كتاب الحج 8

كتاب الحج 8

الدرس في كتاب الحج 8، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

مراجعة أحكام قتل الفواسق وتحريم المدينة ووادي وج

يراجع المقطع أحكام قتل الفواسق الخمس وإلحاق الصغار بالكبار، ويناقش تحريم المدينة واختلاف العلماء في سلب قاطع شجرها. كما يوضح أن وج وادٍ بالطائف لا يحرم صيده عند الجمهور، ثم يستهل باب دخول مكة بحديث دخول النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح وأمر بقتل ابن خطل.

حكم دخول مكة بغير إحرام وأدلة ذلك

يشرح المقطع حديث أنس رضي الله عنه عن دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر، مستدلاً بذلك على جواز دخول مكة بغير إحرام لمن لا ينوي حجاً أو عمرة. كما يذكر حديث ابن عمر رضي الله عنهما في بيان طريق الدخول والخروج من مكة، ويوضح قصة قتل ابن خطل متعلقاً بأستار الكعبة لارتداده وإيذائه النبي صلى الله عليه وسلم.

كيفيّة دخول النبي مكة والكعبة وآداب الزيارة

يوضح المقطع كيفيّة دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة من الثنية العليا وخروجه من السفلى، ويستحب دخول المسجد الحرام من باب بني شيبة اقتداءً به. كما يروي حديث ابن عمر عن دخول النبي الكعبة عام الفتح مع أسامة وبلال وعثمان بن طلحة، وصلاته فيها بين العمودين اليمانيين.

أحكام الصلاة داخل الكعبة وتاريخ أعمدة الكعبة وحجر إسماعيل

يوضح المقطع جواز صلاة المنفرد بين السواري والأعمدة بخلاف المصلين جماعة، ويناقش خلاف العلماء في جواز صلاة الفريضة داخل الكعبة وعلى سطحها مرجحاً الجواز. كما يبين أن حجر إسماعيل جزء من الكعبة أخرجته قريش لضيق النفقة الحلال، ويختتم بذكر الأحاديث الثلاثة التي دُرسَت في المجلس.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. أما بعد، فمر معنا في الدرس الماضي ضمن أحاديث كتاب الحج من عمدة الأحكام للإمام الحافظ أبي محمد عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى، بابٌ في ما يجوز قتله. وقلنا: هذا الباب أتى به بعد الباب الذي قبله فيما يتعلق بتحريم القتل وتنفير الصيد وقطع الأشجار وغير ذلك مما لا يجوز في حرم مكة، أتى بهذا الباب الذي فيه بيان ما يجوز قتله من الدواب في الحل والحرم، وهذا يعتبر كالاستثناء مما قبله؛ يعني لا يجوز قتل الحيوان في حرم الله عز وجل، لكن هذه الفواسق الخمس -وهناك زيادة، ست، زيادة الحية- هذه مستثناة فيجوز قتلها، بل جاء في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتلها. وقوله عليها الصلاة والسلام: «خمس من الدواب»، والدواب جمع دابة، والمقصود بها ما يدب على الأرض من حيوان أو طير أو غيرها. قال: «كلهن فاسق»، وفي بعض الروايات: «كلهن فواسق»، كما هي رواية الإمام مسلم رحمه الله تعالى. والفسوق المقصود به الخروج عن الاستقامة، كما في قوله عز وجل: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾، يعني خرج عن أمر الله إلى المعصية وعدم الاستجابة لأمر الله عز وجل. وقلنا: سُميت هذه الدواب فواسق لخروجها بطبعها عن سائر الحيوانات وذلك بالتعدي، وهكذا أيضاً بالأذى الذي تلحقه بالإنسان، ويلحق بها ما شاكلها وما ذلاها من الدواب الأخرى. ذكر عليه الصلاة والسلام: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور. وقلنا: معنى العقور أي المعتدي الضاري الذي يعتدي على الناس، يدخل في هذا السباع والوحوش التي تلحق الضرر بالإنسان، وقد تعتدي على البهائم والدواب، يدخل في هذا الذئاب والثعالب، وكذلك