شرح الأصول الثلاثة 11

شرح الأصول الثلاثة 11

الدرس في شرح الأصول الثلاثة 11، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في معرفة الرب وتوحيد العبادة

يبدأ المؤلف بتوضيح الأصل الأول في معرفة الرب سبحانه وتوحيد العبادة له، مشيرًا إلى أن الرب هو المعبود ويستدل على ذلك بالآيات القرآنية. يُبين أهمية الإقرار بربوبية الله وتوجيه العبادة له وحده.

تعريف العبادة وأهميتها في الإسلام

يشرح المقطع مفهوم العبادة في الإسلام، حيث تشمل كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. تتضمن العبادة الواجبات والمندوبات وتشمل الإسلام والإيمان والإحسان وأعمال القلوب.

توحيد العبادة والدليل القرآني عليها

يناقش هذا الجزء أنواع العبادة مثل الدعاء والخوف والرجاء والتوكل، ويبين أن معظمها عبادات قلبية. يستدل بقول الله تعالى: ﴿وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا﴾ على توحيد العبادة ويُشير إلى مسألة صرف العبادة لغير الله واعتباره شركًا وكفرًا.

خاتمة ودعاء

يتضمن المقطع دعاء بأن ينفع الله تعالى بما علمنا ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويُظهر الاعتراف بقدرة الله تعالى واعتماده عليه. يُنهي بالتأكيد على علم الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، شرع المؤلف رحمه الله تعالى في الدخول في الأصل الأول، وذلك في معرفة الرب سبحانه وتعالى جل في علاه. ومر معنى ما يتعلق بأوائل هذه المسائل أن المؤلف رحمه الله تعالى جعلها على شكل أسئلة يطرحها ثم يجيب عليها. في قوله: «فإذا قيل لك من ربك؟» فإذا قيل لك: «بما عرفت ربك؟» وذكرها رحمه الله تعالى أدلة عقلية، وهي مأخوذة بدلالة الشرع على إثبات وجود الله سبحانه وتعالى. ثم قال رحمه الله تعالى: «والرب هو المعبود»، وهذه فائدة عظيمة. وهذه من الطرق التي يتخذها المؤلف رحمه الله تعالى بالتدرج في المسائل البديهية لكي يصل بعدها إلى أحكامها. فالمؤلف رحمه الله تعالى تذكر في أول مسألة حول إثبات وجود الله جل وعلا وإثبات وجود الرب. وقد لا ينازع أحد في هذا، قد لا ينازع أحد من أهل الإسلام في هذه المسألة، فهي من بديهيات أهل الإسلام بوجود الله جل وعلا وأنه رب العالمين. لكن ما الذي أراد المؤلف رحمه الله تعالى من هذه المسألة؟ أنه بعدما أثبت ذلك وأثبت أن الله هو الرب سبحانه وتعالى، قال: «والرب الذي جعلكم الأرض فراشًا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون». أشهد إخواني، في هذه الآية في صدر الآية قول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم﴾، فمن يعتقد أن الله جل وعلا هو ربه، إذا من الذي ينبغي إذا أراد الرب سبحانه وتعالى العبادة أن تجعل له العبادة وتجعل له العبودية. وهذا كثيرًا في القرآن أن الله جل وعلا إذا أراد أن يدعو الكفار خاصة إلى توحيد الله جل وعلا وإلى إفراده بالعبادة، فإنهم يقررهم بأنهم قد أقروا بربوبيته. والكفار قد أقروا بذلك، إذا من لوازم الإقرار بالربوبية أنك تتوجه له بالعبادة سبحانه وتعالى. ولهذا قال: «والرب هو المعبود»، أي الرب هو الذي يعبد وتتخذ له العبادات. ثم ذكر الآية: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم﴾. وهذه الآية أخواني في الله كما يقول العلماء هي أول آية في القرآن فيها الأمر، أول آية فيها أمر في القرآن هي هذه الآية. وانظر بماذا أمر ربنا جل وعلا، أول أوامر الله عز وجل هي الأمر بعبوديته جل في علاه: ﴿اعبدوا ربكم﴾. