الدرس في أسباب رفع الهم 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
شرح الحديث الذي رسم فيه النبي مربعًا يمثل الحياة وخطًا داخليًا يمثل الأجل وخطًا خارجيًا يمثل الأمل، وخطوطًا قصارًا حول الخط الداخلي تمثل الآفات. يُبين الحديث أن الأجل محتوم والأمل ممدود والآفات تحيط بالإنسان.
الهم والغم والحزن من الآفات التي تؤثر على حياة الإنسان، وقد استعاذ النبي منها. الإسلام يقدم علاجات للتخلص منها عبر تعزيز العبودية لله.
الصلاة بإخلاص وحضور قلب هي الوسيلة للتخلص من الهموم. الإقبال على الصلاة يأتي بالطمأنينة، بينما الإعراض عنها يؤدي للابتلاء بالهموم.
القرب من الله يحقق الطمأنينة. المقطع يُختتم بالدعاء والصلاة على النبي.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، روى الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في سننه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خطى رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًا مربعًا، ومعنى خطى أي رسم، أي رسم صورة مربع". قال: "خطى رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًا مربعًا، وجعل في داخله خطًا، ومن خارج الخط خطًا آخر، وجعل في هذا الخط الذي داخل المربع خطوطًا قصارًا عن يمينه وعن شماله". الآن تأملت يا عبد الله هذه الصورة التي رسمها نبينا عليه الصلاة والسلام، اجعل في ذهنك شكل مربع، ومن داخل المربع خط ينطلق إلى داخل المربع، ثم خط أطول إلى الخارج، ثم تعود إلى الخط الداخلي، واجعل فوقه وتحته خطوطًا قصارًا. هذه التشكيلة ما معناها؟ نبينا صلى الله عليه وسلم أبان للناس ما معنى هذه الأشكال. فقال عليه الصلاة والسلام للخط الداخل في داخل المربع: "هذا الإنسان، وهذا أجله". أي أن الإنسان أجله داخل هذا المربع، فالمربع هي الحياة التي كتبت لك، لا يمكن أن تتجاوزها قيد أنملة، لأن الله قد قدر على كل نفس مقدار الحياة التي ستعيشها في هذه الدنيا. فأنت تمشي إلى أجلك، نهاية هذا الخط المربع هو الأجل، هل تتعدى؟ مستحيل، لا يمكن، لأن الله قدر عليك الموت في نهاية المطاف، وكل بمربعه، منه من كانت حياته قصيرة، ومنه الأقصر، ومنه الأطول، ومنه من يعمر، وكل ذلك في علم الله جل وعلا. فقال عليه الصلاة والسلام: "هذا الإنسان، وهذا أجله"، وأشار إلى الخط الخارجي، قال: "وهذا أمله". هذا الأمل بقي، لماذا الأمل خارج الخط؟ لأن الإنسان أمله طويل جدًا، ما ينتهي. لو أنك جئت لواحد الآن عمره في العشرينيات من عمره، سألته: ما الذي تريده؟ ما الذي تؤمله؟ لقال لك: أنا أؤمن لي وأعمر ويكون لي الأولاد والأزواج والضيعات والعمارات والعقارات. وتركه، وتعال بعد قد تجاوز الخمسين من عمره، سأله: ما الذي تؤمل؟ لا زال يؤمل: أنا أريد، وأنا أطلب، وأنا أرجو، أنا إن شاء الله أسأل الله أن يسر لي كذا من الأولاد والزوجات. فلا زال طامعًا. دعه وتعال له بعد سبعين سنة، سأله: ما الذي تريد؟ لا زال الإنسان له أمل طويل. وطول الأمل أنه يتعدى الأجل، لو لا يدري أين أجله. لهذا طوله. باعتبار ذلك، ما كان من غريزة الإنسان وهي الطمع، لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى ثالثًا، ولو كان لابن آدم واديان لابتغى ثالثًا، وما يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب. فالحاصل، الخط الخارج هذا هو أمل الإنسان، وكثير منا ينخدع بالآمال التي يطربها لنفسه، حتى أن بعض الناس لو ربما لو جاءت وفاته أو حانت سكراته، حياته ونزعات الموت، يقول: كيف؟ الآن يأتي الموت وأنا مؤمل، وأنا طارح مشاريع مستقبلية. لا يا عبد الله، الأمل شيء والأجل شيء. فالشاهد أن النبي أشار إلى الأجل المحتوم والأمل الممدود، ثم نعود إلى المربع، أشار نبينا صلى الله عليه وسلم إلى خطوط قصار رسم خطوطًا قصارًا حول الأجل، ما هذه الخطوط؟ قال عليه الصلاة والسلام: "وهذه الأعرض"، إن سلم من هذا نهشه هذا. الأعرض قال العلماء: جمع عرْض، وهي الآفات. الآفات بمعنى أنك يا عبد الله ونحن في هذه الحياة المكتوبة المحتومة، في مرورنا ومخرجنا من هذه الدنيا، ستنهال علينا الآفات، بمعنى المصائب، بمعنى الابتلاءات، من أعلى ومن فوق، ستنهشك من هنا وتنهشك من هنا. