التعليق على كتاب الداء والدواء 107

التعليق على كتاب الداء والدواء 107

الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 107، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

علاج داء العشق وتقوى الله عند الإمام الشافعي

يبيّن المقطع أن العشق مرض قلبي ممزوج بالشهوة، ويُفرَق بينه وبين المحبة الشرعية، مع ذكر خطره. ثم يستعرض علاج الإمام الشافعي له بتقوى الله، ومداواة الهوى، وكتمان الوجد، والصبر والخضوع.

خطر العشق الشديد ونماذج من ضحاياه وتمهيد للعلاج

يسرد المقطع قصة إجابة الإمام الشافعي لرجل لم يصبر على داء العشق، ويستعرض أمثلة تاريخية كقيس بن الملوح وابن كليب اللذين ماتا بسببه، مبيناً أن العلماء هم أطباء القلوب الذين يسعون لعلاج هذا الداء.

علاج داء العشق: الوقاية قبل وقوعه والعلاج بعده عند ابن القيم

يبيّن ابن القيم طريقين لعلاج العشق: الأول حسم مادته قبل حصوله بالوقاية كغض البصر وتجنب المثيرات، والثاني قلع الداء بعد نزوله باستخدام العلاجات النافعة مستنداً إلى حديث «ما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء».

