شرح الأصول الثلاثة 15

شرح الأصول الثلاثة 15

الدرس في شرح الأصول الثلاثة 15، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مفهوم الإنابة والاستعانة

الإنابة تعني الرجوع إلى الله بسرعة بعد الذنب، والاستعانة تعني طلب العون من الله، ويجب توجيهها لله وحده. يحذر من توجيه هذه العبادات لغير الله.

تفصيل أحكام الاستعانة والاستغاثة والاستعاذة

يشرح مفاهيم الاستعانة والاستغاثة والاستعاذة، ويبين أنها من العبادات التي يجب صرفها لله وحده. يحذر من صرفها للمخلوقين فيما لا يقدر عليه إلا الله.

أحكام الاستغاثة وعلاقتها بالدعاء

الاستغاثة هي نوع من الدعاء وتخضع لنفس الأحكام الشرعية، وتجوز إذا كان المستغاث به حيًا، حاضرًا، قادرًا، ويسمع الاستغاثة. يوضح الشروط الشرعية للاستغاثة.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن دعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الاعتراف بقدرة الله تعالى وولايته على كل شيء.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ودليل الإنابة قوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾، ودليل الاستعانة قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وفي الحديث: «إذا استعنت فاستعن بالله». قال: ودليل الاستعاذة قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ودليل الاستغاثة قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾. الآن سلّنا إخواني في الله مع تدليل المؤلف رحمه الله تعالى للعبادات التي ينبغي أن يتوجه بها إلى الله سبحانه وتعالى. وقلنا: وطريقة المؤلف رحمه الله تعالى في إثبات هذا الباب هو أن يذكر الآيات الدالة على أن الله جل وعلا يحب كذا ويرضى عن كذا ويأمر بكذا، فدلالة الأمر ودلالة الحث والندب على فعل أمر ما لله يدل على أن هذا الأمر المذكور هو عبادة من العبادات، وعليه وعلى هذا الفهم معناه أنه يصرف لله عز وجل، وأن صرفه لغير الله يكون شركًا طبعًا مع الضوابط التي ينبغي أن تطلب. مر معنا عبادات عدة، وفي هذا المقام وفي هذا اليوم نذكر بعضًا من هذه العبادات، ومنها في قول سبحانه وتعالى: الإنابة، قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾، الإنابة عبادة من العبادات وطاعة من الطاعات التي ينبغي للناس أن يتوجه بها إلى الله سبحانه وتعالى، ودليلها هذه الآية. قال ربنا: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ أمر ربنا بالإنابة إليه. وما معنى الإنابة؟ الإنابة عرفها العلماء في اللغة بأنها الرجوع إلى الشيء مرة بعد أخرى، الرجوع إلى الشيء مرة بعد أخرى، وكونك ترجع للشيء ثم ترجعه مرة أخرى وتكرر هذا الرجوع والإياب إليه يسمى هذه إنابة. هنا يشكل الأمر وهو أن الإنابة يتشابه مع أمر التوبة، لكن يفرق العلماء بين التوبة والإنابة بأمر التوبة والإنابة اتفقا على موضوع الإقلاع، الإقلاع عن الشيء، الإقلاع عن الذنب، الإقلاع عن الفعل، هذه نعم اشتركت فيه أمر التوبة وأمر الإنابة، لكن الإنابة تضاف بوصف زائد عن التوبة أن فيها سرعة الرجوع، سرعة الرجوع، فكون الشخص يقلع عن شيء ثم يرجع إلى الله مباشرة يقال هذا منيب، هذا منيب. فرق بين التائب والمنيب في كيفية الرجوع، التائب والمنيب قد أقلعوا، لكن زاد المنيب الذي أناب إلى الله زاد بسرعة رجوعه إلى الله، إذن يقولون في الإنابة أنها توبة خاصة، توبة