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: "إن سلم من هذا نهشه هذا". إن سلمت من مرض مثلًا ابتلاك الله بالفقر، ابتلاك الله بالفقر، وإن سلمت من آفة ابتلاك الله بأخرى، وهكذا يا عبد الله وأنت تمشي إلى الله إلى الأجل والمبتغى، تتناهشك هذه الآفات التي سماها نبينا بالأعراض، وهي حول آجالنا. ألا يعد الهم من أعظم هذه الآفات التي لربما ما يخلو منها إنسان؟ ما يعتري كل واحد منا من الهم والغم والأحزان، ما يكاد أحد ينفك عن هذه الظاهرة، مهما كان حاله، تأتيك يا عبد الله من الحالات ما يركبك الهم والغم والضيق والحرج. ومن عاشر ومن عاصر مثل هذه الحالات يعلم خطورة مثل هذه الظاهرة، متى ما استولت على الإنسان، متى ما ركبك الهم، عكر مزاجك وغير حالك، شعرت يا عبد الله بانزعاج القلب، بضيق النفس. حتى أن الواحد منا لربما في ساعة هم لا يستلذ لا بشراب ولا بطعام، ولا يقر له قرار ولا منام، يتقلب على فراشه. كم سمعنا وكم مررنا يأتيك من الهم ما يشغل بالك حتى أنك تتقلب إلى الصباح إلى الفجر، بل ربما يقرب لك الطعام والشراب ما تستطيع أن تأكل، وإن أكلت ما تلذذت به. بل إن من الناس من يركبه الهم حتى يجد أن العلاج من هذا الهم والغم هو الانتحار، فيسارع إلى قتل نفسه وإلى إزهاق روحه، وهذا وها نحن نسمع بين الفينة والأخرى للأسف من يقدم على عملية الانتحار، كبيرة من كبائر الذنوب، جريمة من أعظم جرائم التي جعلها الإسلام من أعظم الموبقات. هذه الظاهرة ظاهرة الانتحار، إذا رأيت من أقدم عليها تجد أن الذي أكثر من جعلهم يقدمون على الانتحار الخروج من الهم، ما يستطيع، تأتيه الديون، تأتيه الأحزان، تأتيه الهموم، وجد نفسه أنه يعيش في اختناق ما يستطيع أن يتنفس، هكذا يدعي، فيرى أن لا سبيل إلى الخروج من هذه الأحزان التي تراكمت عليه طيلة هذه الأيام إلا أن يموت. وكفى الله المؤمنين القتال، هكذا زعم، فينتحر. إخواني في الله، من عظيم شأن الهم وخطره على الإنسان كان نبينا صلى الله عليه وسلم يستعيذ منه، فقد صح أن من دعائه عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، ومن العجز والكسل". اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن. وما استعاذته عليه الصلاة والسلام من الهموم إلا لعلمه ومعرفته بآثارها وأضرارها على الإنسان. ونحن إخواني في الله في هذه الدنيا كما في هذا الحديث، نحن في سفرنا إلى الله جل وعلا، معرضون للآفات، وهذه الآفات تجتمع على أنها تأتي علينا بالهموم والغموم والأحزان، في هذه الدنيا التي كتب الله عز وجل على أن نعاني فيها المعاناة، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. قال العلماء: أي في تعب، فالإنسان يكابد الأتعاب، وحنانيك كل واحد بتعبه على حسب بيئته وظروفه، فالناس عيشون في هم وغم وأحزان. إخواني في الله، إذا هذه الظاهرة العظيمة، فإن الإسلام بشرائعه أوجد لنا الحلول، أوجد لنا العلاجات النافعة الناجحة في أنك يا عبد الله تتخلص من هذا الداء، وأنك متى ما ابتليت بهم أو غم أو حزن، عن طريق بعض الوسائل لربما ما ضرك أثره. وخلاصة هذه العلاجات تعود وتؤول إلى معنى واحد، وهي على مقدار عبوديتك لله، على مقدار عبوديتك لله سبحانه وتعالى، ستجد يا عبد الله راحة النفس والابتعاد عن الهم والغم والحزن. يقول علامة بن القيم رحمه الله تعالى بكلام بديع متين أصيل في بيانه هذه المسألة العظيمة، قال رحمه الله تعالى: "فمتى ما كان العبد مع الله هانت عليه المشاق، فبالله يهون كل صعب ويسهل كل عسير ويقرب كل بعيد، فبالله تزول الهموم والغموم والأحزان، فلا هم مع الله، ولا غم، ولا حزن". انتهى كلامه رحمه الله. متى ما كان العبد مع الله هانت عليه المشاق، تهون عليك. قال: "فبالله يهون كل صعب ويسهل كل عسير ويقرب كل بعيد". هذا متى؟ إذا كنت مع الله، مهما كانت صعبة معسرة، فإنها تتذلل تتيسر تهون لك. لكن إذا كنت مع الله، ثم قال: "فبالله تزول الهموم والغموم والأحزان، فلا هم مع الله". ما يجتمعان، ما يجتمعان، أهم وأنت مقبل على الله؟ لا، ما تجتمع. ولهذا يا عبد الله، حدد أي الطريق تختار، من الناس من وقعت به الجهالة إلى أنه يرى أن السبيل من الهروب من الهموم هو الدخول والانغماس في الرذائل، كما فعله الكفار الآن. الكافر إذا أصيب بمصيبة مثل فقد أو فقد أهله زوجته بحادث مروع، أو ذهب عليه ماله وأصيب بحالة من الانكسار والانهيار، ما السبيل عنده؟ يأتي بالخمر، الخمر أقرب علاج، يأتي بالخمر ويشرب الخمر يعاقر الخمر، بحجة أن هذا يزيل الألم، فيسكر. ويوجد مثله من المسلمين، أنه يفعل المعاصي والرذائل بحجة أنه هذا ينسيه، لا، ما ينسيه، ما ينسيك يا عبد الله، بل الهم سيبقى لاصقًا، بل إن الهم سيزداد هم المشكلة مع ما كان من غم المعصية، فالأيام ستكون بالنسبة إليك حالك. ولهذا إخواني في الله، فالسبيل للخروج من مسألة الهموم والغموم والأحزان بالذهاب إلى الله. ولا المقام لا يسع إخواني في الله، لكن حسب أن أشير في هذا المقام إلى أمر واحد نستعين به جميعًا في التخلص من همومنا وغمومنا متى ابتلينا بها، وهي الإقبال على الصلاة، الإقبال على الصلاة. أقبل يا عبد الله على الصلاة، الصلاة هي عمود الدين، وكذلك من أعظم كفارات الذنوب، وأيضًا اجعلها وسيلة من أعظم وسائل راحة الصدور وذهاب الهموم والغموم. قال حذيفة رضي الله تعالى عنه: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى". إذا حزبه قال العلماء في معنى حزبه هاهنا، قال: أي همه أمر أو أشغله، أي جاءه أمر جاءه بالهم، سرعان ما يدفع يدفع هذا الهم بالصلاة. كان إذا حزبه أمر صلى، يستوي لله جل وعلا ويصلي قائمًا راكعًا ساجدًا. لما أسلفنا، من كان مع الله كان الله معه، وأعظم علاقة العبد مع ربه في صلاته، أعظم علاقة العبد مع ربه في صلاته. ولهذا كان عليه الصلاة والسلام قال: "وجعلت قرة عيني في الصلاة". فالمؤمن يأنس بصلاته، مهما جاءته الهموم والغموم وجاءته الضير، يقول لنا: دعونا، دعونا نصلي، نرتاح نفسيا. ما كذا المسلم، لا يذهب إلى المخدرات أو إلى الحشيش والرذائل، بل يلجأ إلى الله، ينحني الله، يسجد لربه، فإذا سجد حينها استشعر بعظيم الراحة. موجدة قرة عيني في الصلاة. ولهذا كان عليه الصلاة والسلام يقول: "يا بلال، يا بلال، أقم الصلاة أرحنا بها". أرحنا بها، راحة النفوس، استراحة القلوب، ذهاب الهموم يكون بالاستئناس بالصلاة. صلي يا عبد الله كلما كنت من عباد الله الصالحين المصلين، تجد أن الهم والغم يندفع، وأن حالك أفضل بكثير من غيرك. وهنا مسألة إخواني في الله، قد يقول قائل: يا عبد الله، أنا والله فتا أصلي ومع ذلك ما أشعر بالذي تشعرون به. يبقى السؤال: كيف صلاتك؟ هنا السؤال المهم: كيف صلاتك؟ إذا كان الإنسان يصلي نعم في الظاهر، لكنه يصلي على عجل، يصلي على خبب، ينقرها نقر الغراب، لا فيها بحضور القلب، ولا بخشوع النفس، لا يتأمل في معانيها، لا يتدبر عظيم اللقاء بربه سبحانه وتعالى، ساهٍ غافل لاهٍ في صلاته، هل هذه تؤثر؟ ما ستؤثر شيء، لأن هذه ما هي صلاة كاملة، هذه صلاة حركات الصلاة فقط. أنت في جسدك وجثمانك مع الناس، لكن قلبك يسرح ويمرح في الدنيا، هذا ما ستؤثر. لكن أقبل، أقبل يا عبد الله ظاهرا وباطنا، قلبا وقالبا على الله، ستجد أثر الصلاة في أنها تأتي بالطمأنينة على الصدور. هذا وأما من كان معرضا عن الصلاة، تاركا للصلاة، فلا تسل عن حاله، فإن الله سيبتليه بالهموم والغموم، ما الله به عليم. فالشاهد إخواني في الله، هذه المسألة من المسائل العظيمة التي ينبغي أن يعتني بها كل مسلم ومسلمة في سبيل دفع الهموم والغموم عن أنفسنا، وذلك يكون بالإقبال على الصلاة، سواء كانت الصلاة المفروضة بأدائها جماعة في بيوت الله، أو ما كان من صلاة النوافل القبلية والبعدية المؤكدة، وهكذا النوافل المستحبة. فعلى قدر قربك من ربك جل وعلا، فالله جل وعلا يحبيك من الطمأنينة ما ليس لغيرك. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.