك» أي: في دينك ودنياك، واجعل استعانتك بالله؛ أن الله يعينك على ذلك. لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «يا معاذ، إني أحبك في الله، فلا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». فالاستعانة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إن أفضل الأدعية التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم وأجملها، وهي طلب الإعانة من الله: برحمتك أستغيث، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين". لأن الإنسان إذا وكل إلى نفسه هلك وأضل الطريق، فلذلك يحتاج المؤمن إلى عبادة واستعانة؛ أن الله عز وجل يعينه على هذه العبادة. فإذا لم يكن معه إعانة فإنه ييأس ويبتعد عن هذه العبادة. قالوا: "أجلها وأفضلها: أهل العبادة والاستعانة بالله عليها". فعبادة الله غاية مرادهم، وطلبهم منه أن يعينهم عليها ويوفقهم للقيام بها، نهاية مقصودهم. فهم ليس فقط أنهم يفعلون هذه العبادة عن تخلص، وأن هذا شيء واجب عليهم فقط يؤدونه، بل يحرصون على هذا الواجب ويتمنون أن الله عز وجل يثبتهم عليه؛ لأن مرادهم هذا، ونهاية قصدهم أن يوفقوا للعبادات والطاعات، ويجدون اللذة في طاعاتهم لله. قالوا: "لهذا كان أفضل ما يسأل الرب تعالى الإعانة على مرضاته". لهذا قال: "كان أفضل ما يسأل الرب تعالى الإعانة على مرضاته، أن يسأله خلقه وعبيده وأهل الإيمان خاصة، يسألونه الإعانة على مرضاته جل وعلا". قال: "وهو الذي علمه النبي عليه الصلاة والسلام لمعاذ بن جبل، فقال: يا معاذ، والله إني لأحبك، فلا تدع أن تقول في دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك". وهذا الحديث في السنن، وهو حديث صحيح، صححه شيخنا، شيخه مقبل، ذكره في "الصحيح المسند". قال: "فأنفع الدعاء طلب العون على مرضاته تعالى". أنفع الدعاء أنك تطلب الإعانة من الله؛ كل شيء فيه إعانة من الله فإنك توفق إلى ذلك الشيء ويثبتك الله عليه. فإذا حرم الإنسان من الإعانة من الله فإنه يخذل. قال النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الرحمن بن سمرة: «يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن سألتها وكلت إليها، وإن أعطيتها أعنت عليها». فالإعانة ثبات وتوفيق من الله. قالوا: "يقابل هؤلاء القسم الثاني: المعرضون عن عبادته والاستعانة به، فلا عبادة لهم ولا استعانة. بل إن سألوا تعالى واستعانوا به، فعلى حظوظهم وشهواتهم". والله سبحانه يسأل من في السماوات والأرض، ويسأله أولياؤه وأعداؤه، فيمد هؤلاء وهؤلاء. وأبغض خلقه إبليس، ومع هذا أجاب سؤاله وقضى حاجته، متعه بها؛ لما قال: {رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ}. فاستجاب الله عز وجل لهذا اللعين، مع أنه طرده ولعنه، إلا أنه استجاب له. قال: "وهو حكم من الله جل وعلا، ولكن لما لم تكن عونًا على مرضاته...". أنا هذا السؤال وهذا كما قلنا استدلال عظيم من شيخ الإسلام ابن تيمية وكذلك ابن القيم؛ لأن هذا الذي لا يستعين بالله وليس له عبادة، أي أنه كافر لا يعبد الله، لكن تجد أنه يسأل الله، يسأل الله لكن بدون أن يعينه الله على ذلك، مثل ما سأل إبليس كما ذكر هنا. لم يطلب الإعانة من الله، وإنما وكل إلى نفسه، لكن ربنا جل وعلا أجاب سؤاله وقضى حاجته، متعه بها، قال: "ولكن لم تكن عونًا على مرضاته، كانت زيادة في شقوته وبعده". وهكذا كل من سأله تعالى واستعان به على ما لم يكن عونًا له على طاعته، كان سؤاله مبعدًا له عن الله. فليتدبر