الخاتمة والدعاء

يختتم المتحدث الدرس بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم والحمد لله، ويشكر المشاهدين على المتابعة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمةً للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أما بعد، قال الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي المشهور بابن القيم، ويقال ابن قيم الجوزية، رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين، في كتابه القيم ورسالته المفيدة الموسومة بـ «الداء والدواء»: «وهكذا هو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي». وذكر هنا فصلًا يتعلق بعلاج هذا الداء الذي جاء السؤال عنه. فما هو هذا الداء يا أبا الزبير؟ ما هو هذا الداء؟ داء العشق. داء العشق، والعشق عبارة عن محبة ممزوجة بشهوة. ولهذا قلنا: لا يجوز أن يطلق في حق الله تبارك وتعالى. يأتي شخص يقول: «أنا أعشق الله»، لا، ما يجوز. أو «أعشق الرسول صلى الله عليه وسلم». نحن نحب الله، وهكذا نحب الرسول صلى الله عليه وسلم، بعيدًا عن هذه الشهوات التي يبتل بها العشاق. وسبق يا إخوان فيما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى، وهكذا ذكره غيره فيما يتعلق بخطورة العشق، وهكذا مصارع العشاق الوخيمة. مصارع العشاق الوخيمة هذا، وهم في أزمان العافية. هذا وهم في أزمان العافية، لم يكن عندهم فضائيات ولا شاشات، ولم يكن عندهم إنترنت ولا جوالات، وإنما كانت العافية عندهم أعظم مما هي موجودة عندنا. ومع هذا، انظروا ماذا كتبوا، واسمعوا لما قالوا فيما يتعلق بخطورة العشق على أهله. العشق على أهله. واهتم العلماء قديمًا وحديثًا ببيان العلاجات النافعة والأدوية الناجعة لعلاج هذه الأمراض الخطيرة، ومنها مرض العشق. وسبق معنا، لو تذكرون، ما ذكره الإمام البيهقي رحمه الله تعالى في كتابه «مناقب الشافعي»، ذكر عن الربيع بن سليمان، والربيع بن سليمان يعتبر من أخص تلاميذ الإمام الشافعي. الربيع بن سليمان رحمه الله تعالى قال: «كنا عند الشافعي إذ جاءه رجل برقعة». ومعنى رقعة: يعني ورقة، ورقة مكتوب فيها كلام. «إذ جاءه رجل برقعة، قال: فنظر فيها» أي الشافعي «وتَبَسَّمَ، ثم كتب فيها كلامًا ودفعها إلى ذلك الرجل». فقال الربيع بن سليمان: «انظر إلى حرص طلاب العلم». قال الربيع بن سليمان: «يسأل الشافعي عن مسألة، لا ننظر فيها، لا ننظر فيها، وفي جوابها». قال: «فلحقنا، فلحقنا الرجل، وأخذنا الرقعة، أخذنا الرقعة». قال: «فقرأناها، وإذا فيها: سَلِ المفتي المكي». سل المفتي المكي، أي الشافعي: «هل في تزاور وضمة مشتاق جناح؟ شخص مشتاق، هل عليه حرج إذا ذهب إلى من يشتاق وضمه؟». فقال: «وإذا إجابة أسفل من ذلك». إجابة كتبها الشافعي أسفل ذلك، قال فيها: «أقول: معاذ الله أن يذهب التقى أقول: معاذ الله أن يذهب التقى تلاصق أكباد بهن جراح». أقول: معاذ الله أن يذهب التقى، تلاصق أكباد بهن جراح. انظروا إلى إجابة الشافعي رحمه الله تعالى في علاج العشق، وأنه يعالج بتقوى الله عز وجل. يعالج بتقوى الله عز وجل. وهكذا ذكر الربيع بن سليمان رحمه الله تعالى قال: «مثله ما بلغني أن رجلًا جاءه برقعة فيها». شافعي يا إخوان كان إمامًا، وكان ذكيًا فطنًا، وهكذا ينبغي أن يكون أهل العلم. ليس عندهم غفلة ولا بلادة. فلربما تستخرج منهم الفتاوى، أو يستطيع الإنسان أن يغطي عليهم شيئًا من الحقائق وغير ذلك. يكون نبيهًا، يعرف متى يتكلم، ويعرف متى المصلحة في السكوت، فيحفظ كلامه فلا يتكلم. وهكذا غيرها من أبواب الفطنة والذكاء التي ينبغي أن يكون عليها أهل العلم، وهم كذلك. قال: «مثله ما بلغني أن رجلًا جاءه برقعة فيها»، أي جاء إلى الشافعي بورقة، ورقة مكتوب فيها: «سَلِ الفتى المكي من آل هاشم». سل الفتى المكي من آل هاشم: «إذا اشتد وجْدٌ بمرئٍ كيف يصنع؟» شخص عنده وجْد، والوجد مرتبة من مراتب المحبة، شدة الحب لمعشوق، قد يكون امرأة، وقد يكون غير ذلك، وقد يكون غير ذلك. «إذا اشتد وجْدٌ بمرئٍ كيف يصنع؟». قال: «فكتب الشافعي تحته: يداوي هواه ثم يكتم وجده. يداوي هواه ثم يكتم وجده، ويصبر في كل الأمور ويخضع. ويصبر في كل الأمور ويخضع». فلا بد من مداوات هذا المرض، ويكتم ما في نفسه. قد يبقى هناك أشياء لا تزال موجودة، لا يذهب ويلقي أشعارًا ويتكلم بعبارات: «أنا أحب فلانًا، أنا أعشق فلانًا». لا. قال: «يداوي هواه ثم يكتم وجده، ويصبر في كل الأمور ويخضع، ويخضع». قال: «فأخذها صاحبها وذهب بها، ثم جاءه» أي مرة أخرى «وقد كتب تحت هذا البيت الذي هو جواب الشافعي السابق، كتب تحته: فكيف يداوي والهوى قاتل الفتى؟ فكيف يداوي والهوى قاتل الفتى؟ وفي كل يوم غصة يتجرع». في كل يوم غصة، والغصة هو الشيء الذي يبقى في الحلق، فلا هو يخرج ولا هو يدخل. آه، غصة هنا. قال: «وفي كل يوم غصة يتجرع». ومعنى هذا أن الرجل لم يستطع أن يصبر ويعالج ما به من داء الهوى والعشق. فكتب الشافعي رحمه الله تعالى، كتب له قال: «فإذا لم يصبر على ما أصابه، فإذا لم يصبر على ما أصابه، فليس له شيء سوى الموت أنفعه». إذا لم يصبر، هذا ليس له علاج إلا ماذا؟ إلا الموت. فهذا فيه عناية العلماء رحمة الله عليهم بهذه الأمراض، وإيجاد العلاجات النافعة والأدوية المفيدة لعلاجها. فالعلماء يا إخوان هم أطباء القلوب، وينبغي على الطبيب أن يشفق بالمريض، وأن يرحم المصاب، وأن يختار الأساليب المناسبة التي تجعل المريض يقتنع بهذا العلاج الذي تصفه له، الذي تصفه له. قال رحمه الله تعالى: «قال فصل: قال: فإن قيل: فهل مع ذلك كله من دواء لهذا الداء العضال، ورقية لهذا السحر القتّال، وما الاحتيال لدفع هذا الخبال؟» هذا يعتبر نقصًا في العقل. العشاق هم عقولهم ناقصة. انظروا كيف يسلم عقله ويعطي فؤاده لغيره. وكم يا إخوان، كم مات من مات بسبب العشق، كما سبق معنا الشاعر العربي المشهور المسمى بقيس بن الملوح. ما لقبه؟ قيس بن الملوح، مر معنا قبل مدة. نعم يا أبا صالح: مجنون ليلى. أحسن، مجنون ليلى. عشق امرأة تسمى بليلى بنت مهدي العامرية، عشقها فأصبح مجنونًا بها، أصبح مجنونًا بها في زمرة المجانين، يأتي بأشعار غزل في ليلى العامرية، فلقب بمجنون ليلى. ما نهايته؟ قال: وُجِدَ ميتًا بين أحجار، بين أحجار، ميتًا. وبعد أن ذهب عقله، فأتى الناس وحملوه وذهبوا به عند أهله. هذه نهاية العشق. ومر معنا قصة ابن كليب، مع من؟ ابن كليب مع من يا أبا مريم؟ ابن كليب، نهاية... نعم، ابن كليب مع من؟ حين أن قال آخر ما قال: «وصالك أشهى إلى فؤادي من رحمة الخالق الجليل»، ومات على هذه الخاتمة. مع من؟ أبو صالح يرفع... فمن يزيد يا أبا زرعة؟ مع من؟ حين أن قال له: «يا راحة العليلي». مرة معنا قريبًا يا أبا صالح، تلك قصة حمام من جابي، لكن هذا مع من؟ ابن كليب. نعم، مع أسلم. مع أسلم. وأسلم كما مرة طالب علم كان يحضر حلقات ودروس المشايخ، فعلق ابن كليب هذا بأسلم، وجعل ينشد فيه أبياتًا. أسلم استحى فلم يعد يذهب إلى مجالس العلم حياءً مما قاله ابن كليب فيه. ابن كليب فيه فترات، وإذا بابن كليب يمرض من شدة العشق والغرام والهيام الذي أصابه بسبب هذا الأمر الذي يقال له أسلم، الذي يقال له أسلم. فجاء بعض الناصحين المصلحين، وذكر أسلم عند ابن كليب، فوجده يتنشط ويذهب ما به من مرض. «كيف لو زارك أسلم؟» قال: «ذهب المرض كله». فذهب عند أسلم، وطلب من أسلم زيارة لذلك المريض العاشق. أسلم تحرج، لكن مع الإلحاح وافق. فبينما هو في الطريق، أخبر ابن كليب أن أسلم... ماذا؟ أسلم في طريقه إليك. فنشط، وبدت عليه علامات العافية، وينتظر دخول أسلم عليه. أسلم في طريقه، ماذا؟ جعل يتردد في الذهاب وعدم الذهاب، وقال: «لماذا أجعل نفسي في موضع تهمة وريبة؟» فرجع ولم يأتِ إلى ابن كليب. فلما أخبر ابن كليب برجوع أسلم وعدم مجيئه، فماذا؟ مرض واشتد مرضه، وقال هذه الكلمات وهذه الأبيات التي يعبر فيها عن ما في نفسه وما في قلبه. فكان آخر ما قال، الذي بجانبه قال له: «اتق الله، ماذا تقول؟» قال: «قد سمعت ما قلت»، ومات على ذلك. مات على ذلك. قال رحمه الله تعالى: «قال: وهل من طريق قَصْدٍ قَصْدٍ إلى التوفيق؟ وهل يمكن السكران، وهل يمكن السكران بخمرة الهوى أن يفيق؟ أن يصحو من سكره؟» وهذا كما يقال يا إخوان، بيت القصيد الذي سبق، هذا كله مقدمات من أجل ماذا؟ التمهيد لهذا العلاج الذي جاء السؤال عنه في سؤال السائل الذي أجاب ابن القيم بهذا الكتاب، جوابًا على ذلك السؤال. قال: «وهل يملك العاشق قلبه والعشق قد وصل إلى سويدائه؟» سويدائه، أي إلى أعماق قلبه، أعماق قلبه. قال: «وهل للطبيب بعد ذلك حيلة في برئه من سوء دائه؟ قال: إن لامه لائم، تذ بملامه ذاكرًا لمحبوبه، وإن عدله عادل أغراه عذله، أغراه عذله، وسار به في طريق مطلوبه، ينادي عليه شاهد حاله بلسان حاله». عندنا لسان المقال الذي يعبر به الإنسان عما في نفسه، وهناك لسان الحال، يعني أفعاله تدل على ذلك وتعبر عما عنده. قال: «بلسان حاله: وقف الهوى بي حيث أنت، فليس لي متأخر عنه ولا متقدم». هذا يعني على لسان العشاق. قال: «وقف الهوى بي حيث أنت، فليس لي متأخر عنه ولا متقدم. وأهنتني فأهنت نفسي، مجاهدًا ما من يهون عليك ممن يكرم. أشبهت أعدائي فصرت أحبهم، أشبهت أعدائي فصرت أحبهم، إذ كان حظي منك حظي منهم. أجد الملامة في هواك لذيذة، حيا لذكرك، فليلومني اللوم». أكذا يا إخوان هم العشاق؟ أكذا هم العشاق؟ كل ما يأتي من المعشوق يتلذذون به، يتلذذون به. وماذا؟ وهذا من شدة المرض. قال: «ولعل هذا، وهذه الأبيات المتقدمة تنسب إلى أبي الشيص الخزاعي، وهو محمد بن عبد الله بن رزين، محمد بن عبد الله بن رزين، وكان في زمن الخليفة العباسي هارون الرشيد، هارون الرشيد». قال: «ولعل هذا هو المقصود بالسؤال الأول الذي وقع عليه الاستفتاء، والداء الذي طلب له الدواء، أي لأجله ألف ابن القيم هذا الكتاب». قال: «قيل»: الآن يجيب ابن القيم ويبين شيئًا من العلاجات النافعة في ذلك. قال: «قيل: نعم، الجواب من رأس القلم، الجواب من رأس القلم، وما أنزل الله سبحانه من داء إلا أنزل له دواء، علمه من علمه وجهله من جهله». وهذا حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، أخرجه أحمد وابن ماجه، وصححه جماعة من أهل العلم، منهم العلامة الألباني رحمه الله تعالى: «ما أنزل الله من داء إلا وأنزل له دواء، علمه من علمه وجهله من جهله». قال: «والكلام في دواء هذا الداء من طريقين: أحدُهما حسم مادته قبل حصولها، والثاني قلعها بعد نزولها». قال: «وكلاهما يسير، وكلاهما يسير على من يسره الله عليه، ومتعذر على من لم يعنه الله ويهديه إليه، فإن أزمة الأمور بيديه». وهاتان الطريقان لعلاج العشق: الأول يا إخوان، قبل أن يبتلَ الإنسان بهذا المرض، السلامة لا يعادلها شيء. السلامة لا يعادلها شيء، ولا أن يعافى الإنسان من المرض خير له من أن يبتلى ثم يبحث عن علاج له، عن علاج له. ولاحظوا ما مر معنا، وهكذا ما سيأتي مما يعتبر وقاية من هذا المرض، كغض البصر. غض البصر من أعظم أسباب العشق هو النظر، صور... وهكذا تتعلق القلوب بهذه المناظر، فيحصل التعلق والميل والهوى والعشق لهذا الشخص الذي هو في هذه الصور. وهكذا ما يتعلق به الاختلاط، اختلاط الرجال بالنساء، وهكذا سماع الأغاني، تابعة الأفلام والمسلسلات، وهكذا غيرها مما سيأتي في كلام ابن القيم رحمه الله تعالى، الإشارة إلى بعض ذلك كما سيأتي معنا إن شاء الله عز وجل في الدرس القادم. الكلام حول الطريق الأول الذي هو مانع من حصول هذا المرض، الوقاية خير من العلاج. الوقاية خير من العلاج. وهكذا السلامة لا يعدلها شيء، لا يعدلها شيء. العافية وسؤالها من الله عز وجل كان من أكثر وأعظم أدعية النبي صلى الله عليه وسلم، كان يسأل ربه عز وجل العافية في صباحه وفي مسائه، وهكذا عند نومه، العافية في الدنيا، وهكذا في الآخرة، العافية في الدين والدنيا، في الأهل والمال والولد، وغيرها مما... ماذا يطلب العبد من ربه عز وجل أن يرزقه العافية فيه؟ العافية فيه. ومن ابتلي بهذا المرض، فالواجب عليه أن ماذا؟ أن يسعى في استخدام العلاجات النافعة التي... ماذا؟ تذهب هذا المرض وتزيله، وتزيله. وكما سمعتم سيأتي إن شاء الله عز وجل في كلام الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى ذكر لهذه الأمور المتعلقة بدواء هذا الداء، ألا وهو داء العشق، في هذه الفصول التي سيبين فيها رحمه الله تعالى. فأسأل المولى عز وجل أن ينفعني وإياكم جميعًا بما نقول أو نسمع، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وأن يصلح ظاهرنا وباطننا، وسرنا وعلانيتنا، وأن يجنبنا المصائب والفتن ما ظهر منها وما بطن، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكرًا للمشاهدة. شكرًا للمشاهدة.