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: «الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة». وهذه العبارة ذكر ابن كثير رحمه الله تعالى، لكن هل هي بنصها؟ بعض العلماء استظهر أن هذه معناها، بعض العلماء الذي تتبع تفسير ابن كثير لمعرفة نص العبارة لم يجدها بالنص بهذه الأحرف، لكن وجد هذا المعنى أن ابن كثير رحمه الله تعالى عند هذه الآية ذكر هذا المعنى بأن الله جل وعلا هو الذي خلق هذه الأشياء فهو الذي يستحق أن يعبد سبحانه وتعالى. قال: «وأنواع العبادة التي أمر الله بها». الآن انتقل المؤلف رحمه الله تعالى إلى العبادة، بقي مسألة وهي: كيف الجمع؟ المؤلف تكلم عن الرب سبحانه وتعالى، ثم الآن أدخلنا في باب العبادة، هل هناك رابط؟ نعم هناك رابط عظيم، وقلنا هذا كما يقال من سياسة المؤلف رحمه الله تعالى أنه يتدرج في المسائل من مسألة إلى مسألة حتى يدخلك في مسائل ما تشعر إلا وقد دخلت بها، وهي من تمام الموضوع. فالمؤلف رحمه الله تعالى تكلم عن الأصل الأول وهو معرفة الرب سبحانه وتعالى، وأن الرب هو الذي يعبد، وهذا لابد منه، الربوبية تستلزم منك العبودية: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم﴾. إذ إلى هذا الحد الذي متفق عليه عند الكل أن الرب هو الذي يعبد، بقي السؤال: بماذا نعبد الله؟ كيف نعبد الله؟ ما هي أنواع العبادة حتى تقرب بها إلى الله؟ إذن كانت الحاجة ماسة إلى معرفة العبادة. الحاجة ماسة لأنك متفق معي يا عبد الله على أن الله يعبد، العبادة لله، يبقى سؤال: وهذه مسألة قد يتجاهلها الكثير من الخلق في معرفة كونه العبادة، ما هي العبادة؟ أنواع العبادة وصفة العبادة. ولهذا أراد ناسب للمؤلف رحمه الله تعالى أن يدخلنا في هذا الموضوع في معرفة العبادة. قالوا: «أنواع العبادة التي أمر الله جل وعلا بها». والعبادة إخواني في الله، العبادة لها معنى في الشرع ولها معنى في اللغة. العبادة لغة مأخوذة من التذلل، ومنها سمي العبد عبدًا لتذلله. فالعبادة تدور على معنى الذل، ومنه يقال: «بعير معبد» أي مذلل، ويقال أيضًا: «طريق معبد» وذلك إذا ذلل بالوطء عليه والسير عليه. فكل ما كان فيه معنى الذل فوكذلك فيه معنى العبودية مع قدر زائد وهي الطاعة. فيقول العلماء: «الطاعة مع التذلل أو الطاعة مع الخضوع» هذه معنى العبادة والعبودية. وأما يتعلق باصطلاح العلماء، العلماء لهم عبارات كثيرة في تعريف العبادة. منهم من ذكر في تعريف العبادة: «هو ما طلبه ما طلب فعله في الشرع ورتب عليه ثواب»، ما أمر أو ما طلب فعله في الشرع ورتب عليه ثواب، هذا معنى الطاعة أو معنى العبادة. هناك تعريف شامل جامع مانع، وهذا الذي اشتهر عند الناس وهو تعريف شيخ الإسلام رحمه الله أو تعالى كما في أوائل الرسالة العبودية، حيث عرف العبادة بأنها: «اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة». وهذا تعريف من أفضل التعريف ومن أيسرها ومن أفضلها لأنه ميسر وكذلك عام وشامل لمعنى العبودية لله. فالعبودية إخواني في الله هي ليست مختصرة على شيء معين، بل هي اسم جامع أشياء كثيرة تدخل في العبودية لله عز وجل، فليست هيئات وليست أشكال وليست ما يسمى بأركان الإسلام فقط، بل كذلك السلوك المنهاج الطريقة الأخلاق، كل ذلك من أنواع عبادات. وكذلك لا تقف عند العمل الظاهر بل حتى القلب، القلب له عمل من إخلاص من خوف من رجاء من توكل من خشية من رهبة من رغبة، كل هذه من أعمال القلوب وتسمى كذلك عبادة من العبادات العبد يتقرب بها إلى الله جل وعلا، وصرفها لغير الله يوقع صاحبها في الشرك كما سيأتي بيانه. فقال المؤلف رحمه الله تعالى: «وأنواع العبادة التي أمر الله بها». وهل معنى ذلك أن العبادة لا تكون إلا أمر إيجاب؟ لا، العلماء ذكروا رحمه الله تعالى أن العبادة المقصودة التي يؤمر بها إما أمر إيجاب وإما أمر استحباب، أمر إيجاب أو أمر استحباب. فهذه من العبادات التي يأمر بها ربنا جل وعلا، أمر إيجاب وإما أن تكون مندوبة. فالمندوبات والقربات والتطوع والسنن هذه كذلك من عبادات لأن الله جل وعلا أمر بها، لكن ما الفرق إذا قلنا أن الواجبات أمر الله بها والنوافل والمندوبات أمر الله بها؟ فما الفرق بينهما؟ أن السنة والمندوب أمر الله جل وعلا بها من غير إلزام، هذا الفرق بين الواجب وبين المندوب، الكل أمر الله جل وعلا به حتى المندوبات الله أمر بها. نعم المندوبات أمر الله جل وعلا بها وحث عليها كما في قوله تعالى: ﴿وفعلوا الخير﴾، فعل الأمر: ﴿وفعلوا الخير﴾ ربنا جل وعلا يأمرنا أن نفعل الخيرات ويدخل في ذلك القربات والطاعات والسنن والمستحبات، لكن الفرق بين المندوب والواجب أن المندوب أمر الله جل وعلا به لكن على غير وجه الإلزام، على غير ولج الإلزام. إذن فيدخل ذلك في أنواع العبادة، فيتفطن لذلك. فقول المؤلف رحمه الله تعالى: «وأنواع العبادة التي أمر الله بها» أن نعلم أن الأمر يدخل فيه الواجب ويدخل فيه المندوب، فكل ذلك مما قد أمر الله جل وعلا به. قالوا: «أنواع العبادة التي أمر الله جل وعلا بها مثل الإسلام والإيمان والإحسان». وهذا كذلك قد يشكل عند بعض الناس كيف عد المؤلف رحمه الله تعالى الإسلام والإيمان والإحسان من ضمن العبادات وهي من أصول الإيمان؟ فذهب بعض الشراح أن المؤلف رحمه الله تعالى قصده من ذلكم أن الإسلام والإيمان وما عطف عليه أن مفرداته هي لله عز وجل هي لله سبحانه وتعالى. قال: «وأنواع العبادة التي أمر الله بها مثل الإسلام والإيمان والإحسان ومنه الدعاء والخوف والرجاء والتوكل». هنا مسألة في قول مؤلف رحمه الله تعالى: «ومنها» هنا اختلف الشراح في تصويب هذه الكلمة، هل الصواب «منه» أو الصواب «منها» على قولين اثنين. منهم من رأى أن هذه العبارة بهذه الحروف ليس عليها غبار وليس عليها فيها إشكال. وبينما رأى البعض أن هذا العلو تصحيف من النساخ أو أنه خطأ مطبعي، وأن الأول أن يقال «منها». لماذا؟ لأنهم استشكلوا في الضمير عائد إلى ماذا؟ فالذي يرى أن العبارة صواب يقول: «منه» أن الها عائد إلى أنواع، أي أنواع العبادة كذا وكذا وكذا، «ومنها» أي من أنواع العبادة ما ذكر، إذن قالوا العبارة ليس فيها أي خطأ أو تصحيف. ومن قال أن العبارة فيها تصحيف يرى أن الضمير ينبغي أن يرجع إلى العبادة والعبادة مؤنثة، أي قول مؤلف: «وأنواع العبادة كذا وكذا ومنها» أي من العبادات كذا وكذا. فمن قال أن الضمير يرجع إلى العبادة رأى أن التصويب يكون «منها». وهذا قد ذكر بعض العلماء ممن شرحوا هذه الرسالة، ومنهم من تركها على ظاهرها وأن المقصود بالضمير يرجع إلى العبادة أو أنواع، فعندنا أنواع فالضمير علمه عليه. ومن أرجع الضمير إلى العبادة فلابد أن يتعدل إلى «منها». قال: «ومنها» وقلنا على قول آخر: «ومنها» إذا كان المقصود أدعى العبادة. «ومنه