العاقل هذا، وليعلم أن إجابة الله لسؤال بعض السائلين ليست لكرامته عليه، بل قد يسأل عبده الحاجة فيقضيها له وفيها هلاكه، ويكون منعه منها أو منعه منها حماية له وصيانة. مثل الذي يطلب المال، الذي يدعو الله عز وجل أن يعطيه مالًا، ولا يسأل الله عز وجل أن يعينه على هذا المال وأن يجعل هذا المال في مرضاته، فيعطيه الله عز وجل مالًا فيطغى. كم من إنسان كان فقيرًا على خير، فلما آتاه الله عز وجل المال طغى في هذه الحياة، طغى في هذه الحياة، وبدل ما كان على طاعة كان على معصية، بل كان على فسق وكفر، والعياذ بالله. ولهذا لما في حديث عوف بن مالك، لما قال ذاك الرجل: يا رسول الله، هل يأتي الخير بالشر؟ المال خير، كما قال الله عز وجل: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا}. وقال في سورة العاديات: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ}. حب الخير هنا: حب المال. فقد يكون الإنسان عنده محبة للمال، وهذا المال خير، أعطاه الله عز وجل رزقًا من الله، لكن ليس فيه صلاحية، يضله هذا المال، يبطر ويتكبر، ويدع الصلوات، وكذلك يشغل عنها. قال رحمه الله: "فليتدبر العاقل هذا، وليعلم أن إجابة الله لسؤال بعض السائلين ليست لكرامته عليه، بل قد يسأله عبده الحاجة فيقضيها له وفيها هلاكه، ويكون منعه منها حماية له وصيانة". والمعيار من عصمه الله، والإنسان على نفسه بصيرة. قال: "وعلامة هذا أنك ترى من صانه الله من ذلك وهو يجهل حقيقة الأمر، إذا رآه سبحانه يقضي حوائج غيره، يسو ظنه به تعالى، وقلبه محشو بذلك وهو لا يشعر، يقول: هذا أنا أعمل أنوية، لماذا الله عز وجل يستجيب له ولم يستجب لي؟". مثل ما ذكر الله عز وجل عن ابني آدم، فقربا لله عز وجل ودعا الله، فتقبل الله عز وجل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، قال: {لَأَقْتُلَنَّكَ}. قال: "وأمارة ذلك -أي علامة أيضًا- ذلك: حمله على الأقدار، وعتابه في الباطل لها، يعاتب الله عز وجل". ولقد كشف الله تعالى هذا المعنى غاية الكشف في قوله تعالى: {فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا}. أي: ليس كل من أعطيته ونعمته وخولته فقد أكرمته، وماذا كالكرامة؟ يعني: معنى "كلا" ليس كل من أعطيته المال فهو مكرم، ولكنه ابتلاء مني وامتحان له: أن يشكرني فأعطيه فوق ذلك، أم يكفر به فأسلبه إياه، أن آخذه منه وأحوله عنه لغيره. وليس كل من ابتليته فضيقت عليه رزقه وجعلته بقدر لا يفيق عنه، فذلك من هواني عليه، ولكنه ابتلاء وامتحان مني له: أيصبر فأعطيه أضعاف ما فاته، أم يتسخط فيكون حظه السخط؟ قال: "بالجملة، فأخبر تعالى أن الإكرام والإهانة لا يدوران على المال وسعة الرزق وتقديره. ليس الإكرام والإهانة في هذا؛ فإنه سبحانه يوسع على الكافر لا لكرامته، ويقتر على المؤمن لا لهوانه عليه". بل حتى في المؤمنين، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إني لا أعطي ناسًا وغيرهم أحب إلي منهم، خشية أن يكبهم الله في نار جهنم». يعطيهم لأجل أن لا يطغوا في الحياة، أو لأجل أن لا يبتعدوا عن دين الله، فيتألفهم بهذا المال. قال: "وإنما يكون سبحانه من يكرم من عباده بأن يوفقه لمعرفته ومحبته وعبادته واستعانته". هذا هو الإكرام العظيم. فعادت سعادة الأبد في عبادة الله والاستعانة به عليها. فهذا القسم الثاني، وإن شاء الله نذكر في الدرس اللاحق القسم الثالث من أنواع العبادة مع الاستعانة. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر. شكرًا.