خاصة فيها هذا الوصف الدقيق وهو سرعة الرجوع إلى الله، فاستغفر ربه وخرّ راكعًا وأناب، وخرّ راكعًا وأناب. ومن العلماء كذلكم وهم يتفقون على أن الإنابة أرفع درجة من التوبة، هذا لا إشكال فيه، ومنهم من أضاف أوصافًا أخرى، يرى بعض العلماء أن المنيب لا يكون منيبًا إلا إذا اجتمعت فيه أربع عبادات، إذا اجتمعت فيه أربعة عبادات وهي المحبة والتعظيم والإقبال على الله والإعراض عن ما سواه، قال: من اجتمعت هذه الأوصاف كان العبد منيبًا، المحبة والتعظيم والإقبال على الله والإعراض عن ما سواه. أشهد إخواني في الله أن الإنابة لمقام رفيع من مقامات الدين، ولهذا أمر ربنا جل وعلا بالرجوع إليه سبحانه وتعالى، ويكون ذلك مرة بعد أخرى، ترجع دائمًا تكون رجاعًا إلى الله، تكون منيبًا إلى الله سبحانه وتعالى، كونك على هذا الحال يا عبد الله فقد حققت أعظم مقاصد التوحيد بفعلك هذا، تكون محققًا لأعظم مقصد من مقاصد التوحيد. وإذا جعلت هذه الإنابة إلى غير الله جل وعلا، فكونك تنيب إلى الأموات وترجع إلى الأموات هذا ما يكون من الشرك الأكبر المخرج من الدين والمخرج من الملة، وكون العبد يرجع مرة بعد الأخرى إلى الأضرحة يتوب إليهم ينوب إليهم هذا يعد كافرًا، وإن كان الرجوع المرة الواحدة هو كفر، رجوعك إلى الأضرحة وهي الأموات وتنيب إليهم وتتوب إليهم هذا من الشرك ولو كان مرة واحدة، لكن كونك تنوب وتؤوب أكثر من مرة هذا زيادة في الشرك، هذا زيادة في الشرك. إذن الإنابة إخواني في الله من العبادات العظيمة التي ينبغي للعباد أن يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: ودليل الاستعانة قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، كذلك الاستعانة إخواني في الله من العبادات العظيمة، والاستعانة الألف والسين والتاء في بداية هذه الكلمة الاستعانة يقول علماء أنها تأتي بمعنى الطلب، تأتي بمعنى الطلب، الاستعانة أي أنك تطلب المعونة، تطلب الإعانة. وألف والسين والتاء الغالب عليها هذا المعنى، هذا يسمى ألف والسين والتاء سنة طلبية غالب عليها هذا المقصد، أنها تأتي لمعنى الطلب، وسنأتي ذلك في العبادات التي ستتبع هذه العبادة، فقولنا الاستعانة معناها هي طلب المعونة من الله، طلب المعونة من الله، أنك تطلب من الله أن يعينك، وطلب الإعانة من الله من أعظم القربات، من أعظم الطاعات. ويكفيك دلالة على هذا المغزى ما في قوله ربنا جل وعلا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فيه دلالة على أننا نستعين بك يا رب جل وعلا، وانظر إلى هذه الآية أن ربنا جل وعلا قدم المعمول على العامل، ﴿إِيَّاكَ﴾ هو ضمير منفصل في محل نصب مفعول به، فالمفعول به مقدم، وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، يفيد القصر، يفيد الاختصاص، وكل ذلك من الإفادة إلى أهمية ما يذكر، فدل ذلك على ﴿إِنَّا لَا نَسْتَعِينُ إِلَّا بِكَ﴾ يا رب جل وعلا في كل أمورنا. ثم أتبع المؤلف رحمه الله تعالى بقول نبينا عليه الصلاة والسلام: «إذا استعنت فاستعن بالله»، فعلى القلوب وللألسنة أن لا تلهج إلا بذكر الله، مستعينة بالله سبحانه وتعالى. لكن مع القول بهذا ينبغي أن نعلم أن موضوع الاستعانة هي من المواضيع المشتركة بين الخالق وبين المخلوق، يمكن للعبد أن يستعين بالله ويستعين كذلك بالمخلوقين، يستعين كذلك بالمخلوقين، وهذا بدالات الكتاب والسنة، قال