الدرس في كتاب الطهارة 67، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي الحديث كيف تيمم عمار بن ياسر بالتمرغ في الصعيد، فأرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصفة الشرعية بضربة واحدة يمسح بها الوجه والكفين، دل ذلك على كفاية ضربة واحدة ومسح الكفين دون الذراعين، وعدم وجوب الترتيب بين الوجه والكفين مع رجحان تقديم الكفين سنة.
يناقش المقطع اختلاف الروايات في صفة التيمم وعدد الضربات، مرجحاً كفاية ضربة واحدة ومسح الكفين إلى الرسغين اعتماداً على حديث عمار، وضعف حديث ابن عمر في الضربتين والمسح إلى المرفقين، كما يبين أن التيمم يرفع الحدث الأكبر رفعاً مؤقتاً حتى وجود الماء، ويناقش اختلاف ألفاظ الرواة في رفع اليدين مع التكبير.
يؤيد النص الاقتصار في الوضوء على الوجه والكفين استنادًا إلى فتوى عمار بن ياسر بعد النبي صلى الله عليه وسلم، موضحاً أن غسل اليدين لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الصحابي المجتهد فهم المراد من الحديث النبوي.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولاهم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وعن عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنهما قال: بعت النبي عليه الصلاة والسلام لحاجة فأجنبت، فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ثم أتيت النبي عليه الصلاة والسلام فذكرت له ذلك، فقال: إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا». ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفه ووجهه. متفق عليه، واللفظ لمسلم. وفي رواية البخاري: «ضرب بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه». قال الشارح: «وعمّار» - بفتح العين وهمزة مكسورة الميم - وهو ابن أبي جُدان. عمار بن ياسر أسلم قديماً وعُذب في مكة على الإسلام، وهاجر إلى الحبشة. فعمار أصله من اليمن، لكن تحالف أبوه ياسر مع بعض قبائل قريش. أسلم قديماً، وعُذب في مكة على الإسلام، وهاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة. وسماه صلى الله عليه وسلم: «الطيب والمطيب». نذكر هذا... نذكر صحته، الله أعلم. قال: «آمن من المهاجرين الأولين، شهد بدراً والمشاهد كلها، وقتل بصفين مع علي رضي الله عنه، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، وهو الذي قال لهم صلى الله عليه وسلم: تقتلكم الفئة الباغية». وبهذا استدل كثير من أهل العلم أن علياً كان على الحق. قال: «بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة فأجنبت» أي: صرت جنباً. وقدمنا أنه يقال: أجنب الرجل إذا أصاب جنابة، ولا يقال: أجتنب. وأكثر في لسان الفقهاء. قال: «فتمرغت» - بفتح المثناة الفوقية والميم مجددة - وفي لفظ: «فتمسحت». ومعناه: تقلب في الصعيد كما تتمرغ الدابة. ثم أتيت النبي عليه الصلاة والسلام فذكرت ذلك له، فقال: «إنما يكفيك أن تقول» أي: تفعل، والقول يطلق على الفعل، كقولهم: «قال بيديه هكذا» - بيديك هكذا -، بينه بقوله: «ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح شمالاً على اليمين، وظاهر كفيه وجهه». معناه: قال للفعل: قول. قال: «متفق عليه» بين الشيخين، واللفظ لمسلم. استعمل عمار القياس، فرأى أنه لما كان التراب نائباً عن الغسل، فلا بد من عمومه للبدن، فأبان له صلى الله عليه وسلم الكيفية التي تجزيه، وأراه الصفة المشروعة، وأعلمه أنها التي فُرضت عليه. ودل على أنه يكفي ضربة واحدة، ويكفي في اليدين مسح الكفين، وأن الآية مجملة، بينها صلى الله عليه وسلم. الاقتصار على الكفين معناه: بدون اليد إلى المرفق، مثل ما هو عند الشافعية. وأفاد أن الترتيب بين الوجه والكفين غير واجب، لأن في الحديث قدم اليدين على الوجه، وفي الآية قدم الوجه على اليدين: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾، فظهر أنه