الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 134، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول موضوع التخصيص في العبادات وضرورة الرجوع إلى الكتاب والسنة عند التنازع، ويبين أن البدع قد تحتوي على منافع لكنها تفوقها مفاسد. يجب الحذر من التخصيص غير المبرر شرعاً.
البدع قد تحتوي على بعض المنافع لبعض الناس، لكنها تسبب مفاسد أكبر على الدين، مثل الاعتقاد الخاطئ في فضلها واستعذاب القلوب لها على حساب السنن. هذا يؤدي إلى إضعاف عناية الناس بالفرائض والسنن.
يشرح سبب تمسك أهل البدع ببدعهم مستدلا بقصة قوم موسى، ويوضح كيف أن البدع تشربت في قلوبهم فأصبحوا لا يرون شيئا من الدين إلا البدع، مما يؤدي إلى نقص عنايتهم بالفرائض والسنن.
يتناول التحذير من البدع والمحدثات وذمها، ويشير إلى أن العلماء تفطنوا إلى خطورة الكبر والرغبة في اتباع الناس، ويعد بالمزيد من الشرح في دروس قادمة حول هذا الموضوع.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، بعدما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في كلامه على البدع ذكر أن أعظم ما يؤخذ على هؤلاء هو التخصيص، تخصيص مكان أو تخصيص زمان أو تخصيص عدد، ثم بعد ذلك تتبعه أشياء من الفضائل. كما قال الشيخ الإسلام، لو لم يعتقد الفضيلة لما خص هذه العبادة بشيء. فثم ذكر أن هذه الأمور تعود إلى السنة عند التنازع، تعود إلى العلماء، كما قال الله عز وجل: ﴿وإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾، وقال جل وعلا: ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم﴾. فهذه الرجوع يكون فيها إلى الكتاب والسنة، فهل خص الكتاب والسنة هذه الأشياء بفضل أو لم يخص؟ ثم ذكر أنه قد يكون في بعض هذه البدع شيء من المنافع، لكن يعارضها ما فيها من مفاسد البدع الراجح. فقد يكون المحرض فيه شيء من المنفعة، مثل ما قال الله عز وجل في الخمر: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾، فالإثم أكثر والإثم أكبر، فلهذا البدع قد يكون فيها منافع لبعض الناس أنهم يفعلون ذلك إخلاصا واجتهادا، كما بيّن الشيخ رحمه الله، لكن فيها من المفاسد على دين الله عز وجل ما هي أرجح من هذه المصالح. فذكر من هذه المفاسد قال: مع ما تقدم من المفسدة الاعتقادية والحالية، المفسدة الاعتقادية هو اعتقاد الفضل في هذا الشيء الذي ابتدعه، ما خصص إنسان شيئا إلا لأنه يعتقد فضل ذلك التخصيص، وإلا كان عبثا. قال: منها مع ما تقدم مفسدة الاعتقادية والحالية أن القلوب تستعذبها وتستغني بها عن كثير من السنن، حتى تجد كثيرا من العامة يحافظ عليها ما لا يحافظ على التراويح والصلوات الخمس. هذا من المفاسد، البدع تجد أهل البدع يجتهدون فيها ما لا يجتهدون في السنن، وتجد أن الشيطان يزين لهم هذه الأعمال حتى تصير الدين كله. الآن بعض المتصوفة وبعض العوام تجد عنده الدين مولد وحضرة، أما الصلاة فقد يصلي وقد لا يصلي، حتى تجد أنه يتأخر كثيرا عن الصلاة أو أنه حيانا يقدم أشياء من أمور الدنيا على الصلاة. فقيل لسفيان بن عين ما لنا نرى أهل البدع يتشبثون ببدعهم، فقال: «لم تسمع إلى قول الله جل وعلا: ﴿واشربوا في قلوبهم العجل﴾، وانظر إلى هذا الاستدلال العجيب، استدلنا بما فعله قوم موسى من عبادتهم للعجل». الله عز وجل أرسل إليهم موسى وعلمهم التوحيد، ثم ذهب موسى إلى ربه جل وعلا أربعين ليلة، فجاء هؤلاء السامري وضحك عليهم، فقال لهم هذا إله موسى. فقال الله عز وجل: ﴿واشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم﴾، تشربوا عبادة هذا العجل، كما تشترب قلوبهم هذه الأشياء، فعبدوها من دون الله جل وعلا. وهكذا البدع تشربت البدع في قلوبهم، فهم لا يرون شيئا إلا هذه البدع، لا يرون شيئا من الدين كأن الدين لا شيء فيه إلا هذا. قالوا: منها أن الخاصة والعامة تنقص بسببها عنايتهم بالفرائض والسنن ورغبتهم فيها، فتجد الرجل يجتهد فيها ويخلص وينيب ويفعل فيها ما لا يفعله في الفرائض والسنن، حتى كأنه يفعل هذه العبادة ويفعل الفرائض والسنن عادة ووظيفة، وهذا عكس الدين، فيفوته بذلك ما في الفرائض والسنن من المغفرة والرحمة والرقة والطهارة والخشوع وإجابة الدعوة وحلاوة المناجاة. قال: ومنها مسارقة الطبع إلى الانحلال من ربقة الاتباع وفوات سلوك الطريق المستقيم، وذلك أن النفس فيها نوع من الكبر، فتحب أن تخرج من العبودية والاتباع بحسب الإمكان. قال أبو عثمان النيسابوري: «ما ترك أحد شيئا من السنة إلا لكبر في نفسه». فهذا أمر مهم أمر تفطن له أولاء العلماء، الكبر موجود، وهذا كما قلنا مثل ما قال: إنه يريد الناس أن يتبعه، فإذا لم يجد من يتبعه في السنة انتقل للبدعة حتى يتبعه الناس. قالوا: ومنها ما تقدم التنبيه عليه في عياذ الكتاب من المفاسد التي توجد في كل النوعين المحدثين، النوع الذي فيه مشابهة والنوع الذي لا مشابهة فيه. قال: الكلام في ذم البدع لما كان مقررا في هذا الموضع لم نطل النفس في تقريره، بل نذكر بعض عياذ هذه المواسم وأساءتها إن شاء الله وتعالى. وأيضا سيتكلم على البدع والمحدثات إن شاء الله. نكتب بهذا ونكمل في درس قادم.