ربنا جل وعلا: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾، نستعين بالصبر، نستعين بالصلاة في قضاء أمورنا، كذلك نستعين ببشر كما ثبت ذلك في أحاديث كثيرة. منها ما جاء في الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «إني لا أستعين إلا بمسلم»، كما جاء في البخاري: «لا نستعين بمشرك»، مفهوم الحديث أي نستعين بالمسلمين، فيمكن أن تستعين بإخوانك المسلمين، ما جاء في صحيح مسلم قال عليه الصلاة والسلام: «والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه»، فإذن الاستعانة تكون مشتركة، تستعين أنت بالله، ولك أن تستعين كذلك بالمخلوقين. لكن بالضابط ما هو الضابط؟ أنك تستعين بمخلوق فيما يقدر عليه، تستعين بمخلوق فيما يقدر عليه، فأنت في أمر أردت أحدًا أن يعينك على قضاء حاجة، على حمل أمر ثقيل، على الذهاب معك إلى مهمة، إلى المساعدة في أمر مدلهمة، فكونك تستعين بإخوانك وتستعين بعض الحاجيات والأمور الدنيوية فهذا لا بأس به إن كان هذا مما يقدر عليه. أما كونك تستعين بمخلوق وهذا المخلوق لا يقدر على ذلك، لأن ذلك من خصائص الرب جل وعلا، فاستعانتك حينئذ استعانة شركية، فاستعانة بمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله هذا استعانة شركية، استعانة كفرية، ويدخل في ذلك الاستعانة بالأموات، الاستعانة بالأموات كمن يذهب إلى الأضرحة ثم يستعين بهم ويلتجئ إليهم على وعسى أنه ماذا يعينوه في قضايا أموره وعلى كشفها، فهذا من الشرك الأكبر المخرج من الدين والملة. وقول نبينا: «إذا استعنت فاستعن بالله»، روى الحديث روى الترمذي والصحيح، وقال: ذكره شيخنا مقبل في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين. والاستعانة كما قلنا من العبادات النافعة، يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى مبينًا عظم رتبة الاستعانة في دين الله جل وعلا: قال: تأملت أنفع الدعاء، فإذا هو سؤال الله العون في مرضاته، تأملت أنفع الدعاء، الدعاء كثير، الدعاء طويل، الدعاء متعدد، فيقول شيخ الإسلام: هو من أهل استقراء أراد أن يعرف ما هو أفضل دعاء، قال: تأملت أنفع الدعاء، فإذا هو سؤال الله جل وعلا العون على مرضاته. قال: وذلك في الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فعندما تقرأ الفاتحة تأمل في هذه الكلمات، فقولك: ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ كأنك وجهت قصدك وظاهرك وباطنك إلى الله جل وعلا، وكلت أمرك إلى الله، فبك تستعين بالله سبحانه وتعالى. ثم قال مؤلف رحمه الله تعالى: ودليل الاستعاذة قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، كذلكم الاستعاذة من العبادات العظيمة والتي حقها أن تصرف لله جل وعلا، والاستعاذة كما مر الألف والسين والتاء تدل على الطلب، فالاستعاذة هو طلب العوذ، طلب العوذ، والعوذ يقول عنه العلماء وهو بمعنى الالتجاء والاعتصام، العوذ بمعنى الالتجاء والاعتصام. فقولك: أعوذ بالله أي تستجير بالله، أي تلتجئ بالله، أي تعتصم بالله من كل شر، من كل سوء تخشى أن ينالك، فتلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى، والدليل على ذلك: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ أي أنك تلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى في هذا الأمر. والاستعاذة كما مر هي من الأمور العبادات القلبية كما