النمور والأسود والفهود وغيرها مما يعقر ويؤذي، ولربما كذلك أيضاً يقتل. وقلنا: ألحق بها العلماء ما كان مثلها في الأذى والضرر. جاء في بعض الروايات ذكر ست، فزِيدت الحية، وفي بعضها ذكر الحية بدلاً من العقرب، وهكذا جاء في بعضها الأفعى وهي الثعبان الحية، وجاء في بعضها السبع العادي، بل ورد ذكر الذئب والنمر. وقلنا: ذكر الذئب والنمر إنما هو تفسير للكلب العقور، وهو تفسير من بعض الرواة. واختلف العلماء في صغار هذه الدواب الفواسق: هل تلحق بالكبار فتقتل، أم أنها تستثنى لأنها ليست محلاً للضرر والأذى؟ وقول من ألحق الصغار بالكبار هو الصواب والله تعالى أعلم، لأن الصغير يكبر ويكون مؤذياً وضاراً كالكبير. وكذلك أيضاً ذكرنا في الدرس الماضي ما يتعلق بحرم المدينة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم حرم المدينة، فقال: «المدينة حرم من عير إلى ثور»، كما في حديث علي رضي الله تعالى عنه. وجاء في الصحيحين من حديث عباد بن تميم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة». وتحريم مكة هذا متفق عليه، وتحريم المدينة وقع فيه خلاف يسير بين أهل العلم، والصحيح أنها حرم. وحرم المدينة يزيد على حرم مكة بأمر، فما هو هذا الأمر؟ حرم المدينة يزيد على حرم مكة بأمر... نعم، سكة... هي السويب... لك... ماذا... لك... نعم، لك سلبه. أحسنت. كما جاء في حديث سعد بن أبي وقاص في صحيح مسلم وغيره: «أن من وجد من يقطع في شجر المدينة فله سلبه»، يعني يأخذ أي شيء معه؛ فأس أخذه، سكين أخذها، معه سلاح أخذه، فله سلبه. وهذه من المسائل التي اختلف فيها العلماء، فذهب إلى ما سمعتم الشافعي، وهكذا أيضاً هي إحدى الروايات عن أحمد، قالوا: له سلبه لحديث سعد وما كان في معناه من الأحاديث. وخالف الجمهور من أهل العلم، قالوا: لا يسلب، ولا يأخذ منه شيئاً. لكن كما سمعتم حديث سعد في صحيح مسلم، وسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، وقام سعد بتطبيق ما سمعه؛ لما وجد عبداً يخبط في أشجار حرم المدينة قام وأخذ سلبه، فلما جاء أهل العبد يطالبون سعداً بأن يرد عليهم ما أخذه من عبدهم، قال: لا، لا أرد شيئاً، نفلنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبى أن يرد عليه. ذكرنا صيد وج ووج، هذا ما هو المراد منه؟ ماذا يعني وج؟ أهو جبل أم وادٍ أم قرية أم شجرة أم ماذا؟ يا أبا العباس... جبل؟ أقلت: جبل؟ طيب، أحسنت. أبو العباس يقول جبلا، وأبو إبراهيم ما تشك تقول وج... ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن صيد وج وعضاه حرام محرم لله عز وجل». فما هو وج؟ ما هو المقصود به؟ أبو العباس يقول جبل، وأنت ماذا تقول؟ أشجرة أم جبل أم وادٍ أم قرية؟... نعم، حرام... حرام يعني ماذا؟ إذا ما هذا الذي صيده وأشجاره حرام؟ ما حضرت مع الناس... لا، بس... أحسنت. نعم، أين أبو تميم؟ يا أبا موسى عندك وج؟ يا أبا حذيفة... الله أعلم. أحسنت، إبراهيم: وادٍ. أين يقع؟ طيب، أحسنت يا أبا جعفر، أين يقع هذا الوادي؟ في المدينة؟ أحسنت. أين يقع هذا الوادي يا أبا وسامة؟ بلدة خرج إليها النبي صلى الله عليه وسلم فأغلظوا عليه وردوا عليه رداً سيئاً، وصلطوا عليه سفهاءهم يرمونه بالحجارة... نعم، الطائف. يقع بالطائف. وذهب بعض أهل العلم إلى تحريم صيد وج وشجره، وهذا هو قول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، واستدل على ذلك بحديث الزبير عند أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صيد وج وعظاه حرام محرم لله عز وجل». وهذا الحديث كما سبق لا يصح، وضعفه كثير من أهل العلم، قالوا: من طريق محمد بن عبد الله بن السائب وهو لين الحديث، أي لا يقبل حديثه، وإنما حديثه في المتابعات، وأيضاً أبوه ضعيف. ولهذا ذهب الجمهور من أهل العلم إلى خلاف ما دل عليه هذا الحديث، وأن وج لا يحرم، وأنه لا يحرم لعدم صحة الحديث. طيب، قال رحمه الله تعالى: «باب دخول مكة وغيره». والمصنف رحمه الله تعالى عقد هذا الباب لذكر الأحاديث الدالة على كيفية الدخول إلى مكة حرسها الله، وماذا؟ وهو كذلك أيضاً يتضمن الدخول إلى الكعبة والصلاة فيها، وهكذا يتضمن هذا الباب الطواف حول الكعبة وصفة هذا الطواف. إذن مجموعة من الأحاديث تتعلق بهذه المواضيع. قال رحمه الله تعالى: قال عن أنس، أو عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح، وعلى رأسه المغفر. فلما نزعه جاءه رجل فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اقتلوه». وهذا الحديث يتعلق بحكم دخول مكة من غير إحرام، وبوب عليه الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه فقال: «باب دخول الحرم ومكة من غير إحرام». وهذا الحديث يقول أنس رضي الله تعالى عنه -وأنس بن مالك الأنصاري الخزرجي أبو حمزة رضي الله تعالى عنه-، مر معنا الكلام حول ترجمته في أوائل أحاديث كتاب الطهارة من عمدة الأحكام. وأنس يقول: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح. متى كان عام الفتح؟ يا أبا عبد الرحمن... السنة الثامنة في شهر رمضان؟ أحسنت. في رمضان في السنة الثامنة من الهجرة فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة. طيب، قال: «وعلى رأسه المغفر». المغفر على وزن منبر، والمغفر هو ما يلبس على الرأس من درع الحديد فيقي المقاتل ضربات السيوف؛ يضرب الشخص على رأسه وعليه المغفر فلا يتأذى من ذلك كثيراً، يقيه المغفر أثر هذه السيوف. ولهذا في غزوة أحد كما سبق الإشارة إليه، أتى رجل من المشركين بعد الغزوة يقال له ابن قمئة، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بالسيف على رأسه ضربة شديدة، قال: خذها وأنا ابن قمئة. فقال له: «أقمأك الله»، فانتقم الله من ذلك المجرم. لكن دخلت حلقة المغفر في وجني النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهنا يقول أنس: دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر. هذا يدل على ماذا؟ على أنه كان محرماً أم أنه كان حلالاً؟ يا عبد العزيز... كان حلالاً. ما وجه الدلالة؟ طيب، لو لبس أزرق ما يجوز، أخضر ما يجوز، لابد أبيض؟ لا يشترط البياض لكن هو الأفضل: «البسوا من ثيابكم البياض فإنها خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم». أحسنت. يلبس المحرم إزاراً ورداءً وماذا فقط؟ طيب، قوله: «دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر»، ما وجه الدلالة هنا؟ المغفر، والمحرم ماذا لا يجوز له؟... لا يجوز له أن يغطي رأسه. أحسنت. لا يجوز له أن يغطي رأسه، فإذن يدل هذا على أنه عليه الصلاة والسلام دخل مكة حلالاً وليس محرماً. وهذا هو الصحيح من كلام أهل العلم: أن من أراد أن يدخل إلى مكة وليس عازماً على الحج أو العمرة يجوز له أن يدخل بغير إحرام. يريد مكة من أجل عمل، معه سيارة يوزع فيها ألبان، أجبان، لحوم، دجاج، أسماك، هل نقول لابد أن تحرم من الميقات؟ الجواب: لا، وإنما يجوز أن يدخل من غير إحرام. دخل مكة يريد عيادة مريض أو زيارة قريب أو غيرها من الأمور لا يريد الحج ولا العمرة، فماذا؟ فيجوز له أن يدخل، يجوز له أن يدخل من غير إحرام. وهذا القول هو قول ابن عمر وغيره، وهكذا أيضاً قال به الحسن والزهري، وجزم به الحنابلة وغيرهم من أهل العلم. أيضاً اختيار الإمام البخاري سبق معنا أنه بوب على هذا الحديث بقوله: «باب دخول الحرم ومكة من غير إحرام». فاختيار البخاري والنووي وابن دقيق العيد وغيرهم من أهل العلم على أنه يجوز الدخول إلى مكة من غير إحرام إذا كان لا يريد الحج ولا العمرة. طيب، من يذكر دليلاً أيضاً على هذا؟ مر معنا في أول أبواب كتاب الحج في باب المواقيت، ذكر فيه حديثين: الأول حديث ابن عباس، والثاني حديث ابن عمر. نعم، من يذكر معنا يا با محمد؟ تذكر حديث ابن عباس: «يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن، وأهل اليمن من يلملم»، ثم ماذا؟ ثم ماذا قال: «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن»... ممن أراد الحج والعمرة. وهذا هو الشاهد: «ممن أراد الحج أو العمرة». فمن أراد الحج أو العمرة لا يجوز له أن يدخل مكة إلا بإحرام، وأما من كان لا يريد الحج ولا العمرة فيجوز له أن يدخل من غير إحرام. قال: «وعلى رأسه المغفر»، قال: «فلما نزعه»... ماذا معنى نزعه؟ «فلما نزعه»... أي خلعه. ولماذا خلعه؟ لانتهاء الحرب وانتهاء القتال، خلعه ثم خطب الناس وعليه عمامة سوداء. وبهذا يجمع بين الأحاديث الواردة التي في بعضها أنه دخل وعلى رأسه المغفر، وفي بعضها أنه على رأسه عمامة سوداء. قال بعض العلماء: حين القتال دخل وعلى رأسه المغفر، فلما انتهى القتال نزعه ولبس عمامة سوداء. وبعض العلماء جمع بينهما، قال: كان لابساً عمامة سوداء وعليها المغفر. وقيل غير ذلك. قال: «فلما نزعه جاءه رجل» -أي من أصحابه- «فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة». قال: «فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اقتلوه». وابن خطل هذا هو عبد العزى بن خطل، ارتد عن الإسلام، وقيل أيضاً قتل مسلماً كان قريباً منه، وله جاريتان قينتان يعني مغنيات، فكانتا تغنيان بهجاء النبي صلى الله عليه وسلم. فلما دخل النبي عليه الصلاة والسلام مكة قال: «من دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق على نفسه بابه فهو آمن»، وإلى غير ذلك أعطى الأمان إلا عدداً قليلاً، منهم ابن خطل، قال: «من وجده فليقتله». وهكذا الجاريتان أيضاً تقتلان. وهكذا أيضاً ابن أبي سرح، كذلك رجل آخر أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله. فلما دخلوا مكة وجدوا ابن خطل متعلقاً بأستار الكعبة، يظن أنها ستجيره من أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله. فلما أخبر عليه الصلاة والسلام أن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، ماذا نفعل به؟ نقتله أو نتركه؟ فقال: «اقتلوه». فقتل، لا رحمه الله، قتل ذلك المشرك بالأذية الشديدة التي كان يؤذي بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقتله عليه الصلاة والسلام لابن خطل كان في تلك الساعة التي أبيح له فيها القتال، ثم بعد ذلك عادت حرمتها، أي حرمت مكة، فهي بعد ذلك حرام إلى قيام الساعة. وكذلك أيضاً ابن خطل هذا مجرم في مكة، وليس أجرم خارج الحرم ثم أتى واحتمى بالبيت، لا، جرائمه في مكة، لهذا قتل في مكة. أما من اقترف جناية خارج الحرم ثم أتى إلى حرم الله عز وجل، كما سبق، كثير من أهل العلم يقولون: لا يقتل، وإنما يضيق عليه، لا يجالس ولا يكلم، ويضيق عليه حتى يخرج خارج الحرم، هناك يعاقب، هناك يعاقب ويقتل بسبب هذه الجنايات التي يفعلها أو التي فعلها. قال رحمه الله تعالى: قال: «وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة من كذا، من الثنية العليا التي بالبطحاء، وخرج من الثنية السفلى». هكذا يقول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. وهذا الحديث فيه بيان لدخول مكة والخروج منها، يعني من أراد أن يدخل إلى مكة ثم أراد أن يخرج منها، ماذا يصنع؟ ومن أين يدخل ومن أين يخرج؟ وقول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة من كذا»، وقوله «من كذا» هذه رواية البخاري ولم يذكرها مسلم رحمه الله تعالى، وكذا اسم لثنية التي بأعلى مكة وتسمى ريع الحجون. قال: «من كذا، من الثنية العليا»، والثنية هي الطريق التي تكون في الجبل، والثنية العليا التي بالبطحاء هذه قالوا: طريق مرتفع قليلاً يقع بين جبلين بأعلى مكة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة من هذه الطريق. قال: «وخرج من الثنية السفلى»، والثنية السفلى أيضاً تقع بين... يعني طريق يقع بالأبطح وهو بجانب المحصد كما ذكر أهل العلم. وهذا الحديث كما سبق فيه بيان لدخوله عليه الصلاة والسلام. وقد ذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى كما في كتابه المجموع شرح المهذب: قال: «اتفق أصحابنا من أصحابنا؟» يا أبا طاهر، النووي يقول: «اتفق أصحابنا من أصحابنا؟» يعني أهل العلم... أبقي شيء؟... هذا جارك يرفع، نحيل عليه... نعم، تفضل يا أبا عبد الرحمن. أحسنت: أصحابنا أي الشافعية، والنووي رحمه الله تعالى يعتبر من الأئمة المحققين في مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. قال: «اتفق أصحابنا على أنه يستحب للمحرم أن يدخل المسجد الحرام من باب بني شيبة»، يعني إذا ذهبت إلى الحرم تنظر أين باب بني شيبة وتدخل منه. قال: «وصلح بأنه لا فرق بين أن يكون في صوب طريقه أم لا»، يعني سواء كان طريقك التي أتيت منها أول ما تدخل الحرم يقابلك باب بني شيبة، أو كان طريقك في مكان آخر، تدور حتى تأتي على باب بني شيبة وتدخل منه، قال: «فيستحب أن يعدل إليه إن لم يكن في طريقه». قال: «دليله حديث ابن عباس عند أبي داود في دخوله صلى الله عليه وسلم المسجد، وفيه أنه أناخ راحلته بجانب باب بني شيبة». وهكذا أيضاً كما سبق في الحديث: أكثر العلماء على استحباب دخول مكة من الثنية العليا وإن لم يكن طريق الداخل إلى مكة، فيخرج إليها ثم يدخل إلى مكة من طريق الثنية العليا. وهكذا بالنسبة للحرم، كن يدخل من باب بني شيبة كما فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكان نبينا صلى الله عليه وسلم في دخوله هذا كان في حجة الوداع، دخوله هذا كان في حجة الوداع، وكان عليه الصلاة والسلام وصل إلى مكة في حجة الوداع لأربع خلون من شهر ذي الحجة، يعني في الرابع من شهر ذي الحجة وصل إلى مكة، فبات بذي طوى، ثم في الصباح دخل إلى مكة. ومخالفة النبي صلى الله عليه وسلم للطريق، يدخل من هنا ويخرج من هنا، أو يذهب من هذه الطريق ويرجع من طريق أخرى، قال العلماء: المقصود من هذا هو إظهار الشعائر، لكي يظهر الشعائر، وهكذا أيضاً تعويداً للنفس على التنفل في العبادة، وهكذا أيضاً تكثير مواضع العبادة. وكان عليه الصلاة والسلام مثلاً في العيدين إذا خرج إلى العيد ماذا يفعل؟ يخالف بين الطريق، يذهب من طريق ويرجع من طريق أخرى. وهكذا أيضاً ذكروا عنه في ذهابه إلى عرفة وإيابها، كل ذلك مما يقصد به إظهار الشعائر وتعويد النفس على التنفل. حتى في الصلاة، إذا صلى الفريضة في مكان، فماذا أراد أن يصلي النافلة؟ يغير الموضع، إلا إذا فصل بين الفريضة والنافلة بحركات أو بكلمات أو غير ذلك. قال رحمه الله تعالى: قال: «عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت». ما هو المقصود بالبيت يا أبا شفيق؟ الكعبة. أحسنت. قال: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت»، ومتى كان دخوله؟ في عام الفتح، في عام فتح مكة. لما دخل مكة، لاحظوا كان حول الكعبة ما يزيد على ثلاثمائة وستين صنماً، فأول ما بدأ بدأ بهدمها، كان ينكتها برمح في يده ويقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾، ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾. هدم الأصنام، ثم طاف حول الكعبة سبع أشواط، وصلى خلف المقام ركعتين، ثم دخل البيت، أي دخل الكعبة. قال: «وأسامة بن زيد، وبلال، وعثمان بن طلحة». وهذا فيه فضل هؤلاء الثلاثة، ما دخل أحد معه الكعبة إلا هؤلاء. أسامة بن زيد مولاه، حبه وابن حبه، كان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه ويحب أباه زيداً، زيد كان عبداً لخديجة وأهدته للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم تبناه في الجاهلية حتى أنه كان يقال له: زيد بن محمد. فلما نزل قوله عز وجل: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾، وقوله عز وجل: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾، حرم التبني. وأسامة بن زيد كان رديف النبي صلى الله عليه وسلم، وبلال كان مؤذنه وملازمه، وعثمان بن طلحة كان حاجب الكعبة، الحجابة يعني تولي مفاتيح الكعبة، المسؤول عن فتحها وإغلاقها، هم بنو شيبة، بنو شيبة، وكان في ذلك الزمان عثمان بن طلحة رضي الله تعالى عنه هو الحاجب. وبنو طلحة من الجاهلية كانت مفاتيح الكعبة معهم، فلما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة ظن بعض الناس أنه ماذا سيفعل؟ سيأخذها منهم؟ أبداً، أعطاها إياه وقال: «خدها خالدة مخلدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم»، ما يأخذها منكم إلا ظالم، وإلى يومنا هذا ومفاتيح الكعبة عند بني شيبة. قال: «فأغلقوا عليهم الباب». من الذي باشر إغلاق الباب يا أبا حذيفة؟ لما دخلوا الكعبة قال: «فأغلقوا عليهم الباب»، من الذي سيقوم بإغلاق الباب؟ هم أربعة الآن: نبينا صلى الله عليه وسلم، وأسامة، وبلال، وعثمان بن طلحة. من سيغلق الباب على ما مضى وسبق ذكره؟... عكاشة... من الذي سيقوم بإغلاق الباب من الأربعة؟... أسامة... ليش أصغرهم؟ لماذا اخترت أسامة؟ ما هو السبب عندك يا خان؟... علي... من الذي سيقوم بإغلاق الباب؟... عثمان... لماذا؟... لأن المفتاح في يده، وهو المسؤول عن الفتح والإغلاق، فالذي أغلق عثمان بن طلحة، هو الذي تولى الإغلاق. طيب، لماذا أغلق الباب؟ لماذا لم يبقى مفتوحاً؟... نعم يا با جعفر... زحمة، كثرة الناس، ولكي لا يزدحم الناس على النبي صلى الله عليه وسلم داخل الكعبة. قال: «فلما فتحوا»، سيفتح عثمان بن طلحة، «فلما فتحوا قال ابن عمر: كنت أول من ولج، كنت أول من ولج». اش معنى ولج يا أبا سعيد؟ قال: «فكنت أول من ولج»... وقف... وقف... وقف... وقف... وقف... وقف... دخل... نعم، بسم الله ولجنا، وبسم الله خرجنا. قال: «فكنت أول من ولج»، قال: «فلقيت بلالاً»، أول ما فتح الباب ابن عمر عند الباب واقف، وأول ما فتح الباب لقي بلالاً رضي الله عنهما، قال: «فسألته: هل صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، قال: نعم، بين العمودين اليمانيين». وقوله: «بين العمودين اليمانيين»، في ذلك الزمان كان في الكعبة ستة أعمدة، النبي صلى الله عليه وسلم جعل عن يمينه عمودين: واحد، اثنين، وعن يساره عموداً واحداً، وخلفه ثلاثة أعمدة. وقوله: «بين العمودين»، هذا فيه دليل على أن المنفرد يجوز أن يصلي بين العمودين، يجوز أن يصلي بين السواري، والنهي الوارد عن الصلاة بين السواري هذا في حق صلاة الجماعة لأنه يؤدي إلى تقطع الصفوف، لكن أنت منفرد يجوز أن تصلي بين السواري، بين العمودين. واليوم الكعبة لا يوجد بها إلا ثلاثة أعمدة، ثلاثة أعمدة فقط، بينما كان في العهد الأول ستة أعمدة. وقوله: «نعم، بين العمودين اليمانيين»، أدى فيه دليل على جواز ومشروعية الصلاة داخل الكعبة، صلاة النافلة. وهل يجوز أن يصلى صلاة الفريضة أيضاً داخل الكعبة؟ اختلف العلماء في ذلك، فمنع بعضهم، منع بعض العلماء من الصلاة داخل الكعبة، واستدلوا على المنع بما ورد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث ابن عمر قال: «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في سبع مواضع، في سبع مواضع، وذكر منها: فوق ظهر بيت الله». وهذا الحديث لا يصح، هذا الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه لكنه ضعيف، ضعفه الترمذي والألباني وغيرهم من أهل العلم. والأصل يا إخوان أنه لا فرق بين الفريضة والنافلة إلا فيما خصه الدليل، فرق بينهما، وليس هناك دليل يفرق في هذا الباب بين الفريضة وبين النافلة. بل المجيزون للصلاة، صلاة الفريضة داخل الكعبة وعلى سطح الكعبة، استدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً»، قالوا: والكعبة المشرفة أولى الأرض بذلك. إذن ليس هناك مانع أن يصلي الإنسان فوق سطح الكعبة أو داخل الكعبة، فريضة كان أو نافلة. القوس الذي يقع بعد الركنين، الركن العراقي والركن الشامي، الذي يسميه العوام بحجر إسماعيل، هذا كما سبق معنا الإشارة أنه من الكعبة نحو ستة أذرع، ستة أذرع من الكعبة. لكن لماذا لم يدخل في الكعبة؟ ما هو السبب؟... ما شاء الله عندك يا با حاتم... أنت رأيت القوس... نعم، أحسنت يا أبا نصر... نعم، ما هو السبب؟... أحسنت. لما عزمت قريش إعادة بناء الكعبة، أخذوا على أنفسهم عهداً أن لا يبنوها إلا من مال حلال، لا يدخل فيها مال حرام، مال ربا، مال غصب، مال يعني أخذ بغير حق، ما يدخل، فقلت بهم النفقة، فماذا فعلوا؟ أخذوا نحو ستة أذرع من الجهة الشمالية فأخرجوها من الكعبة، أخرجوها من الكعبة، وجعلوا هذا السور، والجدار يدل على أنها من الكعبة، وأن من أراد أن يطوف فالواجب أن يطوف حول الكعبة، إذن لابد أن يطوف من وراء ذلك الجدار، ذلك الجدار. فمن صلى في تلك المساحة فيعتبر صلى أين يا أبا ناظم؟ داخل الكعبة، يعتبر صلى داخل الكعبة. طيب، كم حديثاً أخذنا هذه الليلة يا أبا أحمد؟ أخذنا حديثين... أه، على ما تظن وقد يخيب ظنك... صح، لا، بس... أحسنت، عندك عبد الرحيم... لا نسأل إلا سقطريا... نعم، كم أخذنا حديثاً؟ أخذنا حديثين. طيب، وين سعود؟ أخذنا... ها، عند من؟ عندك يا أبا زهير، كم حديثاً أخذنا؟ أبو زهير: ثلاثة أحاديث. أولها على ما مر معنا حديث أنس بن مالك في دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر، والحديث الثاني حديث ابن عمر في دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة من كذا، من الثنية العليا التي بالبطحاء، والحديث الثالث أيضاً حديث ابن عمر في دخول النبي صلى الله عليه وسلم البيت هو وأسامة وبلال وعثمان بن طلحة. طيب، نكتفي بهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.