الدعاء والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والخشوع والخشية والإنابة والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والذبح والنذر وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها». كل هذه الأنواع ستأتينا المؤلف رحمه الله تعالى من أساليبه في الدعوة العلمية أنه يذكر شيء إجمالًا وبعد ذلك يأتي بالتفاصيل. فإنه بعد هذه الجملة سيأتينا سيفصل في كل عبادة من هذه العبادات سيفصل فيها في ذكر أدلتها ومسائلها. ومما يلاحظ على إيراد هذه العبادات التي أبان عنها المؤلف رحمه الله تعالى أنه ما أراد الحصر، ما أراد الحصر. ولهذا ماذا قال؟ «وغير ذلك» وغير ذلك من أنواع العبادة. ونعم فالعبادات كثيرة جدًا، وشيخ الإسلام رحمه الله تعالى في رسالته العبودية ذكر غير هذه الأنواع وفصل فيها رحمه الله. والمؤلف كذلك ما أراد أن يقول القارئة هذه العبادة فقط لا، العبادات كثر، لكنه ذكر هذه الأشياء يرى أنها مهمة وأراد أن ينبع عليها، فهي ليست مقام مقام حصر. والأمر الثاني الذي يستفاد من عبارات المؤلف وسرده لهذه العبادات أنك تلاحظ أن غالب غالب هذه العبادات من ماذا؟ من عبادات الباطنية، من عبادات القلب، من عبادات الباطنة. فعندك الخوف، الرجاء، التوكل، الرغبة، الرهبة، الخشوع، الخشية، الإنابة، كل هذه العبارات وما سيأتي بعدها غالب هذه من الأعمال القلبية. وكأن المؤلف رحمه الله تعالى أراد أن يزيل ذاك الخطأ والخلل الذي انقدع في أذهان الناس عندما ظنه أن العبادة ما كان ظاهر، ما كان صلاة، ما كان عبارة عن زكاة، ما كان عبارة عن حج، من حركات ظاهرة يرى أن هذه عبادة، وأن ما يكون في القلوب أن هذا ليس معدود في العبادات، وهذا خطأ. فالمؤلف رحمه الله تعالى أراد أن يبين في استدلاله على أن من أعظم العبادات هي العبادات القلبية، من أعظم العبادات والتي عليها ماذا؟ العمل وعليه كذلك نظر الرب سبحانه وتعالى كما سيأتي بيانه. ثم قال رحمه الله تعالى: «والدليل قوله تعالى: ﴿وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا﴾». ومر معنى هذه الآية: «وأن المساجد» هنا تحمل على معنيين اثنين كما عند أهل التفسير، إما المساجد بمعنى هذه البيوت التي بنيت لله جل وعلا، فيكون معنى الآية أن هذه البيوت التي أعدت لله عز وجل فلا تكون ولا تشرع إلى العبادة الله وحده. فليتأتى أن تقام مظاهر الشرك وصور الشرك فتصر في الطاعات لغير الله في بيوت الله، فهذا من أقبح القبائح. وعلى التفسير الثاني أن المساجد تفسر بأن ماذا؟ مساجد، أي مسجد وهو ما يزجد فيه لله، وهي أعضاء السجود وهي الجبهة واليدين والركبتين، فهذا ما يزجد فيها لله عز وجل. فهذه مواضع السجود لا تجعل إلا لله سبحانه وتعالى، فلا يزجد لبشر ولا لحجر ولا لمخلوق ولا لولي ولا لصالح. «وأن المساجد» أي المسجد وهي مواضع السجود لا تكون ولا تصرف إلا لله سبحانه وتعالى. ثم ذكر رحمه الله تعالى مسألة مهمة في قوله: «فمن صرف منها شيئًا لغير الله فهو مشرك كافر». وهذه مسألة مهمة جدًا تحت مسائل عديدة في معرفة صيغة العموم في قوله: «فمن صرف» وهل أحد يخرج من صيغة العموم؟ وفي قوله: «مشرك كافر» قرن بين وصفين، هل لهذا اعتبار أم ليس له اعتبار؟ يترك هذا إن شاء الله في دروس القادمة. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما علمنا، إن ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.