يصرح بذلك العلماء رحمه الله تعالى، فحقها أن تصرف لله، فمن صرف الاستعاذة ومن طلب الاستعاذة من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهذا مشرك، كأن تأتي وهذا قد وجد وقد سمعنا طرفًا من بعض من يعظم الأضرحة ويعظم الأموات، من كان يأتي إلى أهل القباب والقبب والسدنة والأضرحة ثم يشكو ما في نفسه، فيقول لأهل القبور يخاطب الأموات لا يخاطب أحياء يخاطب أموات، فيقول: جئناكم ملتجئين ببابكم، منطرحين على أبوابكم، فلا تردون خائبين، لا تردون مردودين. فماذا يرتمي عندهم؟ يطلب منهم العوذ، يطلب منهم الالتجاء، يطلب منهم الاعتصام بأنه يحمونهم من كل شر، فهذا القائل لهذه العبارات هذا كافر، هذا كافر، هذا مشرك، لماذا؟ لأن الاستعاذة تطلب من الله جل وعلا، وخاصة فيما لا يقدر عليه إلا الله، فكون أنك تريد أحدًا أن يعصمك من أمر ما يمكن أحد أن يخرجك من هذا إلا الله عز وجل، ثم ترجو من المخلوق أن يكون لهم من الحماية ومن العصمة ما لا يقدر عليه إلا الله فهذا من الشرك الذي يكون صاحبه كافرًا. وهذا الذي ماذا كان عليه الكفار؟ أنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقًا، كان الكفار إذا نزلوا إلى الوادي فخافوا من شر الوادي وما فيه من هوام وسباع، التجأوا واعتصموا بالجان، اعتصموا بالجان: نحن في جنابكم، نحن في حضرتكم، فحمونا وعصمونا، فكانوا يفعلون ذلك، وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن، لكن ماذا كانت النتيجة؟ فزادوهم رهقًا. فلا يصرف الاستعاذة إلا لله سبحانه وتعالى، أما طلب العوذ مما يكون فيه عوذ فلا بأس، إذا كان هناك عوذ هناك ملاذ تلتجئ به وينفعك فلا بأس، كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «فمن وجد منكم ملجأ أو معاذًا فليعوذ به»، يمكن أن تعتصم به، فهذا لا شيء فيه. قال مؤلف رحمه الله تعالى: ودليل الاستغاثة قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾، كذلك الاستغاثة إخواني في الله من العبادات العظيمة، ويكذلك ابتدأت بالألف والسين والتاء الدال على الطلب، الاستغاثة بمعنى طلب الغوث، طلب الغوث، وهو بمعنى إزالة الشدة، بمعنى إزالة الشدة، هذا الغوث. فكونك تستغيث بالله أي تطلب من الله جل وعلا أن يرفع عنك الشدة التي أنت وقعت بها والتي أنت ابتليت بها، والاستغاثة إخواني في الله من العبادات العظيمة بدلالة القرآن، قال ربنا جل وعلا: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾، فهذا يدلك على رضى الله جل وعلا وعلى حب الله من العبد أن يكون مستغيثًا به، فإن الله سرعان ما ينزل كرامته وينزل إجابة سؤال داعيه، فاستجاب لكم. ومسألة إخواني في الله هنا مسألة وما يتعلق بالاستعانة، ما يتعلق بالاستغاثة، ما يتعلق بالاستعاذة، كلمات متقاربة، كلمات متشابهة، ذكر بعض العلماء فارقًا يفرق بين هذه الكلمات الثلاث، فيقول العلماء: أن من وقع في بلية، من وقع في بلية وقع فيها وابتلي فيها وأراد أن ترفع عنه يقال هذه استغاثة، فطلبت من الله أن يرفع عنك هذه الشدة والكربة يقال: فلان قد استغاث بالله. أما إن كان الشر والأذى والوبال لم يقع عليك لكن في طريقه في طريقه إليك، كمن هددك، كأتوقعت بأن ينزل عليك ضر أو كاد أن ينزل عليك ضر، هو إما نزل فأنت تلتجئ إلى الله لكي يدفع عنك هذا السوء يسمى ماذا؟ استعاذة، يسمى استعاذة، إذن الاستغاثة والاستعاذة هو كل فيها طلب الكف، لكن الاستغاثة في حق من وقع عليه الشدة فتريد أن ترفع منه يسمى هذا استغاثة، أما إذا كان الشر ما وقع لكن سيقع وخشيت أن يقع فدعوت الله أن يدفع عنه يسمى هذا استعاذة. أما إذا شر ما وقع وليس هو مظنة الوقوع وأردت أن تعمل عمل تريد المساعدة يقال هذه استعانة، هذا يسمى استعانة، فعندنا استغاثة وعندنا استعاذة وعندنا الاستعانة. وهنا قال المؤلف رحمه الله تعالى في هذه المسألة: قال: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾، مسألة إخواني في الله وهي أن أهل البدع في مسألة الاستغاثة خاصة يحومونها حولها يحومون حولها، فتجد أنهم في هذه المسألة خاصة يأتون بالشبه الكثيرة، لماذا؟ لأن معظم الشرك الذي وقعوا فيه هو في باب الاستغاثة، في باب الاستغاثة، تجد تنزل عليهم الكربات والشدائد والنكبات فيهرعون ويلجأون ويرتمون عند الأولياء والسدنة والقبور والأضرحة فيطلبون منهم كشف الكربة. فإذا جاء من جاء ونبههم على أن هذا من الشرك سرعان ما دافعوا عن أنفسهم، دافعوا عن أنفسهم، فمن ترهاتهم في هذا الباب: وقد سمعنا من بعضهم أنك إذا أنكرت عليه ما قال يقول لك: ما الدليل؟ ما الدليل على أن وجودي عند هذا القبر أو أن التجائي لذاك الميت أو لذاك الولي بأن يدفع عني ما وقعت فيه دليل أنه شرك؟ فإذا جئت له ببعض الأدلة كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، سرعان ما رد عليك برد بارد ساذج، قال: يا أخي أنت تأتي لي بأدلة فيها دعاء، أنا أريد استغاثة، أريد أدلة فيها استغاثة، وهذا من فعل حمقى، أقول صراحة: من فعل حمقى، فهم يحاولون بل حتى يلبسون على بعض العامة، بل حتى يناظرون على هذه المسائل. إذا رأوا أن أهل السنة يستدلون عليهم بأدلة تكفير فعلهم بأدلة الدعاء، قالوا: أنتم تأتون بأدلة دعاء، نحن الآن في موضوع استغاثة، دللوا لنا على أن الاستغاثة شرك، ويتبجحون وتضاحكون، ونسوا أولى أن أقوال العلماء قد دلت على أن هناك علاقة وثيقة بين الاستغاثة وبين الدعاء، بل يعتبر أن الدعاء أعم من الاستغاثة، وأن الاستغاثة فرد من أفراد الدعاء، ينبغي أن نتأمل في هذا: الاستغاثة فرد من أفراد الدعاء، فكل ما يقال في الدعاء يقال في الاستغاثة. فإذا كان عبادة دعاء عبادة فالاستغاثة عبادة، وإذا كان الدعاء في شيء من صوره شرك فإن الاستغاثة يكون مثله الشرك سواء بسواء، اللهم ما الفرق بين الدعاء والاستغاثة؟ قال العلماء: أن الاستغاثة إنما فيها دفع الطلب لدفع كربة، وأما الدعاء فهو أعم من ذلك، قد مر معنا أن الدعاء عبارة عن طلب من الله جل وعلا إما لجلب منفعة أو دفع مضرة، هذا الدعاء، هذا الدعاء كله دعاء، كونك تطلب من الله أن يأتي لك بمنفعة دعاء، تطلب من الله أن يدفع عنك مضرة دعاء. لكن يسمى هذا النوع الآخر وهو دفع المضرة يسميه العلماء باستغاثة، وإلا هو أصل من الدعاء، هو أصل من الدعاء وفرد من أفراد الدعاء، فينبغي أن نعقل ليس هناك فرق بين الدعاء والاستغاثة، ولهذا كان من الصواب أن ما يقال في صرف الاستغاثة لغير الله هو نفس صرف الدعاء لغير الله، والدعاء هو عبادة كما صرح بذلك نبينا، وكذلك الدعاء والاستغاثة عبادة على هذا القياس وعلى هذا النزول. كذلك استدل بعض هؤلاء من أهل القبور ممن ابتلي بالجاهلية الأولى ممن يستغيث بالأموات ويستغيث بالموتى أن الاستغاثة جائزة بما جاء بقوله تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾، في قصة موسى عليه السلام عندما جاء ذاك الرجل من أهله من أصحابه فاستغاث بموسى، فيقول لهؤلاء: أنظروا، فهم يفرحون به مثل هذه الآية، يقول: أنظروا هذه الآية في إثبات على أن موسى قد استغيث به، قد استغيث به، وأنتم كيف تدندنون وكيف تحرمون؟ بل كفرتمونا وجعلتمونا من عداد الكفار في مسألة جائزة، هذا الرجل قد استغاث بموسى، وموسى ما أنكر عليه، بل لبى لهذه الدعوة. فأخي يتم بهذه الآية ويدندنون بها على جواز الاستغاثة بغير الله، وهنا ناسب أن يبين على أن الاستغاثة وضع لها العلماء شروطًا، الاستغاثة لا نحرمها مطلقًا، الاستغاثة بمخلوق فيما يقدر عليه جائزة، هذا لا إشكال فيه، أنت يا عبد الله غريق في بحر، أنت غريق في بحر وهناك رجل على الساحل، هل لك أن تستغيث به؟ استغث به وأغثنا، يا فلان أغثنا، وهو أن يرفع عنك الكربة لأن هذا بمقدوره، يسبح ويأتيك. قدر الله في بيتك حريق، قدر الله أن سقوط شيء عليه فتستغيث أو نزلت في حفرة وسقطت بها، أردت أن من يغيثك من هذه الكربة ومن هذه الشدة، هذا ليس فيه شيء، لأن هذا فيما يقدر عليه المخلوق، وهذا الذي صار مع موسى عليه السلام أن الذي أراد من موسى أن ينصر من عدوه، فموسى لقوته ماذا خلصه من الأعداء؟ فدل ذلك على هذا الأمر، فينبغي التفريق، فالاستغاثة على التفصيل. أما أنك تأتي إلى مخلوق أو تأتي إلى ميت، تأتي إلى قبر فتستغيث به وتطلب منه الاستغاثة في أمر لا يقدر عليه إلا الله، هذا هو الشرك بعينه، عندكم قحط، عندكم جفاف، عندكم جفاف في القرية، فتأتي يا ولي الفلاني إما عن قبره أو ترفع صوتك بالدعاء: أغثنا بالأمطار، أغثنا بالغيث، هذا من الشرك، ما الذي يغيث إلا الله سبحانه وتعالى بأنزل الأمطار ونحو ذلك من المدلهمات. أنت في بحر، في بحر، في عباب البحر، في وسط البحر، ذهبت عليك الأشرعة، تعطى عليك مكائن البحر، فأصبحت ضائعًا بين سماء وماء، فحين تنادي بأعلى صوتك بدعائك تقول: يا الله، يا البدوي، يا الدسوقي، يا المحضار، يا عيدروس، من هؤلاء؟ من هؤلاء؟ هذا الشرك بعينه، لأنه لا أحد يغيثك بهذا الحال إلا الله سبحانه وتعالى. ومن هنا فائدة ولو أطنب عليكم في هذا المقام: أجاز العلماء الاستغاثة الشرعية أنها جائزة بأربعة شروط: أن يكون هذا الذي يستغاث به أن يكون حيًا، وأن يكون حاضرًا، وأن يكون قادرًا، وأن يسمع، أربعة شروط، فإن اختلت وإن تخلف أحد هذه الشروط فتقول: الاستغاثة غير شرعية، أن يكون حيًا، فإن كان ميتًا فلا، أن يكون حاضرًا، فإن كان غائبًا فلا، وأن يكون قادرًا، فإن كان عاجزًا فلا، وأن يكون يسمع، فإن لم يسمع فلا، داعي لأن يستغيث به، فلا، هذا لغو كما قال العلماء: حي، حاضر، قادر، يسمع، توفرت الشروط فيما يقدر عليه فهذا لا غبار عليه. وأخدم هذا المقام بعبارة لشيخ الإسلام الشوكاني رحمه الله تعالى، وهو يرد على أمثال هؤلاء، قال رحمه الله تعالى: ولا خلاف، هذا إجماع، قال: ولا خلاف أنه يستغاث بمخلوق فيما يقدر على الغوث فيه، فلا أحد ينازع في هذه المسألة، قال: ولا خلاف أنه يجوز أن يستغاث بمخلوق فيما يقدر على الغوث فيه من الأمور، ولا يحتاج مثل ذلك إلى الاستدلال، فهو في غاية الوضوح، قال: فهو في غاية الوضوح، فلا حي يتعنت، ولا حد يستشكل كون فلان يستغيث بحي حاضر فيما يقدر عليه، هذا أمر واضح، كما قال الشوكاني في الدر النضيج. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.