لا فرق بين هذا وهذا، معناه: ما يوجب الترتيب، سواء قدم الوجه أو قدم الكفين. والسنة أن يقدم الكفين. قال: «والنص لمسلم: استعمل عمار القياس، فرأى أنه لما كان التراب نائباً عن الغسل، فلا بد من عمومه للبدن، فأبان له صلى الله عليه وسلم الكيفية التي تجزئه، وأراه الصفة المشروعة». معنى هذا: معنى إجمالي للحديث. وعلمه أنها التي فُرضت عليه، ودل على أنه يكفي ضربة واحدة، ويكفي في اليدين مسح الكفين، وأن الآية مجملة، بينها صلى الله عليه وسلم. الصاري على الكفين. وأفاد أن الترتيب بين الوجه والكفين غير واجب. وإن كانت الواو لا تفيد الترتيب، إلا أنه قد ورد العطف في رواية البخاري للوجه على الكفين بـ «ثم». وفي لفظ: «لا، بل ضرب بشماله على يمينه، وبيمينه على شماله على الكفين، ثم مسح وجهه».حياناً يكون هذا التغيير من بعض الرواة، أحياناً التغيير من بعض الرواة. وإلا تجد الحديث واحداً، فيضع بعضهم «ثم» في غير موضعها. قد يكون من بعض الرواة، ليس من الصحابة. جاء في حديث مالك بن الحويرث وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه ويكبر. كان يكبر ويرفع يديه. هكذا جاء في الصحيحين: «يكبر ويرفع يديه». وجاء أنه كبر ثم رفع يديه. هذا معنى. جاء أنه رفع يديه ثم كبر. وجاء: «كبر ثم رفع يديه» وهي رواية مسلم: «كبر ورفع يديه». معنى: أو «ثم رفع يديه». معنى: جاء الله رفع يديه بعد التكبير. وهذه الصفة لم يقل بها أحد من العلماء فيما أعلم، والله أعلم. لم يقل أحد أن التكبير: يكبر ثم يرفع يديه. وإنما الذي جاء في الأحاديث: نفس الحديث هو أحاديث مالك: أنه يكبر مع رفع اليدين، أو يكبر قبل رفع اليدين، قبل التكبير: إما قبله وإما معه. أما بعد التكبير فهذا لم يثبت. وما وجد في هذه الرواية فالظاهر أنه خطأ بعض الرواة، أنه زاد «ثم». قال: «كبر ثم رفع يديه». وهذا ليس صحيحاً. والحديث واحد. الحديث واحد. حتى يقال مثلاً: حتى يقال عدم تغليط الثقة. ولهذا بعض العلماء كالشيخ الألباني ذكر هذه الصفات ثلاث، ومنها ما بعد التكبير، معنى: يرفع يديه بعد التكبير. وهذا قلنا ليس صحيحاً، وإن كان في صحيح مسلم. لأن الأصل الحديث صحيح، لكن هذه الرواية غير صحيحة. قال: «في لفظ لأبي داود: ثم ضرب بشماله على يمينه، وبيمينه على شماله على الكفين، ثم مسح وجهه». ثم مسح وجهه. معنى ذكره «ثم» هنا. وفي لفظ الإسماعيلي ما هو أوضح من هذا: «إنما يكفيك أن تضرب بيديك على الأرض، ثم تنفضهما، ثم تمسح بيمينك على شمالك، وبشمالك على يمينك، ثم تمسح على وجهك». لكن الصحيح كما قلنا: أن تقديم هذا أو هذا سواء، كان قدم اليدين أو قدم الوجه. لكن الأفضل أن يقدم اليدين - الكفين - معنى: أولاً يمسح الكفين، ثم يمسح وجهه. قال: «وقد اختلف في كمية الضربات، وقدر التيمم في اليدين. فذهب جماعة من السلف ومن بعدهم إلى أنها تكفي الضربة الواحدة. وذهب إلى أنها لا تكفي الضربة الواحدة جماعة من الصحابة ومن بعدهم، وقالوا: لا بد من ضربتين». للحديث الذي يأتي قريباً، هو حديث ابن عمر. لكن لا يصح. هو الذين ذهبوا إلى كفاية الضربة: جمهور العلماء. وهل الحديث عملاً بحديث عمار؟ فإنه صح حديث في الباب. وحديث الضربتين يأتي أنه لا يقوى على معارضته. قال: «وكل ما عدا حديث عمار فهو ضعيف أو موقوف كما يأتي». وأما قدر ذلك في اليدين... وكل ما عدا حديث عمر... أو ابن عمر... أه عمار... أه عمار. قال: «وكل ما عدا حديث عمار فهو ضعيف أو موقوف كما يأتي». وأما قدر ذلك في اليدين، فقال جماعة من العلماء: وهل الحديث أنه يكفي في اليدين الراحتين وظاهر الكفين لحديث عمار. هذا، وقد رويت عن عمار روايات بخلاف هذا، لكن لا يصح ما في الصحيحين، فلذا الصحيح أنه إلى الرسغ. قال: «وقد كان يفتي به عمار بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام. وقال آخرون: أنها تجب ضربتان، يمسح اليدين مع المرفقين، لحديث ابن عمر