الدرس في أسباب رفع الهم 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح هذا الفصل أهمية الدعاء في علاج الهموم والأحزان، ويبين معنى الدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم. كما يشدد على أهمية إظهار الضعف والفقر لله تعالى في الدعاء.
يتحدث هذا الفصل عن التوسل إلى الله بأسمائه الحسنى عند الدعاء، ويوضح أن أفعال الله تقوم على الحكمة والعدل، مؤكدًا على ضرورة الإيمان بالقضاء والقدر. كما يشير إلى أن المصائب قد تكون خيرًا للإنسان.
يفصل هذا الفصل الدعاء الذي كان النبي يستعمله لطلب الفرج من الله، حيث يتوسل إليه بأسمائه الحسنى ويطلب أن يجعل القرآن ربيع قلبه ونور صدره. ويبين فضل هذا الدعاء في تبديل الحزن بالفرح.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا إخواني في الله في هذا المقام نستذكر وإياكم أهم الأسباب التي بها نعالج الهموم والأحزان، والتي تعتري الإنسان وهو في هذه الحياة الدنيا. وكانت الإشارة إلى كثرة الصلاة، وأيضًا الإكثار والإقبال على ذكر الله، وما يكون من كثرة الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. وأيضًا مما أذكره في هذا المقام من علاجاتي من علاج الهم والغم ما جاءت به السنة النبوية من أذكار مخصوصة، إذا ضفر بها المسلم كانت من ثمرة هذا الذكر وهذا الورد أنه يعود على قلبه بالسكينة والطمأنينة والراحة. وهذا الذي ينبغي أن نقبل عليه جميعًا، فإن الله سبحانه وتعالى جعل في كتابه، وجعل في الأذكار والأدعية التي أتى بها نبيه، جعل فيها ما فيها البركة لحياتنا ولقلوبنا. وإن مما أذكر في هذا المقام إخواني في الله ما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام «ما أصاب أحدًا قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، بأن تجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا، إلا أذهب الله جل وعلا همه وحزنه، وأبدله فرحًا». فقال ابن مسعود: يا رسول الله، أفلا نتعلمها؟ قال عليه الصلاة والسلام: «ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها». فهذا الحديث إخواني في الله من الأحاديث الشهيرة الصحيحة، كما قال العلماء بأن هذا الحديث مشهور، وقد صححه جماعة من الأئمة من القدماء ومن المعاصرين في هذه الأزمنة. وهذا الحديث مما يناسب ذكره في هذا المقام، ونحن في سبيل تتبع أعظم الأسباب. وهذا الحديث إخواني في الله ينبغي أن نرى ونتأمل ما فيه، ففيه يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: «ما أصاب أحدًا» وكلمة «أحد» هنا نكرة، والسياق شرط، والقاعدة عند البلاغيين أن النكرة إذا جاءت في سياق الشرط فإنها تفيد العموم. ما من أحد كائنًا من كان، ذكرًا كان أو أنثى، صغيرًا أو كبيرًا، عظيمًا أو حقيرًا، أصيب بهذا المصاب. ما هو؟ «ما أصاب أحدًا هم ولا حزن». وهم وحزن كذلك جاءت هنا نكيرات، إشارة إلى أي هم يصيبك، وإلى أي حزن يعتريك، إلى أي حزن يعتريك، بغض النظر عن سببه. لربما ذاك عنده هم تخوف مما سيأتيه من مخاوف، سمع بتهديدات، إما على مستوى الأفراد أو على مستوى الجماعات، من حروب ونحو ذلك، فأتاه الهم، فلا يقر له قرار. أو كان جاءه حزن لما أبتلي به من خسائر في أمواله وفي تجارته، أو كان همه في أن يتزوج، وحالة الأمور دون أن يحقق هذه الأمنية. وهكذا هموم وغموم وأحزان تتوالى علينا، هذه كلها تشتمل، تدخل في هذا الذكر والدعاء، لأن «هم» و«حزن» جاءت نكرة تدل على أي هم أصابك الله به، تأتي بهذا الدعاء. فقال: «ماذا تقول؟ اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك». ما المراد من هذه الكلمات؟ الافتقار، تظهر يا عبد الله عند ربك، وأنت تسأل ربك جل وعلا وتدعوه بهذا الذكر، أن تدلل في كلامك ما يدل على أنك محتاج لربك، أظهر الفقر والضعف والعجز والوهن، وأنك ذليل بين يدي رب عظيم جليل. فإن الإنسان إذا أظهر ضعفه أمام ربه كان هذا أدعى للإجابة. وتعلمون في حديث سيد الاستغفار الذي يقول فيه نبينا «أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك». هابد أنك تظهر في دعائك ما يدل على فقرك وحاجتك. فقال: «اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك». أي أن أمري عندك يا رب، أنا ما أملك لنفسي شيء، لا نفعًا ولا ضرًا. فما من دابة إلا هو سبحانه آخذ بناصيتها، كل المخلوقات ربنا عز وجل هو الذي يسيرها، وأنت كذلك، أنت ما تدفع عن نفسك شيء، بدليل هذا الهم والغم الذي اعتراك، أنت لا تريده، لكن الله هو الذي أراده، فتعترف بأن الله عز وجل هو المتصرف فيك. فقال: «ناصيتي بيدك، ماض في حكمك». ماض أي نافذ حكمك، أي الحكم الكوني، كل ما أردته يا رب أن يقع فإنه واقع لا محالة، فلا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه سبحانه. أراد الله عز وجل بك المرض يقع، أراد الله عز وجل منك الحادثة وقعت، أراد الله منك مصيبة حصلت، ما تملك لنفسك شيء، ما ظل في حكمك، أنا ما أدفع عن نفسي شيء، أنت تفعل بي ما شئت. ولهذا من الذكر «اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت». إذا أنت منعت تمنع، ما هناك أحد سيستدرك على حكمك، وأنت إذا أعطيت أعطيت، ما هناك أحد سيعقب على قضائك. «ماض في حكمك، عدل في قضائك». مع أنك يا رب حكمك نافذ كائنًا ما كان، لكن هذا الحكم النافذ لا يخرج أبدًا عن نطاق العدل، لأن أفعال الله كلها تقوم على الحكمة، فالله عز وجل حكيم، أليس الله بأحكم الحاكمين؟ بلى سبحانه. فلما كان أحكم الحاكمين جل في علاه، فما يقضيه على العباد وعلى الكائنات وعلى المخلوقات تقوم على الحكمة، فهي لا تخرج عن العدل، لأن الحكمة هي وضع الأشياء في مواضعها لغايات حميدة. فإذا رأيت يا عبد الله أن ما أنت فيه من مصيبة ومن نكبة ومن كربة، اعلم أن الله أولًا قدرها عليك، فقدره نافذ، واعلم أن الله أراد بهذه المصيبة حكمة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها. أنت ما تضطرب ولهذا يأتي من يأتي منه ويستعجل أمام قضاء الله وقدره، وقدره فإذا به يتذمر، إذا به ينتقد، لربما بلسان المقال أو بلسان الحال، أنهما يرضى. ولهذا كان من صميم عقيدة أهل الإسلام الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره، تؤمن بهذا أن من الله عز وجل، وأن الكل بخير أراده الله، حتى ما ترى أن من ظاهره الشر المصائب والنكبات، الله يريد من بعد ذلك خير في العاجل أو في الآجل، في الدنيا أو في الآخرة. إن لم يكن منها سوى التكفير عن السيئات، حتى قال بعض السلف: «لو لا المصائب، لو لا المصائب لكنا عند الله مفاليس». مفاليس ما عندنا حسنات، لكن المصائب تستر علينا، المصائب هذه ما عندنا صلاة، ما عندنا صيام، ما عندنا قيام، ما عندنا نفقة، ما عندنا صدقة، ما عندنا بر وإحسان، لكن عندنا أمراض مصائب، هذه تنفعنا عند الله أجور نزداد بها عند ربنا. لكن ترضى لو لا المصائب لكنا عند الله مفاليس. فالإنسان يحسن الظن بقضاء الله، وقد فتقول بأنك يا رب فيما تقدره علي عدل، ما هناك ظلم حاشا عدل في قضائه. «أسألك بكل اسم هو لك» وهذا من التوسل والتوجه إلى الله بأسمائه الحسنى، ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها. تسأل ربك عز وجل بأسمائه الحسنى، لهذا كان من أدب الدعاء عندما تدعو ربك جل وعلا أنك لا تدخل مباشرة في الطلب، لا تحاول أنك تأتي بمقدمة، وهو تثني على الله، ما يكون من ألفاظ الجلال والجمال والعظم لله جل وعلا. اللهم أنت الله، اللهم أنت يا رب يا رب العالمين، اللهم أنت رب الأكوان، اللهم أنت الذي خلقتني، تظهر تظهر جلال وإعظام لله. مثل ما يفعل واحد منا مع مسؤول الأرض، ولله المثل الأعلى، تأتي عند مسؤول تقول: يا أخي عطني، قولي يا أخي يا سيدي، أنت ما شاء الله عليك، نسمع عنك كل خير، وأنت أهل الفضل وأهل الخير، والناس يذكرونك بكل ثناء، تمهد حتى تستلطف. ولله المثل الأعلى، فالله يحب الثناء كما قال عليه الصلاة والسلام، فلا أحد يحب الثناء مثل الله جل في علاه. تعلم أن تتوسل إلى الله بأسمائه، اللهم أنت الرحيم، أنت الغفور، اللهم أنت الأول والآخر والظاهر والباطن، وأنت على كل شيء قدير. اللهم اللهم تتوسل، الله يحب أن يسمع الثناء من عبده عند الطلب والحاجة، منها «اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك». وهذه القاعدة في باب الأسماء بأن الله ما يسمى إلا بما سمى به نفسه جل في علاه، فلا نخترع لله أسماء كما يفعل المبتدع. وإنما الله عز وجل سمى بنفسه بأسماء، هو الرحمن، هو الرحيم، هو الغفور، هو التواب، هو القدير، هذه أسماء الله، نسمي الله بما سمى به نفسه. «بما سميت به نفسك»، ثم يقول العلماء جاء التفصيل، وأين هذه الأسماء التي سمى الله بها نفسه؟ «أو أنزلته في كتابك». الكتب المنزلة ما كان من التوراة والإنجيل وما كان في القرآن، فيه الكثير من أسماء الله خذ منها، واسأل الله عز وجل بهذه الأسماء الحسنة في كتابك. «أو علمته أحدًا من خلقه». قال العلماء من الأنبياء والرسل، فهم من أعلم خلق الله بما يليق بالله من الأسماء الحسنة والصفات العلا، فمنهم نأخذ هذا الباب. ولهذا استفاد العلماء على أن باب الأسماء إنما يؤخذ من الكتاب والسنة. «أنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك». استدل العلماء على أن من أسماء الله ما لا يعلم بها أحدًا من خلق الله، لا يعلم بها أحد من خلق الله، استأثر الله بها بعلمه، ما أحد يدري بها. ولهذا القول الصحيح على أن أسماء الله غير محصورة بعدد، غير محصورة بعدد. لهذا الحديث «أو استأثرت به في علم الغيب عندك». هناك أسماء جعلها الله لنفسه ما أحد يدري بها، لكن سيأتي أوانها. من ذلك ما سيأتي في الشفاعة، عندما يأتي نبينا صلى الله عليه وسلم لكي يطلب من ربه فصل القضاء بين الخلائق، فيخر تحت عرش الرحمن، فيدعو الله ويسأل الله بأسمائه، ويفتح الله عليه من الأشياء ما لم يعلمها نبينا صلى الله عليه وسلم من قبل، في هذا المقام يعطيه ربنا، يلهمه من الثناء والأسماء ما لم يعلمها نبينا. «أو استأثرت به في علم الغيب عندك». قال «أن تجعل القرآن» هذا التوسل كله السبب، ما أصابني يا رب من هم وغم، والدخول إليك يا رب بأسمائك الحسنى، طب ما الطلب؟ «أن تجعل القرآن ربيع قلبي». ربيع قلبي مثل الربيع، موسم الربيع إذا حل على الأرض ما الذي يجعل الأرض مخضرة تسر الناظرين؟ يرتح إليها الناس، يخرج الناس هنا للتنزه لتغير الأجواء وتحسن المضاء، هذا هو الربيع. اجعل القرآن ربيع قلبي، قلبي يكون كالربيع بالقرآن يحيى يثمر يخضر، ونور ونور صدري، أن قلبي ينور، وهذا إشارة إلى أن الحزن والهم والغم يأتي بالظلمة بالظلمة على الصدر، يشعر بها أهل الهموم، لكن بالقرآن والتوسل إلى الله يجلي ربنا هذه الظلمات من الصدور. «وجلاء حزني وذهاب همي». إذا دعوت يا عبد الله بهذه الدعوات، قال عليه الصلاة والسلام «إلا أذهب الله همه وحزنه». إذا جئت يا عبد الله بهذا الدعاء الذي يحتاج إلى أن تنظر في كلماته وتتفاعل مع معانيه، من ثمرة هذا الدعاء الجليل الجميل «إلا أذهب الله همه وحزنه»، فقط هذا لا، هناك فضل آخر «وأبدله مكانه فرحًا». الإنسان على ثلاثة مراتب، الإنسان السوي الذي ما يشعر بشيء، الدون من تعكر مزاج بالهم والغم، الأبعد والأرفع وهو السعيد الفرح البشوش. فإنك إذا جئت بهذا الدعاء فإن الله عز وجل يسلمك من الدون وينقلك إلى الأعلى وهو الفرح والسرور الذي يكون في القلوب والصدور. «إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله فرحًا». فحين لما علم الصحابة بهذا الفضل العظيم كنز كلنا بحاجة إليه، لما أشرنا في أوائل الدروس أن ما منا من أحد إلا وتعتريه الهموم والغموم في اليوم والليل، ما الله به عليم. ففرح ففرح الصحابة، قالوا: يا رسول الله أفلا نتعلمها؟ نتعلم هذه الدعوات هذه الكلمات. قال عليه الصلاة والسلام: «ينبغي قال بلى ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها». هذا الذي ينبغي الإقبال على مثل هذه الأذكار والأوراد التي ما ينبغي إخواني في الله أن نتوانى في تعلمها وفي حفظها. فالله الله يا عبد الله بهذا الدعاء، والذي علمنا إياه نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو من وحي السماء، والذي من أتى به بلفظ اللسان مع اعتقاد القلب والجنان، إلا أبدل الله بحزنه وهمه وغمه فرحًا وسرورًا. أن تقول: «اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضائك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، بأن تجعل القرآن ربيع قيبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي». «إلا أذهب الله همه وحزنه». أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.