الدرس في شرح الأصول الثلاثة 31، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
ناقش المؤلف مدة حياة النبي صلى الله عليه وسلم وتفاصيل مراحلها منذ نزول الوحي وحتى وفاته. كانت حياته ثلاث وستين سنة منها أربعون قبل النبوة.
تناول المؤلف تعريف النبي والرسول وفقًا لثلاثة أقوال، مبينًا الفرق بينهما في التبليغ. وأشار إلى أن الرسل والأنبياء من الإنس وليس من الجن.
أبرز المؤلف فضل الإسلام على أهله من خلال أول آية نزلت على النبي محمد "اقرأ". وشدد على أهمية التعلم والدعاء والتضرع إلى الله لتحقيق النفع.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وله من العمر ثلاث وستون سنة، منها أربعون قبل النبوة، وثلاث وعشرون نبيًا رسولًا، نبئ بإقرأ وأرسل بالمدثر، وبلده مكة. هذه الفقرة، إخواني في الله، هي في الحقيقة تابعة لما مضى مما يتعلق بالأصل الثالث الذي أورده المؤلف رحمه الله تعالى في التعريف بشيء من سيرته عليه الصلاة والسلام، بما يتعلق باسمه وما يتعلق بنسبه، وكذلك بذكر بعض أجداده، صلواته ربي وسلامه عليه، وتكلمنا كذلك عما يتعلق بمولده من التحقيق في هذه المسألة، بذكر السنة وذكر الشهر وذكر اليوم، وذكر كذلك تحديد اليوم الذي ولد فيه نبينا عليه الصلاة والسلام. ثم بينا أن العثور أو الإصابة في هذا الباب ومعرفة ميلاد النبي عليه الصلاة والسلام لا يستدعي الاحتفال ولا يسترعي منا الاهتمام الشديد بهذا اليوم، بحيث تقام تلكم الطقوس بما يسمى بالاحتفال بالمولد، لا يا عبد الله، إن كنت ولابد تريد أن تميز هذا اليوم بشيء، فافعل ما فعله نبينا عليه الصلاة والسلام، ما الذي فعله؟ الصوم، عندما سئل عن صومه ليوم الاثنين، كان يكثر من صوم هذا اليوم، فسئل عن هذا اليوم، قال: «ذاك يوم ولدت فيه، ذاك يوم ولدت فيه»، فعليك يا عبد الله بالصيام، ائتساءً بنبيك، لأنك تفرح، لأنك تمرح، تترك العبادة، بل اجتهد عبد الله في التعبد لله جل وعلا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وله من العمر ثلاث وستون سنة، وهذا لا خلاف بين العلماء، وثبت ذلك عن ابن عباس أن نبينا قبض بهذا العمر، ثم قام المؤلف رحمه الله تعالى بالتفصيل في هذا التاريخ، قال: منها أربعون قبل النبوة، وثلاث وعشرون نبيًا رسولًا، وثلاث وعشرون نبيًا رسولًا، أي حاول عبد الله أن تعرف الخط التاريخي لحياة نبينا عليه الصلاة والسلام، له ثلاث وستون سنة، كيف قضاها؟ أربعون قبل النبوة لم يكن قد نزل عليه الوحي، فلما بلغ الأربعين صلاة ربي وسلامه عليه نزل عليه الوحي، وهذا بدلالة السنة، كما جاء في البخاري عن أنس: أن نبينا لما بلغ الأربعين نزل عليه الوحي، وهكذا الأنبياء يبعثون على هذا السن. فلما بلغ أشده وبلغ أربعين سنة، الرجل يكتمل النضج العقلي والذهني في السن الأربعين، فأنزل ربنا جل وعلا الوحي على نبينا عليه الصلاة والسلام في هذا العمر، وهو على أربعين سنة، وبعد ذلك، بعدما أنزل عليه الوحي وهو في السن الأربعين، جلس عليه الصلاة والسلام عشرة سنوات قضاها في مكة يدعو الناس، وبعد عشر سنوات أعرج بنبينا عليه الصلاة والسلام، وبعد المعراج بقي في مكة ثلاث سنين، ثلاث سنين، وبعدما جلس في مكة ثلاث سنوات هاجر إلى المدينة، وكم جلس في المدينة؟ جلس عشرة أعوام عليه الصلاة والسلام. لو أنك ستحسب هذه الخطة العامة: أربعون قبل النبوة، ثم عشرة سنوات قضاها في مكة دعوة إلى الله، وبعد ذلك وقعت هذه الحادثة العظيمة، وسيأتي ذكرها، الإسراء والمعراج، بعد الإسراء والمعراج جلس ثلاث سنوات في مكة، إذن عندي أربعين، ثم عندي عشر، ثم عندي ثلاث سنوات، وبعد ما جلس ثلاث سنوات بعد الإسراء والمعراج هاجر إلى المدينة، وجلس فيها عشرة أعوام، ستكون الحصيلة ثلاث وستين سنة: أربعون وعشر وثلاث وعشر، ثلاث وستون سنة إجمالًا، أربعون قبل النبوة وثلاث وعشرون نبيًا رسولًا، هكذا قضاها نبينا عليه الصلاة والسلام. وكان نزول الوحي على نبينا عليه الصلاة والسلام يوم الاثنين، وهذا بلا خلاف، وبالإجماع، أنه نزل الوحي، بل هذا لدلالة السنة، كما جاء في مسلم، حتى أبي قتادة: «ذاك يوم أنزل علي فيه»، فأنزل الوحي على نبينا في يوم الاثنين، وكان هذا النزول في أي شهر؟ اختلف العلماء، والذي عليه الأكثرون، وعليه دلالة الأدلة، على أن ذلك الإنزال كان في رمضان، كان في رمضان، حينما كان يتحنث لربه جل وعلا، ما ثبت ذلك في الصحيح من حديث عائشة: أن نبينا كان من هديه يتحنث في غار حراء، بعيدًا عن صخب القوم، وأما هم فيه من الانحلال والانحراف العقدي، فكان نبينا أسوة لمن كان قبله من النساك، يتنسك ويتحنث في غار حراء، يبتعد عن ضجيج الناس وعما هم فيه من ضياع وانحراف، فكان على هذا الحال، فلما كان فيما يوافق شهر رمضان، فيما يوافق شهر رمضان، نزل عليه جبريل عليه السلام، نزل على نبينا صلواته ربي وسلامه عليه. فهذا كان هو إنزال الوحي في السن الأربعين، وذلك يوم الاثنين، قال رحمه الله تعالى: منها أربعون قبل النبوة، وانظر إلى قوله: قبل النبوة، النبوة، إخواني في الله، ثم قال: وثلاث وعشرون نبيًا رسولًا، ما يتعلق بالنبوة وما يتعلق بالنبي، سيأتينا الفرق بين النبي والرسول، المؤلف ماذا قال؟ قال: وثلاث وعشرون نبيًا رسولًا، فعندي نبي وعندي رسول، هل هناك فرق بينهما؟ ذهب جماعة من أهل العلم إلى عدم وجود فرق بين النبي وبين الرسول، وأنها من الكلمات التي يسميها العلماء بالمترادفات، هذه ترادف، وهذا ليس بصحيح، هذا ليس بصحيح، بل هناك فرق بين النبي وبين الرسول، والقاعدة البيانية أن الاختلاف في المبنى يدل على اختلاف في المعنى، ففرق بين النبي وبين الرسول، كذلك الأدلة الكثيرة تدل على الاختلاف، مر معنا من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه: أن نبينا صلواته ربي وسلامه عليه لما عدد الأنبياء والرسل فرق بينهما، ذكر أن عدد الرسل، وأن عدتهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولًا، وأما الأنبياء فقال: «جم غفير»، فبهذا التعداد دل على أن ماهية الرسول ليس كماهية النبي، ولحديثه الذي ذكره شيخنا في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين، فإذا هناك فرق بين النبي وبين الرسول، كما سيأتي ذكره. والنبي، إخواني في اللقاء، المؤلف رحمه الله تعالى: منها أربعون قبل النبوة، قبل النبوة، النبوة مأخوذة من النبي، والنبي يقول علماء: على وزن فعيل، ونبية على وزن فعيل، وما معنى النبي؟ من أين مأخوذ؟ يقول علماء: أن النبي إما أنها مأخوذة من النبأ، والنبأ بمعنى الخبر، وإما أنه مأخوذ من النبوة، وهو بمعنى العلو والارتفاع، من النبوة ومعنى العلو والارتفاع، فعندي نبأ بمعنى الخبر، والنبي مأخوذ من النبأ، أو ماذا؟ من النبوة، وهو الارتفاع، وعلى ظل هذا الاشتقاق يختلف، فيكون نبي إنه اسم فاعل، بأنه هو الذي أخبر عن ربه، هو الذي جاء بالنبأ العظيم، فأخبر عن ربه جل وعلا، فهو اسم فاعل، أو أنه إذا كان من الارتفاع، أي أنه ارتفع عن غيره بالوحي، في ذهن، يكون اسم مفعول، أي أنه ماذا؟ الذي أنزل عليه خبر السماء. فعلى كلٍ هو إما اسم فاعل أو اسم مفعول، ومن يظهر هذا الاختلاف، إخواني في الله، في القراءة، في قراءة القراء، تجد تقرأ النبي تارة بغير همز، وفي بعض المصاحف تقرأ بالهمز، تقرأ نبيين وتقرأ نبيئين، بهمز وبغير همز، فالنبيين مأخوذ من النبي، وهو المشتق من الإخبار، وأما النبيئين مأخوذ من النبوة، وهو الارتفاع، ترى في بعض القراءات: «يا أيها النبي اتق الله»، فالنبيء بالهمز هذا مأخوذ من النبوة، وهو الارتفاع، أو أنه من النبأ، فماذا مع الخبر؟ الحاصل، إخواني في الله، قال مؤلف رحمه الله تعالى: منها أربعون قبل النبوة، وثلاث وعشرون نبيًا رسولًا، نبئ بإقرأ وأرسل بالمدثر، نبئ نبينا أول ما نبئ بإقرأ، كما جاء في الصحيح: أنه صلوة ربي وسلامه عليه نزل عليه جبريل، فخافه نبينا، حيث أن هذا أول لقاء تم بين نبينا وبين جبريل، فأنزل جبريل على نبينا صلواته ربي وسلامه عليه، وضمه الضمة الأولى والضمة الثانية والضمة الثالثة، وهو يقول له: «اقرأ»، فيقول النبي: «ما أنا بقارئ»، أي مما لست ممن يجيد القراءة، فما كان نبي يقرأ المكتوب عليه الصلاة والسلام، فقال له: «اقرأ»، ثم قال له: «اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم»، فأول ما أنزل على نبينا عليه الصلاة والسلام من الأوحي هذه السورة، يقول علماء: المقصود نبئ بإقرأ، ليست السورة بكاملها، وإنما الذي أنزل على نبينا صدر السورة، وهي الآيات الخمس الأول، إنما الذي أنزل على نبينا الآيات الأول الخمس من هذه السورة. وأرسل بالمدثر، ومعنى ذلك أن نبينا كما جاء في السيرة، لما نزل عليه جبريل في الأمر الأول، ثم هرع ورجع إلى خديجة يرتجف فؤاده عليه الصلاة والسلام، حتى جاءت خديجة وطمأنته صلواته ربي وسلامه عليه، وبشرته بكل خير، قالت: «كلا والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق»، ثم فتر الوحي وانقطع الوحي على نبينا عليه الصلاة والسلام، حتى جاء كما جاء من حيث جاء في الصحيح أيضًا: أنه بينما يسير، إذا سمع صوتًا من السماء، فرفع رأسه، فإذا يبصر جبريل، فإذا بجبريل، لكن على هيئته، له أجنحة عظيمة، قد غطت الأفق، قد غطت ما بين السماء والأرض عليه السلام، فحتى اندهش نبينا من صورة جبريل، ومن حجم جبريل، حتى رجع إلى خديجة رضي الله تعالى عنها، ويقولون: «زملوني، زملوني»، فأنزل ربنا جل وعلا: «يا أيها المدثر»، ومعنى المدثر: أي المتغطي، أي المتغطي بالأغطية، هذا كان حاله عليه الصلاة والسلام. قال مؤلف رحمه الله تعالى: نبئ بإقرأ وأرسل بالمدثر، نأتي الآن إلى مسألة: هل هناك فرق بين النبوة وبين الرسالة؟ قلنا: منهم، وهذا جمهور علماء، بل جمهور علماء على وجود فرق بين النبي وبين الرسالة، لكن اختلف ما هي هذا الفرق؟ فما الفرق بين النبي والرسول؟ الأقوال في ذلك كثيرة، وكثيرة جدًا، يمكن أن تلخص في ثلاث أقوال مشهورة بين العلماء. القول الذي عليه جمهور العلماء، من المفسرين، ومن المصنفين، على أن النبي هو كل إنسان ذكر حر، أوحي إليه بشرع، ولم يؤمر بتبليغه، وأن الرسول هو كل إنسان ذكر حر، أوحي إليه بشرع، وأمر بتبليغه، ففرق بين النبوة وبين الرسالة من حيثية التبليغ، فيقول: أما النبي والرسول، لا بد أن يكون من عداد الإنس، وهذا الذي عليه أقوال السلف والخلف، على أن الرسل والأنبياء يكون من الإنس، ومن خرج بالإنس خرج الجن، ليس هناك نبي من الجن، وليس هناك رسول من الجن، ليس عندهم هذا، ولهذا، صاحب ابن عباس رضي الله تعالى عنه، أنه قال: «من الإنس الرسل، ومن الجن النذر»، الجن ما عندهم إلا من ينذرهم فقط، وإنما الذي ينزل من الرسل من الإنس، هؤلاء الجن يلزمون به: «يا قومنا أجيبوا داعي الله»، من يقصدون محمدًا عليه الصلاة والسلام، فهو نبيهم، فليس عندهم نبي ينزل على هيئتهم، وهذا الذي عليه كما قلنا جماهير السلف والخلف. ومنهم من نقل الخلاف الضعيف في هذه المسألة، فأثبت أن هناك جن من جنسهم، لكن ليس هذا صحيح، فصحيح أن الرسل إنما هم من جنس البشر، من بني آدم، من الإنس، وأن يكونوا كذلك رجالًا، يكونوا كذلك رجالًا، فسألوا أهل العلم: «وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا نوحي إليهم»، «إلا رجالًا نوحي إليهم»، فهم من جنس الرجال، وخالف بعض علماء، كابن حزم رحمه الله، وذكر أن مريم من الرسل، وأن الله أوحى إليها، وهذا ليس بصحيح، فلا تكون الرسالة في النسوة، ولا كذلك النبوة، وإنما النبوة والرسالة تكون في حق الرجال، فهذا أشياء متفق عليها. لكن بعد ذلك، ما الذي يختلف؟ يقولون: بأن النبي أوحي إليه ربنا بشرع، إلا أنه لم يؤمر بتبليغه، وأما الرسول أوحي إليه بشرع، وأمر بتبليغه، وهذا كما قلنا القول المشهور، القول الثاني: من يقول بالفرق بين النبي والرسول: أن النبي هو الذي يرسله ربنا جل وعلا إلى قوم موافقين له، بعضهم يعبر بعبارة أخرى: هو الذي أرسل إلى قوم مؤمنين، هذا النبي، وأما الرسول هو الذي يبعثه ربنا جل وعلا إلى قوم كفار، بعبارة أخرى: إلى من يخالفونه، هذا الفرق بين النبي والرسول، هذا كما قلنا على قول طائفة من العلماء: أنه يكون في النظر في حق من أرسل إليهم، يكون الفرق، ليس في حق من أرسل، وإنما في حق من أرسل إليهم، إن كان أرسل إلى قوم يوافقونه، فهذا يكون نبيًا، وإن كان يخالفونه، فإنه رسول. القول الثالث، وهو الذي عليه نظر المحققين، قالوا: الأذق في التعريف والتفريق بين النبي والرسول: بأن النبي هو الذي جاء بشريعة فيها تجديد لشريعة من قبله، عبارة شريعته عبارة عن تجديد لشريعة من قبله، وأما الرسول هو الذي بعث برسالة مستقلة، برسالة مستقلة لنفسه بذاتها، بأحكامها، بشرعها، بل قد تنسخ ما مضى، فهذا هي الرسالة، وهذا هو الرسول، فيفرقون فيما هي ما جاء به، فإن جاء بتشريع، وهذا التشريع هو عبارة عن تشريع سابق، وإنما يجدد، كما كان في الحديث: «إنما بنو إسرائيل كانت تسوسهم أنبياؤهم، كلما مات نبي خلفه نبي»، هكذا يتبعون، كل يجدد من مضى، هذا النبي، أما الرسول فقال: هو الذي يأتي برسالة مستقلة، فموسى رسول، رسالته مستقلة، عيسى رسول، رسالته مستقلة، محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام رسول، لأنه رسالة مستقلة، وهذا الذي ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في كتابه «النبوات»، ويرجع إلى كتاب «النبوات» في التفصيل لهذه المسائل. قال مؤلف رحمه الله تعالى: وله من العمر ثلاث وستون سنة، منها أربعون قبل النبوة، وثلاث وعشرون نبيًا رسولًا، نبئ بإقرأ وأرسل بالمدثر، وهنا فائدة عظيمة، يا عبد الله، أن تعلم فضل الإسلام على أهله، أول آيات، أول آية، أو قل أول كلمة طرقت مسامع نبينا عليه الصلاة والسلام، قوله: «إقرأ»، ففيه فضل هذا الدين على أنه يربي