الآتي. ويأتي أن الأصح فيه أنه موقوف، فلا يقاوم حديث عمار المرفوع الوارد للتعليم». ومن ذلك اختلاف في الترتيب بين الوجه واليدين. وحديث عمار كما عرفت قاضٍ بأنه لا يجب. وإليه ذهب من قال: تكفي ضربة واحدة. قال: «والعطف في الآية بالواو لا ينافي ذلك». أنا لا ينافي الترتيب. وذهب من قال بالضربتين: أنه لا بد من الترتيب، تقديم الوجه على اليدين، واليمنى على اليسرى. وفي حديث عمار دلالة على أن المشروع هو ضرب التراب، وقال بعدم إجزاء إجزاء غيره: الحنفية وغيرهم. طيب. قال: «وقال الشافعي: يجزئ وضع يده في التراب، لأن في إحدى روايتي تيمن... من صلى الله عليه وسلم الإجبار... أنه وضع يده. وفي رواية... أي: من حديث عمار، البخاري: ضرب بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه. أنه نفخ فيهما، ومسح. المراد: أنه يخرج هذا الطين. قال: للبخاري: ضرب بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه. فالنفخ سنة: أنه ينفخ. وبعض العلماء يقول: أيضاً أنه يدق. لكن لم يأت في حديث عمار. والمراد: يخرج الغبار حتى لا يوسخ وجهه بالغبار». قال: «فأما نفخ التراب فهو مندوب، وقيل: لا يندب». سبق الكلام في الترتيب: أن الترتيب ليس واجباً. قال: «وهذا التيمم وارد في كفاية التراب للجنب الفاقد للماء. وهذا التيمم وارد في كفاية التراب للجنب الفاقد للماء. وقد قاسوا عليه الحائض والنفساء. وقال فيه ابن عمر وابن مسعود». وأما كون التراب يرفع الجنابة أو لا، فسيأتي في شرح حديث أبي هريرة، وهو حديث مائة وتسعة عشر. ولا شك أن الصحيح يرفع. طيب. قال: «وقال فيه ابن عمر... وما كون التراب يرفع الجنابة أو لا، فسيأتي في شرح حديث أبي هريرة». وأخذنا من قبل أن التراب يرفع الجنابة، يرفع الوضوء ويرفع الجنابة كذلك. لكن رفعاً مؤقتاً، رفعاً مؤقتاً. فإذا جاء الماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فليمس الماء بشرته». قالوا: «عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: التيمم ضربتان، ضربة للوجه، وضربة لليدين للمرفقين». رواه الدارقطني. وقال في سننه عقب روايته: «وقفه يحيى القطان وابن عيينة وغيرهما، وهو الصواب». لذا قال مصنف... صلى الله عليهما... وقف على ابن عمر. قالوا: «وإنه من كلامه، وللاجتهاد مسرح في ذلك». معناه: الصحيح هو الوقف، أنه من كلامه عبد الله بن عمر، أو من فعله. قالوا: في معناه عدة روايات، كلها غير صحيحة، بل إما موقوفة وضعيفة. فالعمدة حديث عمار. وبه جزم البخاري في صحيحه، فقال: «باب التيمم للوجه والكفين». قال المصنف في الفتح: «أي: هو الواجب المجزئ». صحيح أنه كما ذكر المؤلف: أنه لا يقاوم حديث عمار في هذه المسألة حديثاً. قال البخاري: «باب التيمم للوجه والكفين». قال المصنف في الفتح: «أي: هو الواجب المجزئ». وأتى بصيغة الجزم في ذلك مع شهرة الخلاف فيه، لقوة دليله. فإن الحديث الوارد في صفة التيمم لم يصح منها سوى حديث جبير وعمار. وما عداه فضعيف، أو مختلف في رفعه ووقفه، والراجح عدم رفعه. فأما حديث جبير فورد بذكر اليدين مجملة. وأما حديث عمار فورده بلفظ الكفين في الصحيحين، وبلفظ المرفقين في المسند، أو في السنن، وهو لا يصح. وفي رواية: إلى نصف الذراع. وفي رواية: إلى الآباط. فأما رواية المرفقين وهذا نصف الذراع، ففيه مقال. وأما رواية الآباط، فقال الشافعي وغيره: إن كان ذلك وقع بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، فكله تيمم. صح عن النبي صلى الله عليه وسلم بعده فهو ناسخ له. وإن كان وقع بغير أمره، فالحجة فيما أمر به. ويؤيد رواية الشرع في الاقتصار على الوجه والكفين: أن عمار كان يفتي بعد النبي عليه الصلاة والسلام بذلك. وراوي الحديث عرف المراد منه به من غيره، ولا سيما الصحابي المجتهد. وخلاصة هذا: أن غسل اليدين لم يثبت. غسل اليدين لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.