الدرس في شرح منظومة أصول الفقه وقواعده 19، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
القاعدة الأصولية تقول إن الأمر يقتضي الفورية إلا إذا دل دليل على خلاف ذلك، وقد استدل العلماء بأدلة منها حادثة الحديبية.
استدل العلماء بأمثلة من حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على أن الأمر الشرعي يقتضي الفورية، مثل حلق الرأس بعد العمرة وتحلل المحرمين في حجة الوداع.
النبي عليه الصلاة والسلام أمر بالحج امتثالاً لأمر الله عز وجل، والأمر يفيد الوجوب على الفور إلا إذا دلت قرائن على خلاف ذلك.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. آخر شيء قولكم: حديث النفس معفو، فلا حكم له ما لم يؤثر عملا. قال: والأمر للفور، فبادر الزمن إلا إذا دل دليل، فاسمع. وهذه من القواعد الأصولية؛ أن الأمر يقتضي الفورية. أن الأمر -أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم- يقتضي الفورية. وقد تقدم معنا أن الأصل في الأوامر أنها تقتضي الوجوب إلا إذا قام الصارف، وهنا الشيخ راد بهذه القاعدة أن الأصل في الأوامر أنها تقتضي الفورية إلا إذا وجد صارف، إذا دل دليل على أنه لم يرد الفورية في هذا الأمر. والأدلة فيها على هذه القاعدة كثيرة، ولا شك أن في هذه القاعدة خلافا في الشافعية؛ لا يرون أن الأصل في الأوامر الفورية. أنا هنا أختلف عن القاعدة الأولى؛ تلك القاعدة متفق عليها عند أكثر العلماء؛ أن الأمر يفيد الوجوب، أو يقتضي الوجوب إلا إذا صرفه صارف. وهنا القاعدة: أن الأمر يفيد الفورية، أو يقتضي الفورية إلا إذا جاء ما يدل على عدم الفورية. وقد استدل العلماء -كشيخ الإسلام وغيره، ابن القيم- على هذه القاعدة بأدلة منها ما حصل في الحديبية؛ لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة أن يحلوا من إحرامهم ويحلقوا رؤوسهم، فتأخروا عن ذلك. ليس لأجل أنهم لم يعتمروا بكلام النبي صلى الله عليه وسلم، إنما كانوا يريدون أن النبي صلى الله عليه وسلم يتراجع عن هذا الأمر، أو لعله يتراجع. معنى ذلك: هم يريدون أن يدخلوا إلى مكة، ما يريدون أن يرجعوا، وهذا الصلح معنى خلاص إذا تحللوا؛ معنى أنهم ما سيدخلون مكة. فلهذا تأخروا في هذا الأمر، فغضب النبي عليه الصلاة والسلام، ودخل على أم سلمة وهو غاضب، قال: ما لي أمرت بالأمر فلا يستجاب لي. وهذا يدل على أن أمره صلى الله عليه وسلم للوجوب، حتى غضب النبي صلى الله عليه وسلم. ثم أشارت إليه أم سلمة أنه يبدأ فيحلق رأسه، فلما بدأ في حلق رأسه قام الصحابة وحلق رؤوسهم؛ لما رأوا أن هذا الأمر جد وأنه لا بد منه ولا مرجع فيه، فقام الصحابة وحلق بعضهم بعضا. ومما يشهد لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم شق عليه لما لم يعتمروا بهذا الأمر، وغضب على ذلك. وأيضا حصل في حجة الوداع؛ لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم من لم يسق الهدي أن يحل من إحرامه يتحلل، فتأخر بعض الصحابة، قالوا: كيف هذا؟ كيف نحل ونحن ذاهبون إلى مكة، وذاهبون إلى الحج وقد جامعنا؟! هذا كان غير معروف أن الإنسان يتحلل بين العمرة والحج، ما كان هذا الشيء معروفا عند الصحابة. فقالوا: كيف نذهب إلى منى ونحن قد قارفنا أزواجا؟! إن هذا يرونه شيئا عظيما. ورأوا أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لأجل الأمر، أو كذا، أو أنهم أرادوا يتفهمون الأمر أكثر، فلهذا أبطأوا في الاستجابة، تأخروا في الاستجابة. وهذا أيضا من الأدلة التي تدل على أن الأمر يفيد الفورية. وذكر أيضا شيخ الإسلام وغيره: أن السيد مثلا لو قال لخادمه: أحضر كذا، اذهب وأتني بماء، فهل معنى ذلك أنه يذهب بعد فترة ويأتي؟! لا، هو الآن يقول له: أتني بماء، فلا شك أنه لا يفهم أن الماء يؤتى به بعد ساعة أو بعد كذا، لا، إلا إذا كان مثلا هناك عرف لهذا السيد، أو هناك شيء من التفاهم بين السيد والخادم، فلن يقول له: اذهب إلى العمل وأتني بماء، أو أحضر لي ماء -معنى ذلك بعد ما تأتي من العمل-. فإذا هناك شيء يدل على التأخير دل على التأخير، وإلا الأصل هو المبادرة. وأيضا قد جاء عن الصحابة رضي الله عنهم شدة المبادرة في أشياء كثيرة؛ مثلا عندما سكبوا الخمر، لما حرمت الخمر سكبت في الشوارع، لما في خيبر لما أغليت القدور بلحم حمر، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: ما هذا الذي في القدور؟ قالوا: لحم حمر. فأرسل في الجيش أن الله ورسوله ينهيانكم عن أكل لحوم الحمر الأهلية، فقاموا وقلبوا هذه القدور -معنى ذلك ما أكلوها-. والقول الثاني في المسألة: أن الأوامر لا تقتضي الفورية، وإنما هي على التراخي، وهذا كما قلنا مذهب الشافعي. واستدلوا بأدلة منها: تأخر النبي صلى الله عليه وسلم لما تأخر عن صلاة الفجر، فلم يصلها في نفس الوقت، وإنما صلاها حتى خرج من ذلك الوادي، وقال: هذا واد حضرنا فيه الشيطان. قالوا: النبي صلى الله عليه وسلم أخر هنا الصلاة. وأيضا استدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم فرض عليه الحج في السنة السادسة، ولم يحج إلا في السنة العاشرة. وهذا ليس صحيحا، والاستدلال بالحديث الأول ليس صحيحا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما خرج من ذلك المكان لأجل حاجة، كما قال: أنه واد حضرنا فيه الشيطان، فهو خرج لأجل صارف صرف الفورية. وعما الاستدلال في مسألة الحج؛ فلم يثبت أن فرض الحج كان في السنة السادسة، وإنما الذي نزل في السنة السادسة قول الله جل وعلا: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. هذا الذي كان في السنة السادسة، وليس فرض الحج. ليس فرض الحج نزل في السنة السادسة. فلهذا الاستدلال بهذا ليس صحيحا. والصحيح أن الحج فرض في السنة التاسعة، الحج فرض في السنة التاسعة، لكن لم يحج النبي صلى الله عليه وسلم لأجل أمور منها: أن المشركين كانوا يحجون، لازالوا ويحجون عراة، فإلى هذا في السنة التاسعة أرسل النبي صلى الله عليه وسلم من ينادي في الناس: أنه لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يطوف بالبيت عريان. ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة. وذكرت أشياء كثيرة جعلت النبي صلى الله عليه وسلم -أو هي الأعذار التي جعلت النبي صلى الله عليه وسلم- يتأخر في الحج إلى السنة العاشرة. وخلاصة ما يذكر في هذه القاعدة: أن الأصل في الأوامر هو الفورية. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحج: «يا أيها الناس، إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا». حجوا؛ أمر النبي عليه الصلاة والسلام، لأمر الله عز وجل. قال: «من نذر أن يطيع الله فليطع الله». بالفعل التي تفيد التعقيب والترتيب؛ أي ينتثل هذا الأمر بسرعة. فدلت الأدلة -كما قلنا- على أن الأمر يفيد الفور، يجب على الفور، إلا إذا دلت دلائل وقرائن على أنه لا يفيد الفورية. والله تعالى أعلم.