أهله على التعلم، وعلى القراءة، والانكباب على معرفة الله جل وعلا، فليس هو بدين يدعو إلى الجهالات، كحال الأديان السالفة، كحال من كان يدعي النصرانية، كانوا يحاربون العلم، بل كان القسيسون في زمن ليس ببعيد عنه، كان يحاربون العلم، يحاربون العلم، فكان القسيسون وأصحاب الكنائس قبل فترة ليس ببعيدة، كانوا يحاربون جميع العلماء، من يتعلم أي علم، علم الجغرافية، علم الكون، علم الفلك، فكان يرون هذا في حرب، بل إن هذا العلم عندهم إلحاد، إلحاد، فكانوا يقتلون العلماء، يقتلون الأطباء، يقتلون كل أحد، حتى ظهرت تلكم النظرية، نظرية العلمانية، التي رأت أن العلم لا يقوم إلا إذا انفصل عن الدين، العلمانية هذه: أنه لا يقوم العلم إلا ينفصل عن الدين، من أين جاءت هذه الفكرة؟ من هذه الدسيسة، عندما قام النصارى وحاربوا العلم. لكن هذا الدين، يا عبد الله، انظر أول آية نزلت عن نبينا: «اقرأ باسم ربك الذي خلق»، فيها يا عبد الله أن تعلم أن هذا الدين ودين العلم، أن تتعلم، أن تتفقه في دين الله جل وعلا، ومن تأمل في هذه الآيات الأول التي أنزلها ربنا على نبيه، لعلم عظم العجائب والفرائد التي جعلها ربنا جل وعلا في هذه السورة، أو هذه الآيات الخمس الأول، قال: وأرسل بالمدثر، وبلده مكة، وهذا بالإجماع، كما قال ابن القيم، ابن القيم رحمه الله تعالى في «زاد المعاد»، قال: ولا خلاف أنه ولد في مكة، بل ولد في مكة، وتربى في مكة، وعاش في مكة عليه الصلاة والسلام، إلا ما كان من أمر الرضاعة، ذهب وارتضع عند بني سعد، عند حليمة السعدية، فترة من الزمن، ثم رجع إلى حضانة جده، ومن ثم إلى حضانة عمه، فقد عاش نبينا في مكة، وتربى عليها، وقضى جل حياته فيها، بل كان يحبها حبًا عظيمًا، صلوات ربي وسلام عليه، حتى لما هاجر، قال لمكة: «إنك لأحب البقاع إلي، ولولا أن قومك أخرجوني ما خرجت، ولولا أن قومك أخرجوني ما خرجت»، فكان نبينا يقدر مكة، ويعظم مكة، وكيف لا؟ بل مكة هي تعظم نبينا، يقول نبينا كما جاء في البخاري، حتى جاء في السمرة، قال: «إني لأعلم حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث»، فنبينا كان له التعظيم والتقدير لهذه البلدة، حتى لما جاء ملك الجبال، وأراد أن يطبق جبال مكة على أهل مكة، قال: «يا محمد، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين»، قال له نبينا: «لا، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحد الله»، فنبينا من عشيرته وقبيلته وأهله، وهذا المنشأ، وهكذا فلتكن، يا عبد الله، عليك أن تكون لهذه البلدة، أي بلدة كانت، عشت فيها وتربيت فيها، أن يكون لها حظ من التقدير، حظ من الإجلال. فإذا من نعمة الله جل وعلا عليك أن الله جعل لك بلدة تعيش فيها، تتربى فيها، تنمو فيها، فلا يكون جزاء هذه البلدة أن تخرب فيها، يخربون بيوتهم بأيديهم، وأيدي المؤمنين، فاعتبروا يا أولي الأبصار، رجل نهاية هذه النعمة أن تنشأ وتتربى في بلدة من بلاد المسلمين، ثم يكون جزاء البلدة لك منك جزاء السوء، أنك تفسد، أنك تقتل، أن تروع الآمنين، هذا ليس من شكر نعمة الله عليك، نفس على نفسك أولًا، أو ثم ثانيًا على بلدتك، أن تقوم بالفساد والتخريب، فإن من شكر الله جل وعلا على هذه البلدة، وأي بلدة عشت فيها وتربيت فيها، أن تكون لها الجميل، أن تكون له الجميل، كما فعل نبينا صلواته ربي وسلامه عليه. فاسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.